بقلم طارق القزيري
من المهم القول أن وصف “الظاهرة” الذي نستخدمه هنا لا يعني مدحا ولا ذما، بل هو بحسب الاستخدام القاموسي، وصف لحوادث أو أشخاص أو حالات، تكتسب نجاحا ومساحة غير متوقعة، وهي حتى بالمعنى العربي الفصيح ظهر أي برز ووضح، لاغير.
وخلف السرد لبعض مظاهر هيمنة الرجل، يكون السؤال منطقيا بل وملحا عن الأسباب التي ساعدت وهيئت الظروف لبروز وترسيخ “ظاهرة المشير” في ليبيا!!
الظواهر الشاملة والكاسحة، تلك التي تغير الموازين وتقلب التوازنات، صحيح أنها سبب ونتيجة لما بعدها، لكنها ايضا مسبوقة بمعطيات ما قبلها مهدت لها، ومنحتها زخما وثقلا في الحضور والتأثير، وإلا لما اعتبرت مهمة وحاسمة، فالوجود الخارجي والسطحي لها، تحته أو خلفه، جذور أعمق، كمبررات ومحفزات، وسواء تحقق لكل عامل مما سياتي ما عمل لأجله أم لا، فإن محاولة الاستفادة من عملية الكرامة وانتهازها، كان جليا وشاملا للعديد من الأطراف والقوى.
• (1) الرأي العام / الرعب وافتقاد الأمن: فما شهدته بنغازي، من موجة اغتيالات عارمة لم تستثن شريحة، وكذلك تفشي لغياب الردع الأمني، وتكرر الاشتباكات المسلحة في ليل المدينة ونهارها، قاد لمظاهرات منددة منها “جمعة إنقاذ بنغازي” وغيرها، ما هيأ الأجواء لأي جهة أو شخص، لا يرفع شعارات جوفاء فقط، بل يمتلك المبادرة والكاريزما لأجندة مضادة للواقع البائس لدى الناس.
• (2) انسداد الأفق السياسي (بؤس التجربة الحزبية): لم يتفهم كثيرون محدودية المتوقع من التجربة السياسية والممارسة الديمقراطية في ليبيا بعد ثورة فبراير، فالآمال والمعلقة على المؤسسات الوليدة، سواء من حيث أدائها أو نتائج أعمالها، اصطدام بواقع المهاترات والمزايدات السياسية، فالصراع الحزبي الذي لم يكن مبررا عند العموم، زاد عن حده، مع تفاقم ظاهرة العبث وفوضى المليشيات خاصة في الغرب الليبي والعاصمة تحديدا، شكلت مبررا ودافعا لتأييد كل ما من شأنه إنهاء الوضع اللامقبول يومها.
• (3) الخوف من تزايد نفوذ الاسلاميين: (خطر الإخوان) حيث الاتهام بتفردهم واستئثارهم بإدارة الدولة والخشية من تفاقم قوة المتطرفين ايضا من خلف ذلك وانتشار عناصرهم في البلاد. ولعله كان لافتا للمراقبين من غير الليبيين، انتشار وصف “الإخوان” كتهمة لأي إسلامي، دون مراعاة التباينات الكبيرة جدا بين هؤلاء، ولا شك أن الخوف من الإسلاميين، تعزز بهيمنة هؤلاء أو محسوبين عليهم على عدة كتائب وسرايا مسلحة، اعتبرت جناحا عسكريا، للقوى الإسلامية السياسية في البلاد.
• (4) كرامة الجيش والمؤسسة الأمنية (الكرامة المهدورة): لم يكن اسم العملية اعتباطيا، او عفويا، فـ “عملية الكرامة” هي مصداق لرغبة ظلت في صدور العسكريين والأمنيين، حتى من شاركوا بإخلاص في الثورة، إذ شاهدوا أنفسهم، في الركن القصي، فالجيش كمؤسسة وعقيدة، تهددت وامتهنت واقعيا، على يد “الثوار” الذين كانوا يرون فيها بقايا “عهد مباد” لا ينبغي ان يعود، وجاءت ظاهرة الاغتيالات لتؤكد هذه المخاوف، وكما قال أحدهم “إذا كنا مغدورين أو مقتولين، فلنقم بواجبنا، من أجل بلادنا، فلا خيار متروك لنا“.
• (5) القبائل والقيادات التقليدية (الإرث المسلوب): لم يختلف شأن ضباط الجيش والأمن، عن زعماء القبائل وشيوخها، فمع انتشار الكتائب الثورية، وظاهرة المرتبات والعطايا، والتسهيلات لقادتها وأفرادها، تراجعت مكانة وسطوة هؤلاء الزعامات، لصالح القادة الجدد، وتهددت وتزعزعت، المكانة الأثيرة للقبيلة، والتي لم يمسسها حتى نظام القذافي، بل وظفها لصالحه، في إدارة البلاد، بعكس ما حدث بعد “فبراير“، فكانت عملية الكرامة هي بوابة استعادة المركز والمكانة، والوجاهة، وهو ما يظهر بوضوح، حتى في فيديوهات تنشر على شبكة الإنترنت، لا تحتاج لأدلة إضافية لما سبق.
• (6) الفيدراليين (ريادة برقة التاريخية): بعد عدة محاولات لإعلان الفيدرالية من الشرق، ورفع شعارات مكافحة التهميش، والمركزية، أصطدم الفيدراليون بحقيقة ضعف تأثيرهم، وهامشيتهم أمام تحقيق مطالبهم، لكنهم أيضا رأوا في عملية الكرامة عدة ملامح، إضافة لتحقيق وجاهة لبعض رموزها وقادتها، الذين انبروا في الإعلام ينافحون عن “الكرامة وقائدها“، فهي ضد الإسلاميين العدو التقليدي للفيدراليين، وهي كذلك تنطلق من “برقة” وتمنحها فرصة جديدة لريادة “التاريخ الليبي“، باعتبارها “حاضنة الكرامة ومهدها“.
• (7) إيقاف “تغول مصراته“!!!: لم تبرز مخاوف من طرف بعينه في “الحرب الأهلية الليبية” منذ 2011، كالتخوف والحذر مما سمي “التغول المصراتي“. فالمدينة الدولة، ورصيدها التاريخي (بعبارة حسنين هيكل) وتعدادها السكاني، وصفات مقاتليها، واندلاع عدة معارك حاسمة شاركت فيها المدينة إن في جوارها (بني وليد) او في الجنوب (تمنهنت وسبها) أو معركة المطار (وابعاد مقاتلي الزنتان عن العاصمة)، أو قضية حي غرغور، وماشهدته تلك الايام من استقطاب ثم دماء وضحايا، وبمعزل عن موقف كل طرف في تلك الاحداث، لكن أمكن للكثيرين تكوين قناعة راسخة، برغبة مصراته في الهيمنة على الغرب الليبي (بما تتضمنه من العاصمة ومؤسسات الدولة)، فكان ميول العديد من الأطراف للكرامة وقائدها بإعتبارهم حاجز ممكنا أو مفترضا “للمد المصراتي“!!، ولاشك ان انضمام قبائل الزنتان بالذات، ولو جزئيا أو نسبيا، قد منح عملية الكرامة امتدادا في الغرب الليبي، أبعد عنها تهمة الجهوية، وجعلها حراكا على صعيد وطني يتخطى الجهة والقبيلة، كما يقول أنصارها.
ومن المهم توضيح أن الدول الداعمة لحفتر والكرامة، هي بطريقة ما، لا تدعم االعملية وقائدها ضد أو على خلفية الحرب على الارهاب، بالذات، بل من خلفية صراعها الإقليمي مع مشاريع إقليمية اخرى تعتمد على القوى الاسلامية في تنفيذ مشروعها، وقد اعتبرت مدينة مصراته لوقت طويل بأنها رأس حربة في الدفاع عن مشروع الاسلاميين، وهكذا فمشروع الكرامة يمثل توازنا مع مصراته التي تعتبر رأس حربة لمشروع الاسلاميين.
• (8) الأصول القبلية والجهوية لخليفة حفتر (لا للجهوية!!): يفسر البعض تكليف عبدالرزاق الناظوري كرئيس أركان لعملية الكرامة، أو الجيش الليبي التابع للبرلمان، بأنها محاولة من خليفة حفتر، لتكليف شخص لا يملك رصيدا قبليا واجتماعيا في الشرق، يسمح له بالمعارضة أو افتكاك المبادرة لاحقا، فالناظوري تعود أصوله لمصراته في الغرب، لكن خليفة حفتر نفسه – وهو من قبيلة الفرجان – يعود للمنطقة الغربية، وهذا منح عملية الكرامة أيضا براحا لنفي جهويتها أو عصبية مانعة من تعميمها على صعيد وطني، وزودها برصيد وتوسع إضافي أيضا.
• (9) التيارات الوطنية والمدنية ( بيدي وبيد عمرو ايضا): منذ اندلاع الثورة، والخلاف بين التيارات المدينة والإسلامية يستعر، ولم يتوقف عند اتهام مصطفى عبدالجليل رئيس المجلس الانتقالي، بالانحياز للإسلاميين، أو معاداة أول قانون انتخابات أصدره المجلس، وصاغته شخصيات إسلامية، وقبل هذا كان الخلاف على “خطة تحرير طرابلس” ثم “خطة تأمين العاصمة“… ليصبح الخلاف أوضح في المؤتمر الوطني العام (البرلمان) حيث ترافق مع استعانة كل طرف بـ “ثواره“، كانت عملية الكرامة، بقدر ماهي تيار شعبي لا يمكن معارضته، فهي تحقق الهدف الاستراتيجي، إن لم يكن بهزيمة الإسلاميين تماما، فعلى الأقل، نزع مخالبهم المسلحة، وزيادة تعميق أزمتهم مع الشارع، وهذا مطلب سياسي أساس لتلك التيارات.
• (10) عناصر النظام السابق (بين حق العودة وهاجس الثأر): صحيح أن “خليفة حفتر” كان معارضا، وانه ساهم في ثورة فبراير، ودعمها، لكن عملية الكرامة، حازت تأييد عديد من أنصار النظام السابق، ليس فقط لأنها استهدفت الإسلاميين، الذي احتكروا لأنفسهم حق الدفاع عن الثورة، واتهموا من عارضهم بالثورة المضادة، بل من الحقيقي فعلا، إن عملية الكرامة، وفي بحثها عن التعزيز، استعانت بكل الكوادر الممكنة، من عسكريين وأمنيين، ما جعل معادلة (فبراير/سبتمبر) غير ذات صلة جوهرية، وأتيح لأنصار سبتمبر إما العودة من نزوح إجباري، أو فرصة الثأر ممن أسقط نظاما دافعوا عنه، واعتبروه صنيعة الاستعمار و“الناتو“.
• (11) عودة مظاهر الأمن شرقا (إستعادة الهيبة): بلا شك نجحت عملية الكرامة، في استعادة الأمن الظاهر للمدن والمناطق في الشرق الليبي، ومدينة بنغازي بالذات، وهذا قدم نموذجا يفتقده الليبيون في مدن أخرى، ما عزز الكرامة ونفخ في مصداقيتها في مناطقها أيضا، باعتبارها باتت تنتج ما ينشده الآخرون، وهذا سبب ظاهر لزيادة تأييد الكرامة.
• (12) السلفية (الحليف الآن): من أبرز المساهمين في عملية الكرامة، كتائب وسرايا خاصة بالتيار السلفي في ليبيا، وبرغم تناقض مشاركة هذه الكتائب للشعار الذي ترفعه الكرامة، من حيث أنها تناقض طبيعة الجيش كمؤسسة محترفة – فوق دينية أو طائفية أو مذهبية.. الخ – لكن السفليين قدموا مساهمة لافتة في معارك بنغازي، ومنحتحفتر دعما يحتاجه، لنفي تهمة خصومه بحربه على الإسلام، كما أنها تؤمن دعما اقليميا نوعيا، من الحركة السفية في عموم العالم العربي والإسلامي، وحتى أجندات دول اخرى خلفها، واستفادت السلفية من الكرامة في خصومتها مع التيارات الإسلامية الأخرى، مستثمرة الدمج التي اعتمدته الكرامة بين تيارات الإسلام السياسي والجهادي (الأخوان – داعش – القاعدة.. الخ). وقد منحهم هذا سطوة وتوغلا إجتماعيا، وهيمنة على المنابر والمساجد.
• (13) الإعلام… والقوى الخارجية: هذه العوامل – وليس بالضرورة ان تكون محصورة فيما سبق فقط بشكل نهائي – هي عوامل ساعدت، وعمقت مشروع “الكرامة” وعززت من القوة السياسية “للمشير“. مع لزوم أن نذكر هنا أن عملية الكرامة، شكلت مدخلا لبعض الدول (روسيا مثلا) التي ترى انه قد تم استبعادها عن المشاركة في ادارة الملف الليبي او عن ادارته، وربما أيضا أتاحت لها الدخول في الملف الليبي، كأحد اوراق الضغط الإستراتيجي في الإقليم، من ذلك الدور الروسي المتصاعد، رغم كل الجدل حول طبيعته وحدوده!!.
فيما لا يمكن هنا تجاهل دور وسائل الإعلام، في الدفع والنفخ في عملية الكرامة، ولكن هل كان هذا مسايرة للموجة العاتية والرغبة في كسب الجمهور، أم تحقيق لمكاسب سياسية لممولي هذه الوسائل وملاكها، ومن يمولها، ربما كانت العملية تبادلية، فتكفلت عملية الكرامة لوسائل إعلام كثيرة بالبروز والرواج، فلم يمكن للإعلام سوى رد الجميل وركوب الموجة.
الإعلام الموجه لصالح الكرامة عمل بشكل منهجي، لدعم صورة القيادة، وكان فعالا ومؤثرا جدا، وهو إعلام مدعوم بشكل مناسب، ويقع جغرافيا بالأساس في دول أخرى، تدعم “حفتر” ومشروع الكرامة، وعبر كل ماسبق تم النجاح بشكل كبير في في صناعة نموذج يتطور كل يوم للدعاية، في اتجاه شكل الدولة وفرض الامن، وتعزز الأمر بفشل كل النماذج البديلة، بما فيها النموذج الدولي الذي تمثل في الرئاسي وحكومة الوفاق، التي حوصرت بادائها المخيب، جغرافيا، وزادت الإتهامات نحوها بدينونتها للميلشيات، وخضوعها لهم.
ومن جهة أخرى لا يمكن كذلك تجاهل الإداء اللافت لخليفة حفتر نفسه، فقد ابتعد عن استخدام الخطاب الثوري واقترب من خطاب الاخر النقيض في مناسبات عدة، فالرجل لم يميع هدفه ولم يُمالئ فيه ولم يشتت نفسه ولم يغير خطابه، بل قدم – بذكاء – خطابا في صيغ وطنية، تتعالى على الخلافات الراهنة، زيادة على المسلك التصالحي، تجاه عدة أطراف مناوئة له أحيانا، مثل خطابه المتكرر عن مصراته، ودورها في تحرير سرت، وكانت كل التصريحات الجدلية او المستفزة، من آخرين كمسؤولين او ناطقين، لكن “حفتر” نفسه نأى بنفسه عن أي خطاب تصعيدي يذكر.
الكرامة… إلى أين؟
…. إن جملة هذه المبررات والأسباب، بقدر ما ضمنت لعملية الكرامة وهجها وعنفوانها، فربما تستبطن علامات ضعفها ومحدوديتها، ليس فقط في رمزية قائدها، وفرديته، ولكن الكرامة بعد أن أنهت – أو تكاد – دورها في شرق ليبيا، وإذ لا ببدو ان هناك ما يمكن انجازه بشكل حاسم عسكريا في الجنوب والغرب، ستتحول بالضرورة إلى حالة سياسية، فما الذي يجعل أسانيدها وركائزها السابقة تستمر؟
جمود عملية الكرامة عسكريا تبقى مزاعم، تستحق قراءة وإعادة نظر، وهل يمكن للكرامة إستثمار انتصارتها العسكرية، أم السياسة ستستهلك ماحققته؟ .. !!!
***
طارق القزيري ـ كاتب وباحث وناشط سياسي ليبي
_________________