يغطي هذا التقرير الخُلاصي أبرز القضايا والإشكاليات في موضوع “الهجرة والشباب العربي: الهجرة والمستقبل“، ضمن أعمال المؤتمر السنوي السادس للعلوم الاجتماعية والإنسانية، والذي عقده المركز خلال الفترة 18 – 20 آذار/ مارس 2017 بالدوحة، بمشاركة (65) باحثًا وباحثة مختصًا.

***

السياسة الأوروبية للهجرة

تعدّ دول الاتحاد الأوروبي إحدى أبرز الوجهات التي يقصدها المهاجرون العرب وأهمها. وقد عالجت العديد من البحوث قضايا الهجرة العربية إلى دول الاتحاد الأوروبي، مثل موضوع الجيل الثالث من المهاجرين في بلجيكا، وقضايا الاندماج، والهجرة الطلابية إلى الغرب، وموضوعات أخرى ذات الصلة.

وقد أخذت هذه الهجرة تكتسب سمات الهجرة غير الشرعية، بعد تبني الاتحاد الأوروبي سياسة أمنية تقنينية ابتداءً من أواسط الثمانينات، وهو ما يطلق عليه في المغرب العربي الحريك؛ وهو مصطلح مزدوج المعنى يعني تحدي المحظور وإحراق أوراق الهوية. وقد أصبح هذا المصطلح مألوفًا في الثقافة الشعبية وتبوأ مكانة متميزة في تحليل ظاهرة الهجرة. وقد أبرزت جملة من البحوث أن ما يقارب ثلث المستجيبين في العيّنة التي شملتها بعض تلك المسوحات أعلنوا عزمهم على اللجوء إلى الهجرة غير القانونية للوصول إلى دول الاستقبال الأوروبية، بواسطة شبكات المهربين عبر البحر.

وقد أخذت ظاهرة الهجرة غير الشرعية تتعدى حدود بلدان المغرب العربي إلى دول المشرق العربي، وقد احتلت مصر الترتيب السابع بين أعلى عشر جنسيات للمهاجرين المهربين عن طريق البحر إلى إيطاليا خلال الفترة (2012–2015). وفي عام 2014، احتلت الترتيب الحادي عشر بين أعلى الدول المرسلة للمهاجرين غير الشرعيين إلى اليونان، والترتيب العاشر بالنسبة إلى مالطا. وتعدّ إيطاليا ومالطة واليونان معابر أساسية للهجرة غير القانونية من المشرق العربي إلى أوروبا إلى جانب معابر أخرى.

وعلى الرغم من أن الدول الأوروبية الموقعة على اتفاقية شينغن التي دخلت حيّز التنفيذ في تموز/ يوليو 1990 قد ضمنت حق التنقل بين دولها، فإن دولًا عديدة منها كانت قد اتخذت قبل تدفقات الهجرة الجديدة الكبيرة إلى دول الاتحاد الأوروبي، ولا سيما بين العامين 2014 و2015 وبصفة منفردة سياسات تقييدية قانونية ورقابية وتنظيمية صارمة لمكافحة الهجرة غير الشرعية والتشغيل السري. لكنّ السياسات الأوروبية ظلت بعد التدفقات الهجروية الجديدة تفتقد إلى التوحيد، وظلت تواجه عدة إكراهات وتناقضات وتطغى عليها الخلافات بين الشركاء الأوروبيين؛ وبرز ذلك على الخصوص في رفض بعض الدول لحل تقسيم المهاجرين غير الشرعيين بين دول الاتحاد ولجوء هؤلاء إلى حلول قمعية في مواجهة هذه التدفقات. كما ارتفعت نفقات إجراءات سياسة مكافحة الهجرة غير الشرعية؛ فدول الاتحاد الأوروبي أنفقت 3.11 مليارات دولار ابتداءً من عام 2000 كتكلفة لطرد المهاجرين غير الشرعيين، و6.1 مليارات يورو لحماية حدود أوروبا وتمويل مختلف المؤسسات (فرونطيكس Frontex، نظام المعلومات شينغن وغيرها)، والعمليات (تعبئة قوات الأمن، والنظام المندمج للمراقبة الخارجية وغير ذلك).

