حاوره كميل الطويل

هل تكون الثالثة ثابتة؟. سؤال لا بد أنه يتبادر إلى ذهن الدكتور محمود جبريل وهو يستعد، كما يبدو، لخوض غمار المنافسات الانتخابية من جديد في ليبيا.

فما يضمن أن تحالف القوى الوطنية الذي يقوده سيُسمح له بالوصول إلى السلطة لو فاز في الاقتراع المقبل، بعدما «سُرق الحلم»، كما يقول، في الاقتراعين السابقين عامي 2012 و2014؟ سؤال مشروع بلا شك.

الجزء الأول

في حوار أجرته معه «الشرق الأوسط» في لندن، يطالب الدكتور جبريل بتعهدات مسبقة من كل القوى السياسية وأيضاً المسلحة، سواء كانت تابعة للمؤسسة العسكرية أو لميليشيات، باحترام نتائج الانتخابات، قبل إجرائها.

وهو يتهم صراحة «قوى الإسلام السياسي» بأنها أبطلت، بقوة السلاح، فوز تحالف القوى الوطنية في الانتخابات الماضية، قائلاً إن تضييع تلك الفرصة أضاع فرصة تحويل «انتفاضة 17 فبراير (شباطإلى مناسبة لبناء دولة.
يتحدث الدكتور جبريل الذي قاد المكتب التنفيذي المؤقت (حكومة الثوار) خلال «انتفاضة فبراير» ضد حكم القذافي، عن تفاصيل زيارته الأخيرة لطرابلس بعد انقطاع استمر سنوات، ويقول إنه لبّى دعوة وجهتها إليه «كتيبة النواصي» وهي مجموعة مسلحة تنشط في سوق الجمعة (شرق طرابلس).

ويعترف بأنه لم ينسّق مع حكومة الوفاق الوطني برئاسة فائز السراج خلال هذه الزيارة إلى مدينة يُفترض أنها خاضعة لسيطرتها. يقول إن «النواصي» أيّدت في البداية حكومة السراج لكنها تراجعت عن ذلك نتيجة «الأداء المخزي والفاشل» لها. ويعتبر أن الكتائب المسلحة التي تعلن ارتباطها بحكومة الوفاق تعلن ذلك فقط لأنها تتلقى رواتبها منها، قائلاً إن السراج لا يمكن أن يبقى لحظة في طرابلس إذا سحبت الميليشيات المسلحة الغطاء عنه.

يشيد جبريل بجهود الجيش الوطني الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر في التصدي للجماعات المتشددة في الشرق الليبي. ورغم انفتاحه على أنصار النظام السابق، يقول جبريل إن عقبات قانونية تحول أمام لعب سيف القذافي، دوراً أساسياً في مستقبل ليبيا، قائلاً إن سيف ما زال مطلوباً للمحكمة الجنائية الدولية و«القانون الدولي يسمو على القانون المحلي الليبي».

ويحذّر جبريل من خطر «توطين» ملايين الأفارقة في ليبيا، مشيراً إلى أن هذه الفكرة مطروحة أوروبياً في إطار التصدي لموجة المهاجرين إلى القارة العجوز.

وهنا نص الحوار:

لماذا كان هذا الانقطاع الطويل عن زيارة ليبيا ولماذا الزيارة المفاجئة؟
لم يكن الانقطاع خياراً بل كان اضطراراً، فبعد عملية «فجر ليبيا» (في صيف 2014) أصبح هناك تهديد أمني حقيقي تُرجم في حرق مقرات تحالف القوى الوطنية في طرابلس والعبث بملفات أعضائه. لم يقتصر ذلك على طرابلس بل امتد ليشمل غالبية مدن المنطقة الغربية.

قام بذلك من يسمّون أنفسهم «تنسيقية العزل السياسي»، وهم مجموعات محسوبة على الإسلام السياسي كانت تسمي نفسها في البرلمان «كتلة الوفاء للشهداء». ما حصل كان انقلاباً حقيقياً على العملية الديمقراطية في ليبيا. حصل ذلك عام 2012 بعد الانتخابات الأولى (التي فاز فيها التحالف)، ثم تكرر عقب الانتخابات النيابية عام 2014. حصلت عملية «فجر ليبيا» وطُرد البرلمان (الجديد المنتخب) من طرابلس، وهُجّر أعضاء تحالف القوى الوطنية، وبعضهم تعرض لمضايقات وتنكيل وتوقيف. وبالتالي، ترْك طرابلس لم يكن خياراً بل نتيجة اضطرار.

في أغسطس (آب) الماضي، نظمنا ندوة دولية بمدينة الحمامات التونسية، وطرحنا مبادرة استغرق إعدادها نحو سنة كاملة من التشاور مع أطراف نسميها فاعلة على الأرض. بدأت تلوح في الأفق استجابة من بعض هذه الأطراف. فعلى مستوى التشكيلات المسلحة، جاءتنا استجابة من «كتيبة النواصي» وهي إحدى الكتائب الكبرى في طرابلس. أحبّوا مناقشة المبادرة وأبدوا استعداداً مبدئياً للخوض في تفاصيلها. وُجّهت دعوة فقبلْتها وسافرتُ إلى طرابلس حيث مكثت يومين.

كان النقاش رائعاً ومسؤولاً وترتبت عليه خطوات عملية وتشكلت لجنة تحضيرية ستجمع سياسيين وقادة تشكيلات مسلحة وبعض القوى الاجتماعية (الأعيان)، أي الشرائح الثلاث التي نعتقد أنها تمثّل القوى على أرض الواقع.

وهذه القوى هي: الاجتماعية، والمسلحة، والسياسية، والتي كانت غائبة عن اتفاق الصخيرات. وبالتالي، فإننا نشعر بأن مبادرة غسان سلامة فيها تشابه كبير مع ما كنا ننادي به، لأنها حاولت أن تعكس توازن القوى الفعلي على الأرض والذي كان مغيّباً عن اتفاق الصخيرات.
إذاً، هذا باختصار سبب الغياب عن طرابلس وسبب العودة.

 ما وضع «كتيبة النواصي» حالياً وما مدى ارتباطها بحكومة فائز السراج؟
– «
كتيبة النواصي» ناشطة في سوق الجمعة بطرابلس، وهم لا يُحسبون على الإسلام السياسي. أما بالنسبة إلى موقفهم من حكومة السراج، فهم دعموها في البداية باعتبارها حكومة وفاق، ولكن في ضوء الأداء المخزي والفاشل لهذه الحكومة باتت القوى كافة تبحث عن بديل.

فقد اتضح أن ما قام به المجتمع الدولي من تنصيب لهذه الحكومة لم يكن الحل الأنسب. فالحكومة تتمتع بدعم الشرعية الدولية لكنها لا تتمتع بالدعم الوطني.

 لكن هذه هي الحكومة الفاعلة في طرابلس؟
هي موجودة في طرابلس لكنها ليست فاعلة

هل تريد القول إنك عندما زرت طرابلس لم ترَ قوات حكومة السراج فيها؟ فمَن يحكم طرابلس إذاً؟
الكتائب المسلحة، أي الميليشيات، هي التي تحكم.

  ولكن معظمها يُحسب على أنه موالٍ لحكومة السراج؟
يأخذ رواتبه من حكومة السراج، فهذه الحكومة لا خيار أمامها إلا أن تُعطي (الأموال). وجودها في طرابلس مرهون باستمرارها في دفع رواتب هؤلاء الشباب (أعضاء الميليشيات).

ألم تنسق بتاتاً مع حكومة السراج عندما زرت طرابلس؟
لا إطلاقاً. تلقيت الدعوة من «كتيبة النواصي» وقبلت الدعوة، وذهبت. الفارق بين السلطة الرسمية والسلطة الفعلية، مع كل الاحترام للأخ فائز السراج وحكومته، هو أنه إن لم توافق الكتائب المسلحة على وجوده في طرابلس فلن يستطيع أن يبقى دقيقة واحدة فيها. هذا الأمر الواقع.

