بقلم د. الحسين الشيخ العلوي

يتناول هذا التقرير المواجهات بين الأطرافَ المسلحةَ في الشرق حول الهلال النفطي أو في الغرب حول طرابلس، والتنظيماتَ المسلحةَ تكوينَها وتوجهاتِها، وتأثيرَ تلك المواجهات على المصالحة السياسية بعد أن انخرطت دول الإقليم في مبادرات شجعها العديد من الدول الغربية إلا أنها ظلت مبادرات معطلة.

ملخص

لعل أبرز تبعات الحروب الأهلية هي تشكل المليشيات المسلحة ذات الطابع المدني، والتي عادة ما تتمدد كالفطر في أنحاء البلد المنهك جراء الاقتتال والاحتراب على المكاسب والغنائم؛ حيث يغدو الوطن برمته كعكة وغنيمة حرب، هذا بالضبط ما يحصل في العاصمة الليبية التي أضحت تحت رحمة مليشيات باتت جزءً اصيلا من الجريمة المنظمة ومرتعا للإرهاب، تستغلها الحكومات المتعاقبة لبسط نفوذها. 

تتقاسم حكومتا الوفاق والإنقاذ النفوذ والسيطرة على مدينة طرابلس حيث تبسط الأولى سيطرتها على الجزء الشمالي المطل على البحر في حين تمتد سيطرة الأخيرة على كامل جنوب المدينة من مطار طرابلس إلى قصور الضيافة وتشكل مناطق وأحياء شرق طرابلس وغربها، كتاجوراء وصلاح الدين وحي الأندلس وقرقارش، نقاط تماس بين الحكومتين. وفى بعض الأحياء تتجاور مقار الحكومتين! 

وقعت نهاية فبراير /شباط 2017 اشتباكات في حي بوسليم –أحد أكبر أحياء طرابلسبين مليشيات تابعة لحكومة الوفاق الوطني التي تحظى باعتراف دولي وأخرى تابعة لحكومة الإنقاذ، التي تبحث لها عن دور في التسويات الحالية عبر تغيير المعطيات على الأرض لتعزيز حظوظها ورفع قدرتها التفاوضية، ولم تكد تهدأ الاوضاع في العاصمة المنكوبة بالمليشيات حتى انفجر الوضع في تسارع دراماتيكي في منطقة الهلال النفطي، منذرة بنسف كل جهود التسوية وإعادة الفرقاء الليبيين الى المربع الأول. 

في أواخر شهر أكتوبر/ تشرين الأول 2011 وبعيد الاحتفال بما بات يعرف بالتحرير الكامل لليبيا إثر مقتل العقيد الليبي معمر القذافي، كانت كشوفات وإضبارات المجلس الوطني الانتقالي تحوى 25 ألف مقاتل من الثوار الذين حاربوا قوات نظام القذافي، إلا أنه وبعيد أشهر قليلة تضاعف هذا الرقم ثماني مرات نظرا لانضمام عشرات الآلاف من الشباب الليبي إلى هذه المليشيات المسلحة التي نبتت كالفطر في ليبيا تحت مسميات دروع وسرايا وكتائب أمنية، ليصل العدد في منتصف العام 2012 إلى ما يزيد قليلا على مائتي ألف مقاتل وهم يتلقون رواتبهم من الخزانة العامة للدولة. وهذا رقم مذهل في بلد لا يتجاوز سكانه 6.5 مليون نسمة؛ لأن هذا العدد يعنى 3% من التعداد العام للسكان في حين أن جيش القوة العسكرية الأولى في العالم والبالغ مليون ونصف المليون جندى لا يتجاوز نسبة 0.429% من التعداد العام للسكان

وقد أدى ارتفاع رواتب أفراد المليشيات والامتيازات التي يحصلون عليها في ظل غياب مؤسسات رسمية للدولة إلى تدفق الشباب ولا سيما الفئة العمرية من 18 إلى 25 سنة التي هجر معظمها مقاعد الدراسة للانضمام لهذه المليشيات المسلحة التي أضحت علامة للوجاهة وتحقيق الذات بالنسبة لهم! وقد عملت الحكومات المتلاحقة منذ 2012 على إضفاء الشرعية على هذه التشكيلات العسكرية ذات الطابع المدني لتحل محل الجيش والشرطة اللذين تم حلهما بعيد سقوط النظام السابق، وقد تغولت هذه المليشيات حد أنها أصبحت تفرض إرادتها على الحكومة والبرلمان بقوة السلاح، وقامت عدة أحزاب وتنظيمات سياسية بالتحالف مع هذه المليشيات بل واتخاذها أذرعا عسكرية، مما جعل هذه المليشيات خطرا دائما على أرواح وحياة المدنيين، فضلا على أنها باتت تشكل تهديدا جديا للدولة المدنية في ليبيا. 

عملية فجر ليبيا في طرابلس 

كانت السنتان 2012- 2013 بمثابة شهر عسل لهذه المليشيات التي أغدقت عليها الحكومات المتعاقبة في موجة فساد غير مسبوقة أفضت إلى تبخر مئات المليارات من مدخرات الأجيال في ليبيا! ومع نضوب الخزانة العامة وشح السيولة جراء توقف تصدير النفط مصدر الدخل الوحيد للدولةدبت الخلافات بين المليشيات داخل المدينة الواحدة نظرا إلى أن تقاسم النفوذ لم يعد ممكنا في ظل تدنى الموارد، من هنا كانت عملية فجر ليبياالتي انطلقت في 13 يوليو/ تموز 2014 في مدينة طرابلس والتى قادتها مليشيات من مصراته يتزعمها قائد لواء الصمود: صلاح بادى،

وشاركت في العملية مليشيات من غريان وصبراته وزليتن ومسلاتة، فضلا عن غرفة ثوار ليبيا ودرع الوسطى ومليشيا الحرس الوطني التي يقودها القيادي في الجماعة الليبية المقاتلة أبرز تشكيلات الأفغان الليبيينوهو: خالد الشريف، كما شاركت كتائب من طرابلس كالتي يقودها عبد الرؤوف كارة من قاعدة معيتيقة أو التي تتبع عبد الغنى الككلي (المعروف بغنيوة) في بو سليم أو التي تتبع هيثم التاجورى في منطقة تاجوراء. 

ويطغى على أغلب هذه الميليشيات توجه إسلامي، وقد كان هدف العملية انتزاع مطار طرابلس والمناطق المجاورة له من كتائب الزنتان التي ظلت تسيطر على غرب طرابلس منذ أواخر أغسطس /آب 2011. من الطرف المقابل ضمت كتائب الزنتان غير المؤدلجة (كتيبة القعقاع وكتيبة الصواعق وكتيبة المدني وكتيبة حماية المطار)، وبموآزرة ميليشيا من ورشفانة وقوة عسكرية من أحياء فشلوم وبوسليم وحي الأكواخ في طرابلس.

وبعد شهر ونصف من المعارك الدامية التي أفضت إلى تدمير مطار طرابلس الدولي وخزانات النفط بطريق المطار تم إخراج كتائب الزنتان نهائيا من طرابلس وأحكمت قوات فجر ليبيا سيطرتها على العاصمة طرابلس، وكان من تداعيات تلك العملية فرار أعضاء البرلمان الليبي المنتخب الذي سيطر عليه التيار المدني في ليبيا إلى الشرق ليتخذ من مدينة طبرق في أقصى الشرق الليبي مقرا مؤقتا له. وقامت قوات فجر ليبيا بتشكيل حكومة خاصة بها سميت حكومة الإنقاذ الوطني لم تحظ بأي اعتراف دولي، كما أحيوا المؤتمر الوطني العام لتبدأ مرحلة تنازع الشرعية بين الغرب الليبي الذي يسيطر عليه التيار الإسلامي المتشدد مقابل الشرق الليبي الذي يسيطر عليه التيار المدني العلماني. 

حكومة الوفاق الوطني 

جاءت تشكيل المجلس الرئاسي وحكومة الوفاق الوطني كأهم مخرجات الاتفاق السياسي الليبي في 17 ديسمبر /كانون الأول 2015 بمدينة الصخيرات المغربية(3)، برعاية أممية لوضع حد لتنازع الشرعية بين الشرق والغرب الليبيين، ورغم الاعتراف الدولي اللافت بهذه الحكومة إلا أنها وجدت نفسها في وضع غاية في التعقيد والتداخل شل من قدرتها على التحرك بفعالية، فضلا على أن تشكيلة المجلس الرئاسي التي اعتمدت مبدأ المحاصصة المناطقية عكست تناقضات وإشكاليات الازمة الليبية، ووجدت حكومة الوفاق نفسها:

ـ مرفوضة ومحاربة بشدة من قبل الشرق الليبي الذي يسيطر عليه المشير خليفة حفتر الذي رأى في الاتفاق السياسي الليبي بالصخيرات استبعاد له من المشهد العام.

ـ عاجزة عن نيل اعتراف البرلمان الليبي بطبرق.

ـ محاربة بشدة من قبل تيارات الإسلام السياسي بطرابلس الذي يعتبرها حكومة وصاية دولية.

ـ نضوب موارد الدولة وتوقف تصدير النفط جعلها غير قادرة على مواجهة وإيجاد حلول للمختنقات المعيشية والوضع المتردى لغالبية المواطنين ولا سيما في الغرب الليبي.

دخول حكومة الوفاق الوطني الليبي إلى طرابلس عبر زورق بحري في مارس /آذار 2016 قادمة من تونس شق صفوف قوات فجرها ليبيا التي انقسمت بين مؤيد لحكومة الوفاق وبين معارض لها، احتدم الصراع بينهما حد الاقتتال الذي ظل يتجدد طيلة العام المنصرم كانت الاشتباكات الاخيرة بحي بوسليم آخر حلقاته، هذا فضلا عن طرف ثالث لا زال يترقب المشهد بين الفريقين ليقرر خياراته على ضوء نتائج الحسم بين الفريقين.

***

د. الحسين الشيخ العلوي باحث وأكاديمي موريتاني

_____________

مواد ذات علاقة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *