في سنة 1988 سجل الاعلام اول ضحية للهجرة السرية غرقا في البحرالابيض المتوسط. ثم تتالت الاخبار الدولية تنذر بتوالي المآسي في الضفة الجنوبية لاوربا التي تضمّ دولا صناعية كبرى اُعتقد كثيرا انها قلعة منيعة ضد الدخول غير القانوني.
***
الاتّحاد الاوربي بين الانسان والقانون
الهجرة في المتوسط موضوع قديم حديث، اذ تطورت الظاهرة لتشمل العجائز والنساء والاطفال، بينما كانت في بدايتها لا تشمل الا اليافعين من الشباب.
وصار الحديث اليوم عن هجرة الشعوب وليس فئات من اجتماعية مهمشة او شباب حالم باختزال الزمن من اجل الثروة والبحث عن ضربة حظ، الكل يهاجرون و يموتون مئة مرة قبل الوصول الى اوربا باتجاه الشواطئ الإيطالية، في حين يتوجه القسم الآخر إلى شواطئ اليونان ومالطا أو أسبانيا.
الاسباب كلاسيكية اهمها القمع والاظطرابات السياسية وغياب التنمية و الواقع البائس في البلاد العربية وفي غرب إفريقيا والوجه الشاحب للديمقراطية في المنطقة و منع التاشيرة الذي ينتهى بالبحث عن طرق غير قانونينة تنتهي بالغرق وفي احسن الحالات الانقاذ من الموت الايقاف بمراكز الايواء ثم الترحيل .
فالثورة السورية تدخل عامها السادس دون حل في الافق ويتبعه وضع الفلسطينيين في سوريا وفي مخيم اليرموك الذي لم تصله المياه لمدة 84 يوما.
بالإضافة الى الوضع في ليبيا بسبب فشل الحوار واحتكام الفرقاء الى قعقعة السلاح اللذان ساهما في تنشيط الهجرة غير الشرعية تنشيطا مباشرا.
فالظروف الاقتصادية ووضع حقوق الانسان في بعض الدول الافريقية. طالما أرّق حكومات البحر المتوسط و الاتحاد الاوربي. حيث استخدم كورقة سياسية لابتزاز الاتحاد الاوربي.
وكان القذافي هو اكبر من ابتز الاتحاد الاوربي وقايض الموقف السياسي الغربي بالامن في المتوسط وهدأة الاشرعة المهاجرة وقواربها. و نظام القذافي هو اكثر الانظمة التي لعبت وظيفة الحارس لمنع الهجرة واستمد جزءا من شرعيته بسبب تلك الخطة، ولكن الارقام المهاجرة لم تتوقف.
وبعد ثورة تونس البلد الذي له 1200 كم سواحل بحرية على الحدود مع ضفة المتوسط ، كانت محاولة اغراق البحر المتوسط بفوضى الزوارق والهجرة السرية لنشر الفوضى على اعتاب اوربا لارسال رسالة سياسية للغرب مفادها بان البديل عن نظام بن علي هو الفوضى في المتوسط و طوفان القوارب.
وكان ذلك بتوفير الاموال واليخوت والقوارب للراغبين في الهجرة. وتحدثت الجهات الامنية بمدينة جرجيس، جنوب البلاد التونسية، عن هجرة المئات فجاة،وقدرة سريعة ومباغتة لعائلات فقيرة بالجهة على توفير مبالغ 2000 دينار تونسي أي ما يعادل 1300 دولار أمريكي من اجل الهجرة او “الحَرْقة” باللهجة التونسية و”الحْريك” باللهجة المغربية ، او ما يزيد ثمنا لرحلة العبور تقدم لتجار سفن التهريب البشري.
بينما تفيد الاحصاءات عن تناقص الظاهرة نسبيا من تونس التي كانت فيها مشكلة هجرة حقيقية واحبطت فيها مئات العمليات بسبب وجود حوار جاد بين الفرقاء السياسيين، فالحدود التونسية صارت شبه آمنة بعد ان وصلتها معدات من الاتحاد الاوربي للمراقبة.
انظمة الحكم في مصر وفي ليبيا في موقف ضعف، وفي ظل غياب الدولة او حضورها بالهشاشة في المنطقة بسبب عدم الاستقرار السياسي وسيطرة العصابات في ليبيا البلد الذي يملك حدودا بحرية بطول 2400 كم، نشطت شبكات التهريب التي تؤمن الراغبين في المنازل والمستودعات قبل تهجيرهم على متن قوارب ذات اشرعة بالية لا تمتلك الاحد الادنى من مواصفات السلامة، بعد ان يتناول البعض منهم اقراصا تغير المزاج وتعين على ازالة الوجل والرهبة من البحر.
ليبيا ومصر صارتا محطات عبور من سيراليون ودول افريقيا الوسطى، و الهجرة تتخذ طابعا كارثيا للهروب من الموت في سوريا وانطلقت عملية خلط الاوراق، لتستعمل قضية الهجرة حسب منظمات حقوقية لتحريض الاتحاد الاوربي على التدخل عسكريا في شان الهجرة السرية. وكانت ايطاليا اول بلد متضرر بسبب قرب جزيرة “لمبيدوزا” الايطالية من السواحل التونسية.
هجرة الفقراء نحو الضفة الاخرى تشير الى ان العالم العربي وشمال افريقيا لازال عالما خطرا في مقابل العالم الغربي،و ابناء المغرب يصطفون امام سبتة ومليلة محل النزاع مع اسبانيا، من اجل المرور الى الضفة الاخرى، واغلب الغرقى هم من سكان العالم العربي والافريقي والعالم الامازيغي.
مما جعل الاتحاد الأوروبي يطرح مقترح المحاصصة في تقاسم طلبات اللجوء والمهاجرين إلى القارة العجوز، ثم مرافقتها باجراءات امنية واقتصادية للتعامل مع مآسي الظاهرة من ناحية، ولحماية اراضيها من تهديدات إرهابية من ناحية ثانية.
حزمة مقترحات الاتحاد الأوروبي، سيطر مصطلح اللاجئ على خطابها أكثر من مصطلح المهاجر، تجاوبا مع واقع ماساوي بسبب حجم الاضطرابات والحروب في المنطقة، وخاصة ليبيا،وصار قبول الأوروبيين بالتعامل مع قوارب الهجرة السرية، على انها قوراب لاجئين فارين من حروب مميتة.
فقد وصفت افتتاحية لوموند الفرنسية رفض بريطانيا والدانمارك وايرلندا لمقترح الاتحاد الأوروبي بقبول حصة معينة من المهاجرين اللاجئين، بكونه “فعل غير تضامني” من قبل هذه البلدان.
وفي المقابل تكلفت المانيا بقبول الحصة الأكبر من اللاجئين، وهي 18 في المائة تليها فرنسا وسويسرا وإيطاليا وإسبانيا.
حاليا، ويوجد بين يدي بلدان الاتحاد الأوروبي ما يقارب 260 ألف طلب لجوء للاقامة ، وتفكر المجموعة الاوروبية في ضم 20 الف آخرين يوجدون بمناطق خارج الاتحاد، لكن فقط المصنفين من قبل الأمم المتحدة على أنهم لاجئون ولكن بعد الحادث الفظيع الاكبر في تاريخ الهجرة السرية قررت دول غربية التحرك بالبوارج البحرية و تعامل مع المهاجرين كارهابيين حسب منظمات حقوقية .
ففي تصريح لفرانسوا هولاند على قناة قنال + قال فيه:” يجب ان يعلم تجار الهجرة السرية اننا امام ارهاب حقيقي”. ايطاليا قررت تحريك بوارج عسكرية لمقاتلة داعش في البحر، ولكن العقلاء في اوربا كبحوا جماح الفكرة، ينما تتجه سفن المانية وبريطانية وايطالية لمراقبة السواحل في المتوسط في ظل نقص الدعم الايطالي لمساعدة المهاجرين وامتناع مالطا واليونان الى نقل المهاجرين الى موانئها.
***
سليم الحكيمي ـ كاتب صحفي تونسي
_______________