من سياسة هجرة أوروبية للعالم العربي إلى سياسة مع العالم العربي

تُعدّ الهجرة محورًا أساسيًا في العلاقات الأورومتوسطية، وتمتلك دول الاتحاد الأوروبي وكل دولة أوروبية على حدة سياسات منظومية للهجرة، ولا سيما في دول حوض البحر الأبيض المتوسط. غير أن هذه السياسات تتميز بأحاديتها، وبعدها عن الشراكة الحقيقية مع بلدان الوطن العربي المصدرة للهجرة، وبتحكم المصالح الأوروبية الأمنية السياسية فيها أكثر من المصالح الاقتصادية.

وتذهب النظريات الإيجابية للهجرة إلى أن الهجرة من البلدان العربية تصب في حصيلتها الإجمالية في مصلحة اقتصاديات الدول الأوروبية، وتوفير اليد العاملة بسبب تشيخهذه المجتمعات، وشغل الوظائف الشاغرةالتي لم يعد الأوروبيون يقبلونها. ويمكن للهجرة أن تساهم في تقليص العجز الديموغرافي في دول الاتحاد الأوروبي؛ بسبب انخفاض معدل الخصوبة إلى 1.58، أي أقل من معدل الإحلال وهو 2.1؛ فالأشخاص الذين يخسرهم الاتحاد الأوروبي بسبب استمرار تراجع معدل الخصوبة لا يمكن تعويضهم إلّا بمهاجرين.

دعت بحوث المؤتمر إلى إعادة النظر في نظام الهجرة الأوروبي، لتحويله إلى نظام تشاركي مع الدول العربية المصدرة للهجرة يحمي مصالح كلا الشريكين وذلك باعتماده منهجية الحوار. ويقتضي ذلك تجاوز التناقض بين الحاجة الملحة إلى الهجرة بالنسبة إلى عدة قطاعات اقتصادية في دول الاتحاد الأوروبي والتناقضات التي تعرفها سياسة الهجرة الأوروبية في هذا المجال منذ اتفاقية شينغن؛ أي تجاوز التناقض بين الطلب الاقتصادي والرفض القانوني، وتبني سياسة أوروبية تربوية إقناعية بفوائد الهجرة إلى أوروبا وقيمتها وحاجة أوروبا الماسة إليها في ضوء تشيخها السكاني.

من أجل تبني تصور موضوعي للهجرة، يجب إعادة النظر في الخطاب السياسي وفي الخطاب الإعلامي اللذين يعالجان الهجرة عمومًا بصورة سلبية (الهجرة غير الشرعية، ومشكلات الاندماج، والإرهاب والجريمة، والمخدرات…). ومن المؤسف أن تركز الدراسات والتقارير على هذا الجانب السلبي، محاولةً إبراز تكلفة الهجرة، بينما تظل البحوث التي تتناول الجوانب الإيجابية للهجرة قليلة. أمّا على المستوى الجيوستراتيجي، فلا يمكن لأوروبا أن تستمر في ازدهارها مع إدارة ظهرها لجيرانها في المغرب والمشرق العربي. إن الطريق الأنجع لتحقيق السلم والرخاء المشترك في الحوض المتوسطي يقتضي ألّا تكون لأوروبا سياسة للعالم العربي، ولكن أن تكون لها سياسة مع العالم العربي، وهذا هو كنه معنى الشراكة.

نحو عمل عربي دؤوب للتأثير في التناول الإعلامي الأوروبي لقضايا الهجرة واللجوء

في إطار اهتمام المؤتمر بمناقشة صورة الشباب العربي في الإعلام الغربي، جاءت دراسة صورة الشباب العربي المهاجر، من خلال بحث نموذج مجلة دير شبيغل، مع مقارنة نسبية لها بصحف ومجلات نمساوية وفرنسية مهمة تعبّر عن تيارات واتجاهات الرأي العام. وبلغت نسبة المسح التحليلي للنصوص الإعلامية في هذه المجلات والصحف 865 نصًّا ذا علاقة مباشرة بقضية اللجوء واللاجئين، وفق مراحل زمنية متعددة متقاربة في الفترة نفسها للبحث تتعلق بتحولات الموقف من اللاجئين.

لقد أظهرت بحوث المؤتمر ومناقشاته في هذا المجال أن نسبة الشباب المهاجرين من طالبي اللجوء (وهم في معظمهم مهاجرون غير شرعيين في فرنسا والنمسا من الشريحة العمرية 18-34 سنة) قاربوا 51% في كلا البلدين عام 2015. إضافة إلى هذا، تشير إحصائيات المكتب الاتحادي الألماني للهجرة واللاجئين أن نسبة طالبي اللجوء من الشباب المهاجر في ألمانيا في العام نفسه ممن هم بين سني 18 إلى أقل من 25 سنة قد بلغت 25%، بينما مثّلت نسبة من سنهم تراوح بين 25 إلى ما دون 30 سنة 15% تقريبًا. ويعني ذلك أن هناك خاصية شبابية جوهرية لهجرة اللجوءإلى أوروبا، وهي أحد أبرز أنماط الهجرة في عالمنا اليوم.

وبناء عليه، لا غرابة أن تركز وسائل إعلام هذه الدول على الشباب بصفتهم المكون الأساسي لهذه الهجرة. وقد أظهر البحث ثقافة الترحيب بالمهاجرين الجدد من منطلق حقوق الإنسان، كما أبرز وجود نظرة أخرى تركز على النظرة الاقتصادية المتمثلة بحاجة الاقتصاد الأوروبي والألماني إلى الشباب المهاجرين، فضلًا عن رصد صعود ثقافة النظر اليمينية الجديدة إلى المهاجرين مع انتشار الإسلاموفوبيا والنظر إلى أوروبا على أنها فسحت ملجألذوي الطباع الوحشية، وبخلفية أيديولوجية نمطية مُسبقة تعكس النظرة السلبية الواضحة تجاه الأجانب وبالأخص تجاه الآخر العربي المسلم. وفي تشخيصه لكل هذا، يؤكد البحث ضرورة بذل جهد عربي ملموس ومؤثر للباحثين العرب في بلدان الهجرة، من خلال وسائل الإعلام؛ لتغيير الصورة السلبية الهوياتية المعاد إنتاجها وتفكيكها لمصلحة تعزيز صورة إيجابية تجاه المهاجرين.

توصيات وقضايا للمناقشة

تشكيل مفوضية أو مرصد استقصائي وبحثي خاص بالهجرة في جامعة الدولة العربية، يحفز الدول الأعضاء كما الدول المستقبلة للهجرة على تبني سياسة جديدة تخضع لمقاربة رابح رابح رابح” (Triple win) للفاعلين المعنيين: المهاجر، والدول الموفدة، والدول المستقبلة، ويساعد الدول الأعضاء على وضع سياساتها في مجال الهجرة.

والتشبيك بين هذه المؤسسة المقترحة ومؤسسات ومراكز البحث ومراصدها المعنية بدراسات الهجرة.عمل جامعة الدول العربية على وضع قواعد أساسية لإقامة نظام للهجرة متفاوض عليه بمنطق الشراكة مع دول الاتحاد الأوروبي والبلدان الغربية المستقبلة للهجرة، يحمي مصالح كلا الشريكين العربي والأوروبي، ويحفز السياسات القطرية العربية لكل دولة عضو في الجامعة على تبنيها في المفاوضات الثنائية.

تشجيع المثقفين والباحثين العرب المهاجرين على العمل للتأثير في الرأي العام الأوروبي من خلال النظام الإعلامي المفتوح، لتغيير استمرارية الصور النمطية الدونية للمهاجر في تغذية متخيلات الرأي العام الأوروبي وتصوراته، وكبح جماح الإسلاموفوبيا، وتخفيف وطأة الاتجاهات اليمينية واليمينية الجديدة المعادية للمهاجرين أو لمن هم من ذوي أصول أجنبية.رفع معدل الإنفاق على البحث العلمي، بما لا يقل عن (1%) من الناتج المحلي الإجمالي، وهي النسبة الدنيا الموصى بها عالميًا، والربط بين الكفاءة الداخلية للبحث العلمي والكفاءة الخارجية في تفعيل عملية التنمية.