وماذا عن الحرس الرئاسي؟
الحرس الرئاسي مهمته حماية الرئاسة. إذا استطاع أن يحميها أكثر الله من خيره.

> يبدو أنك لا تريد تأييد حكومة السراج رغم الاعتراف الدولي بها والذي تَمثّل قبل أيام فقط في استقبال رئيس الولايات المتحدة دونالد ترمب للسراج. وحتى حكومة شرق ليبيا لديك أيضاً اعتراض عليها.
لا يعنيني كثيراً أن ترمب استقبل هذا الطرف أو ذاك. أنا أدعم برنامج إنقاذ لهذا الوطن. عندما يتبنى السراج برنامج إنقاذ للوطن فسأدعمه. لكنني لا أدعم أشخاصاً، بل برامج. أدعم برنامجاً يُخرج الوطن من أزماته، وهذا البرنامج غير موجود حتى الآن. لو كان مطروحاً لما قدّم غسان سلامة مبادرته لتعديل اتفاق الصخيرات ومحاولة خلق حكومة وحدة وطنية.

ما فعله المجتمع الدولي هو أنه بدأ بحكومتين (حكومة عبد الله الثني في الشرق وحكومة خليفة الغويل في طرابلس) وأضاف إليهما ثالثة (حكومة السراج). بدل أن يوحّد الحكومات المتشرذمة، زاد الأمور تشظياً. أنا لا أدعم تشظي هذا الوطن ولا أدعم حكومات لا تمتلك الفعالية لتحكم. لا الحكومة في الشرق لديها الفاعلية، ولا حكومة السراج لديها الفاعلية، ولا ما سُمّي حكومة الإنقاذ (الغويل) لديها الفاعلية.

فببساطة أدوات الحكم ليست في يدها. إنها حكومات لا تمتلك جيشاً ولا شرطة ولا قضاء ولا أدوات مالية. هي هياكل تفتقر إلى أدوات الفعل.

  ولكن أقرب هذه الحكومات إلى هذا التوصيف –أي الحكم الفعليهي حكومة الثني في الشرق. ألا تعتقد ذلك؟
حكومة الثني عيّنها البرلمان، ولذلك عندها شرعية برلمانية، ولكن شرعية الأداء وشرعية الإنجاز مفقودة. ليس لأيٍّ من الحكومات الثلاث شرعية حقيقية في وعي المواطن وفي يقينه. الشرعية لدى المواطن ترتبط بالقدرة على الإنجاز. عندما يقف المواطن أمام المصارف طوال يومين ليقبض ما يعادل 200 دولار فقط في الشهر، وعندما تنقطع عنه الكهرباء بين 10 و15 ساعة يومياً، وعندما لا تصله المياه، وعندما يكون الأمن مفقوداً، فأيُّ شرعية يمكن أن يعطيها المواطن لأي حكومة؟

  هل تتوقع أن كل هذه الأطراف التي تتنازع على السلطة ستقبل المبادرة التي تطرحها؟
أتوقع أن ينخرطوا في حوار جاد حولها. وعندما ينتهي هذا الحوار بالإضافة والحذف والتعديل تصبح مبادرة جامعة وليست مبادرة التحالف الوطني فقط. هدف المبادرة في الأساس التغلب على معوقات قيام الدولة الليبية. خطأ اتفاق الصخيرات أنه افترض أن هناك دولة لديها سلطة وكان برناردينو ليون (المبعوث الدولي السابق) يسعى إلى تقسيم هذه السلطة ما بين القوى المتصارعة، ناسياً أو متناسياً أن السلطة لم تُخلق بعد ليتم تقاسمها.

السلطة الفعلية هي في أيدي هذه القوى التي نتحاور معها الآن في محاولة جديدة لإعادة السلطة إلى الدولة. فالسلطة تشتتت وتبعثرت ما بين سلاح وقوى اجتماعية وقوى سياسية، وليست هناك سلطة مركّزة لدى سلطة معترف بها من الجميع. وبالتالي فكرة هذه المبادرة هي إعادة تجميع السلطة في يد واحدة.

البقية في الجزء الثاني
__________

مواد ذات علاقة