بقلم عدنان كريمة
إذا كان» الدفع الإلكتروني» يحل جزءاً من أزمة السيولة النقدية التي يعانيها الليبيون، فهو لايمنع استمرار هذه الأزمة، وربما تفاقمها، خصوصاً انها أصبحت تهدد بتدهور قيمة الدينار الليبي الذي وصل سعر تداوله في السوق السوداء الى 10 دنانير للدولار (في مقابل 1.4 دينار للسعر الرسمي).
ولا يستبعد المراقبون ان يستمر انخفاضه الى نحو 20 دولاراً، في ظل تراجع حجم الاحتياط النقدي لدى البنك المركزي، مع العلم ان الارتباط بين الدولار والدينار وثيق جداً وشبه كلي، وبنسبة 97 في المئة.
الى جانب أزمة نقص السيولة، يعاني الليبيون من تداعيات سلبية تنعكس على مستوى المعيشة، اقتصادياً واجتماعياً، نتيجة ارتفاع أسعار المواد الغذائية والسلع التموينية وأجور النقل وكلفة الانتقال، نتبجة تراجع القوة الشرائية لدخلهم، لاسيما بالنسبة إلى الأجراء والمستخدمين والموظفين في القطاعين العام والخاص.
محافظ مصرف ليبيا المركزي في طرابلس الصديق الكبير، عزا أسباب الأزمة الى قيام كبار المودعين بسحب أكثر من 30 بليون دينار من المصارف، وهو مبلغ كبير ويتجاوز نسبة 70 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي. ولكن الخبراء والمراقبين يعزون الأسباب الى فقدان الثقة لدى المواطنين ورجال الأعمال، في امكان عودة الأمن والاستقرار الى البلد، ما أدى الى سحب الأموال من المصارف التجارية، وطالب هؤلاء المصرف المركزي بالعمل لإعادة الثقة الى القطاع الخاص، وتقديم حوافز له، وفتح اعتمادات مالية، وضخ مزيد من السيولة النقدية في حسابات التجار والمستوردين.
هل يمكن تحقيق هذا الهدف في ظل الانقسام السياسي الحاصل مع استمرار الاضطراب الأمني، وتراجع عائدات النفط، وتدهور احتياط النقد الأجنبي لدى المصرف المركزي؟
في الواقع، ليبيا دولة نفطية غنية وعضو في منظمة «أوبك»، وهي كبيرة بمساحتها وصغيرة بعدد سكانها الذي لايتجاوز ستة ملايين شخص، وتعد من البلدان القليلة في الوطن العربي والعالم، غير المدينة لصناديق مالية اقليمية او عالمية. وعلى عكس الكثير من الدول تمتلك احتياطات ضخمة نقدية وذهبية وموجودات خارجية. ولكن على رغم كل ذلك فهي تواجه عجزاً مالياً وتدهوراً اقتصادياً، نتيجة الصراع السياسي الذي تشهده منذ نحو خمس سنوات، مع استمرار الاضطرابات الأمنية، وعنف القتال والعمليات العسكرية بين مكونات الشعب الليبي، فضلاً عن دخول «داعش» وسيطرته على بعض المناطق.
وتبـــرز خطورة الصراع الأمني والسياسي من خلال انعكاسه علـــى المؤسسات النفطية والمالية، خصوصاً في ظل تعدد السلطات، إذ تقـــوم حكومة الإنقاذ برئاسة خليفة الغويل التابعة للمؤتمر الوطني المنتهيـــة ولايته، بأعمال كل حسابات الوزارات في طرابلس، والصرف من المـــوازنة على النفقات الحكومية، في حين تقوم حكومة عبدالله الثني التابعة لمجلس النواب المنعقد في طبرق، بالتعامل مع مقر مصرف ليبيــا المركـــزي في مدينــة البيضاء شرق البلاد،
فضلاً عن سلطة المجلـــس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني برئاسة فايز السراج الذي اعلـــن عن إقرار موازنة ليبيا لعام 2017 بمبلغ 37.56 بليـــون دينار، خصص منها 20.74 بليون لرواتب الموظفين، (اي نحو 78 في المئة من الموازنة)، في مقابل فقط 4 بلايين دينار لتنفيذ مشاريع التــــنمية ذات الأهمية في المناطق والبلديات، على ان يخصص نصفها لتنفــــيذ مشاريع القطاعات الرئيسية، كالنفط والغاز والكهرباء لضمان استعـــادة معدلات الإنتاج الطبيعي واستقرارها (وفقاً لبيان الموازنة).
لافت في هذا المجال، التوافق الحاصل على موازنة العام الحالي، بعد سلسلة اجتماعات ومشاورات نظمت في لندن وروما وتونس وطرابلس، وأفضت وفقاً للبيان الرئاسي، الى»التوصل لجملة من النتائج العملية والقرارات المهمة، منها ايجاد آليات عمل مشتركة وفعالة تضمن تحسين الأوضاع المعيشية للمواطن، وتعالج الكثير من المختنقات التي أرهقته»، وكذلك «التنسيق مع مصرف ليبيا المركزي حول آلية لمتابعة السياسات والإصلاحات الاقتصادية والمالية والنقدية الواجب اتخاذها، وعلى رأسها مسألة انخفاض السيولة النقدية في المصارف، وتدهور سعر صرف الدينار الليبي في مقابل العملات الأخرى، والتضخم وارتفاع الأسعار».
صندوق النقد الدولي متفائل بقدرة ليبيا الاقتصادية والمالية على تخطي الأزمة التي تواجهها، غير انه في الوقت ذاته حذر من ان الخلل في الإنتاج النفطي وزيادة الإنفاق العام قد يستنزفان الاحتياط النقدي الذي سجل تراجعاً كبيراً في السنوات الأخيرة.
قبل حصول التغيير السياسي والإطاحة بنظام معمر القذافي، كان احتياط ليبيا من العملات الأجنبية 165 بليون دولار، إضافة الى 116 طناً من الذهب. ووصلت عائداتها السنوية من النفط الى نحو 60 بليون دولار. ولكن نتيجة تعرضها الى هجرة استثمارات وسحب ودائع من المصارف، وتراجع عائدات النفط سواء لجهة الإنتاج او خفض الأسعار، اضطرت للجوء الى احتياط البنك المركزي لتغطية نفقاتها وعجز الموازنة، ما ادى الى استنزافه في شكل تدريجي حتى وصل الى نحو 76 بليون دولار بنهاية عام 2014، اي بخسارة كبيرة بلغت 89 بليون دولار مقارنة بعام 2010.
واستمر هذا الاستنزاف في السنتين الأخيرتين في شكل ادى الى تراجع الاحتياط الى نحو 50 بليون دولار، وساهم بدوره في تدهور سعر صرف الدينار الليبي.
بما ان ليبيا تعتمد على النفط الذي يمثل 65 في المئة من ناتجها القومي و96 في المئة من صادراتها، و98 في المئة من ايرادات الخزينة، فهي تراهن على عودة الإنتاج الى ما كان عليه عام 2010 والذي لايقل عن 1.6 مليون برميل يومياً، لتوفير عوامل الازدهار لاقتصادها. ولكن تحقيق ذلك دونه صعوبات تعترض التوصل الى اتفاق سياسي بين المتصارعين على السلطة. فهل يرتدعون ويتوحدون لإنقاذ بلدهم من الانهيار الاقتصادي والإفلاس؟
***
عدنان كريمة ـ كاتب متخصص بالشؤون الاقتصادية، بيروت
__________