الاهتمام بجودة التعليم العالي عمومًا والتعليم ما بعد الجامعي خصوصًا، وعقد شراكات فعالة مع العديد من الجامعات العالمية التي تتوجه إليها الهجرة الطلابية العربية لإكمال الطلبة العرب دراساتهم العليا.

تفعيل سياسات كسب الكفاءات” (Brain Gain) وبرامجها وأدواتها واستعادتها، مثل تعزيز الشبكات العلمية، وتفعيلها من خلال الاستفادة من تجارب دولية رائدة لكسب هذه الكفاءات، في تشيلي والمكسيك وجنوب أفريقيا والهند، وخصوصًا في الصين، مثل تجمّعات (Overseas Chinese Professionals) التي تجمع اليوم ما يناهز مليون شخص يعملون في أكثر من 200 جمعية، مع تركيزات عالية في أميركا الشمالية وتعمل كلها تحت شعار (weiguo fuwu) الذي يعني خدمة الوطن الأم“.

كما يمكن لهذه البرامج استهداف الكفاءات العربية الشابة، من طلبة الدكتوراه أو ما بعد الدكتوراه أو المتخرجين حديثًا في مجالات الطب والهندسة والإدارة وسواها، لتسهيل استقطابهم بعد تخرجهم.الاستفادة من التجارب الدولية لبرامج نقل المعرفة (TOKTEN) عن طريق الكفاءات المهاجرة المنتمية إلى المستويات العليا من رأس المال البشري ورأس المال المعرفي، وتفعيل برامج وسياسات وهياكل برامج نقل المعرفة التي اتبعتها بعض الدول العربية، عبر ربطها بحاجات التنمية وتطوير البحث العلمي النظري والتطبيقي.

تحفيز الاتحادات والمنظمات العلمية العربية المختلفة للجامعات والمدن العربية والتنمية الزراعية وغيرها على التشبيك مع الباحثين والأساتذة في مجال اختصاصاتها، وجذبهم إلى فعالياتها ومؤتمراتها وخططها وبرامجها البحثية.إعطاء الأولوية في اعتماد الخبراء للكفاءات العربية العليا المهاجرة؛ بما يساهم في الاستفادة منها في عملية التنمية، واتباع أساليب غير تقليدية في استرجاعها“.

تحرير القوانين كافةً مما يشكّل عوائق أمام استقطاب المهاجرين وتحويلاتهم وتيسير عودتهم أو تواصلهم مع الوطن.وضع مفهوم الانتقال الديموغرافي في صميم الإستراتيجيات والسياسات والخطط التنموية: اعتماد سياسات تنموية مستدامة تهدف إلى تحسين شروط الأمن الإنساني في المجتمعات العربية، بما يحد من هجرة الشباب، ويوظف ارتفاع حجم الشباب في التركيبة السكانية التي دخلت مرحلة الانتقال الديمغرافي في المجتمعات العربية لتطوير عملية التنمية وتحقيق أهدافها.

وإدماج مفهوم الهبة الديموغرافيةالناتج من المرحلة التاريخية الاجتماعية العربية الراهنة التي تتميز بارتفاع حجم الشباب في الأهداف والإستراتيجيات والسياسات والخطط التنموية.وضع الانتقال الديموغرافي في إطار سياسات الانتقال الديمقراطي المؤسسي على أساس رؤية تنموية متكاملة، تركز على التطوير المؤسسي الديمقراطي لإدارة شؤون الدولة والمجتمع في البلدان العربية، وتعزيز القدرات البشرية والمعرفية للشباب، وإتاحة المجال أمامهم للمشاركة السياسية والمجتمعية في توسيع خياراتهم وفي تنمية مجتمعاتهم، والتمكن من ممارسة حقوقهم الاجتماعية والسياسية المواطنية وتعزيز شروط الأمن الإنساني للحد من تدفقات الهجرة الخارجية.

_ _________________

مواد ذات علاقة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *