بعد فترة وجيزة من انتقال السلطة من أوباما إلى ترامب في الولايات المتحدة الأمريكية، تم حل أزمة غامبيا أيضًا دون أن تسال نقطة دماء واحدة. حيث ظهر الرئيس المحاصر، يحيى جامح، على التليفزيون التابع للحكومة مُعلنًا قراره بالتخلي عن زمام القيادة.

لا يعد قرار جامح بالتنحي وتجنب إراقة دماء شعبه مهمًا لشعبه وحده، إلا أنه يعد أهم سابقة لانتقال سلطة بطريقة مسالمة في إفريقيا بعد مرور عقود من الديكتاتورية.

لمنع حدوث كارثة

وتدور أحداث الأزمة في غامبيا حول ما أطلق عليه ” لعنة هزيمة السلطة الإنتخابية”. فهي لعنة تصيب أي دولة تستمر بها سلطة بعينها لفترة طويلة، فتُثار فيها الأسئلة حول قَدَر الزعيم المُنْتَهيةُ ولايته، في أثناء وبعد تسليمه لمقاليد السلطة، وحول عدم إتمام العملية الديمقراطية.

وصل جامح إلى الحكم في غامبيا في العام 1994 عن طريق قيام انقلاب عسكري، ليستمر في موقعة لمدة 22 عامًا، فتكررت عملية انتخابه فترة بعد الأخرى، في انتخابات غير عادلة. وفي شهر ديسمبر من العام 2016، نجح أداما بوررو، منافس جامح في الفوز بالانتخابات، متخطيًا جامح بـ4%.

فقد بدأت الأزمة في 9 ديسمبر الماضي، بعدما عدل جامح عن قراره بالاعتراف بهزيمته أمام المرشح الآخر. وعلى الرغم من أن جامح اعترف بوجود بعض المخالفات في العملية الانتخابية، إلا أن ما دفعه لتغيير قراره هو مخاوفه من انتقام المعارضة السياسية منه.

وعوضًا عن استغلال اعتراف جامح بالهزيمة كفرصة للتفاوض من أجل خلق استراتيجية لخروجه، لضمان  تسليم مقاليد السلطة بسلام. ففي إفريقيا، سياسات الانتقام لا تعد بالأمر الغريب على عملية نقل السلطة من الحكم الاستبدادي؛ حيث شرع العديد من المعارضين في مناقشة إلغاء سحب غامبيا من المحكمة الجنائية الدولية، ورفض منح الحصانة لجامح، ورغبتهم في محاكمته والاستيلاء على أملاكه. وهو ما تسبب في شعور جامح بالخوف، مُعلنًا بدء حالة الطوارئ، والضغط على البرلمان لمد فترة حكمه لـ3 شهور أخرى.

محاولات دبلوماسية

يرجع الفضل هنا إلى جهود المنطقة المحيطة في محاولة لاحتواء الأزمة في غامبيا، حيث ساهمت المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا بالمبادرة لوضع أجندة محددة وبدء العملية الدبلوماسية. وحازت مجهوداتها الدبلوماسية على مساندة قوية من قبل العديد من المنظمات الدولية مثل الاتحاد الإفريقي، والذي بدوره حذّر جامح من “العواقب الوخيمة” نتيجة أفعاله، إلى جانب مشاركة منظمة الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي لحل الأزمة.

لم تقتصر محاولات المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا على المساعي الدبلوماسية كأحد أهم عوامل نجاح حل هذه الأزمة، وإنما دعمت مجهوداتها بتحذيرها بالتدخل العسكري. حيث قامت الدول المشاركة في المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا في تحريك جنودها، بعد عقد مؤتمر القمة في 17 ديسمبر الماضي، وقرارها باتخاذ الإجراءات اللازمة، لتستعد بذلك للتدخل في حدود غامبيا بعد انتهاء المهلة المحددة في 19 يونيو لكي يسلم جامح مقاليد الحكم بسلام.

كان النظام المتساقط لجامح يعد المحفز الأساسي لتحويل وتسليم السلطة في ميعادها بسلام. فسلسلة الاستقالات الحكومية التي تبعت رحيل نائب الرئيس، إيساتو نجي سعيدي، أجبرت جامح على حل الحكومة بأكملها. حتى أن قائد جيش جامح، الذي وقف بجانبه طوال الأزمة، أعلن عدم انتوائه مقاتلة جيش المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا المتجهة إلى غامبيا.

درس مهم لديكتاتوري إفريقيا

ما آل إلى تسليم السلطة بسلام وانتهاء الأزمة السياسية في غامبيا هو نجاح المفاوضات حول شروط خروج جامح من السلطة في نهاية المطاف، وهو ما تم في مقابل حصوله على ضمانات تضمن له حصوله على جميع حقوقه كمواطن متقاعد آمن وقائد حزب ورئيس سابق.

وبذلك نجحت غامبيا في إرساء سابقة مهمة لم تحدث في تاريخ الحكام المستبدين، المستمرين في السيطرة على مقاليد الحكم حتى وبعد خسارتهم لمساندة شعبهم.

فأظهرت التجربة في غامبيا إمكانية إتمام عملية خروج آمنة لحاكم إذا ما وفرت عملية انتخابية آمنه وعادلة. ما ينتج عنه تجنب إراقة الدماء والمعاناة الناتجة عن العنف، إلى جانب تجنبها لما حدث لرئيس ساحل العاج السابق، لورينت جاباجبو بعد أن أُجبر على التخلي عن الحكم بعد التدخل العسكري الفرنسي في العام 2011.

_______________

مواد ذات علاقة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *