بقلم إبراهيم غرايبة

يعبر مصطلح الإسلام السياسيعن عمليات الصياغة المعاصرة للإسلام التي ابتدأت منذ أوائل القرن التاسع عشر، وقدمت منظومة واسعة وممتدة من التطبيقات والدراسات والمؤسسات والجماعات والأنظمة الجديدة التي أعادت تقديم الإسلام على نحو استوعب التحولات الاقتصادية والسياسية والعلمية التي سادت في الغرب وشملت عالم الإسلام،

وهي جهود شارك فيها علماء ومفكرون وأساتذة وباحثون وطلبة دراسات عليا بالتحالف مع أنظمة سياسية ومؤسسات علمية وتعليمية واقتصادية، وجماعات سياسية واجتماعية؛ أفضت إلى محصلة عميقة ومعقدة من الدراسات والمناهج والبرامج والمؤسسات والتطبيقات «الإسلامية» في السلوك والثقافة والحكم والتعليم والإعلام والبنوك والأسواق والسلع والخدمات والعلاقات.

ما الإسلام السياسي؟

شاع استخدام مصطلح الإسلام السياسي، باعتباره يعني الجماعات الإسلامية السياسية التي تعمل لأجل تطبيق الشريعة الإسلامية والمفاهيم والأحكام الإسلامية من خلال المشاركة السياسية السلمية و/أو الديمقراطية، لكنه اسم يحتمل تسميات أخرى كثيرة غير ذلك؛ إذ إنه يعني التطبيق والمفهوم السياسي للإسلام، ويشمل هذا التعريف الأنظمة السياسية العربية والإسلامية القائمة، والتي تطبق الشريعة الإسلامية أو تقوم بدور ديني سياسي، كما يشمل أيضا جماعات إسلامية متطرفة، سواء كانت سلمية أو تستخدم العنف؛ لأنها أيضا جماعات لديها برامج وتصورات لتطبيق الإسلام وفهمه سياسيا.

لقد أدى هذا الغموض والشمول في معنى المصطلح إلى لبس وتباين في التعامل مع الإسلام السياسي؛ فبعض الحكومات والدراسات تنظر إلى الجماعات الإسلامية جميعها؛ المسلحة والسلمية والمتطرفة باعتبارها جماعة واحدة، وبعضها الآخر يضيف إليها دولا عربية وإسلامية تؤمن بالمفاهيم والمبادئ التي تؤمن بها الجماعات الإسلامية السياسية، وسمح هذا اللبس والغموض بعدم وضوح المواقف السياسية والدبلوماسية من الإسلام السياسي، وجعل الحكومات تتعامل مع الجماعات والمفاهيم الإسلامية حسب الدول والمناطق والمواقف السياسية والأيديولوجية دون معيار واضح أو محدد لتقييم الظاهرة ومراجعتها.

وبغض النظر عن الدلالات الاجتماعية والواقعية لمصطلح الإسلام السياسي، فإنه بما هو إعادة صياغة وفهم الإسلام فهما معاصرا أنشأ منظومة جديدة للفهم والتطبيق في عالم الإسلام تعمل بموجبها الدول والجماعات، وامتد تأثيرها إلى المؤسسات الدينية والتعليمية والمجتمعية، وتقوم على إضفاء الطابع الإسلامي الأسلمةوالشرعية الدينية على كل مجالات الحياة في الحكم والتعليم والأسواق والإعلام والسلوك والفنون، فيكون كل ما عداها ليس إسلاماً أو خروجاً على الإسلام، وتقديم هذه البرامج والتطبيقات الشاملة في دليل عملي واضح ينتقي من المصادر التقليدية، ويستبعد الفلسفة والفنون وأوعية التدين الروحي والشعبي والمؤسسات العلمية والمذهبية السابقة.

إن الأنظمة السياسية والجماعات الإسلامية جميعها لا تسمي نفسها الإسلام السياسيولا تفضل هذه التسمية، وتفضل كل جماعة اسمها الخاص بها، وهي تسميات، وإن كان يجمع بينها الإسلامية؛ فإنها تعكس مفاهيم متعددة وغامضة لتعريف ووعي الذات، فإنه أيضا وعي غامض ومتناقض، ويعكس عجز الجماعات عن تقديم رؤية واضحة متفق عليها، كما يعكس أيضا صعوبة إن لم يكن استحالة تقديم تسمية واضحة ومتفق عليها تعكس ما تسميه بوضوح ودقة، ذلك أنه وببساطة تتعدد قراءات وفهم النصوص الدينية في خريطة لا نهائية حسب الحالة الحضارية والاجتماعية والثقافية السائدة على المستوى الجمعي والفردي أيضا.

لكن ورغم هذا الغموض في الأفكار الإسلامية، فقد أظهرت الأحداث الأخيرة في الشرق الأوسط (الربيع العربي) قوة الأفكار وقدرتها على عبور الحدود الوطنية والتأثير على الأفراد والدول والمجتمعات، وإن كان من عقد اجتماعي يصلح مخرجا للأزمات والصراعات القائمة، فهو التدين بدلا من الأسلمةبمعنى أن يكون الدين ملهما للقيم والمبادئ والسياسات على نحو فردي و/أو اجتماعي في حين تخضع السياسة والتشريعات للعقلانية الاجتماعية والأخلاقية معبرا عنها باجتهاد الناس حسب الانتخابات التشريعية والعامة دون ادعاء بالصواب الديني أو السياسي، بل وفي التزام سياسي وثقافي باحتمالية الخطأ، ما يعني بالضرورة أنه ليس ممكنا في الديمقراطية والحكم والسياسة اجتراح حلول ومبادئ وقرارات تمثل الحق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه!

قدمت وزارة الخارجية البريطانية تعريفا للإسلام السياسي مفاده تطبيق القيم الإسلامية في الحكومات الحديثة، من خلال المشاركة في العملية السياسية، وفي بعض الحالات تكون هذه المشاركة تكتيكية، وليست مستمدة من إيمان أو التزام بالقيم والعلميات الديمقراطية، ويمكن أن يشمل مفهوم الإسلام السياسي جماعات متطرفة ومعارضة للديمقراطية، أو معادية للغرب والليبرالية.

إن مراجعة البيانات حول الإسلام السياسي تظهر مجموعة من الآراء والمعتقدات والأهداف تجعل المفهوم واسعا ويشمل طيفا من المجموعات والأفراد، بعضها مؤمن وملتزم التزاما حقيقيا بمبادئ الديمقراطية والقيم الليبرالية مثل المساواة والاحترام المتبادل، والتسامح مع الديانات والمعتقدات المختلفة، كما توجد آراء أخرى متطرفة ومتعصبة.

وقد شغلت الدولة البريطانية بمسألة الإسلام السياسي بما هو الجماعات السياسية الإسلامية، وأعدت في ذلك تقريرين؛ أحدهما لوزارة الخارجية، والآخر للبرلمان البريطاني، ولم يتح الاطلاع تقرير وزارة الخارجية ولكن تقرير البرلمان نشر على موقعه الرسمي في الإنترنت، معيدا الجدل حول أسلمة السياسة والجماعات المشتغلة في هذا الإطار.

تقول وزارة الخارجية البريطانية على لسان وكيل الوزارة توبياس ال وود في إجابتها على سؤال البرلمان عن تعريف الإسلام السياسي مصطلح الإسلام يغطي طيفا واسعا من الحركات والأيديولوجيات غير العنفية، ولا يستبعد التعريق أيضا جماعات إسلامية متطرفة مثل القاعدة وتنظيم الدولة الإسلامية، ولكن بيان الوزارة يوضح أنه ليس من المفيد تطبيق منهج واحد في جميع الظروف، والأفضل هو التعامل مع كل حالة على حدة، وقال إن مشاركة وزارة الخارجية والكومنولث مع الإسلام السياسي جزء من عملها حسب البلد أو المكان الذي نعمل فيه.

وقدم الشهود الذين استمع اليهم البرلمان البريطاني تعريفات مختلفة ومتعددة تعتمد على موقف الشهود أنفسهم من الإسلام السياسي، إن كانوا مؤيدين أو مشككين، كما تدمج في كثير من الأحيان الجماعات الديمقراطية والسلمية مع جماعات العنف والعداء للديمقراطية، ويشملها معا تعريف الإسلام السياسيأو الإسلامويةوقال بعض الشهود، إنها جماعات تتشارك في الهدف، وإن اختلفت في الوسيلة.

الإسلام السياسي والديمقراطية والقيم الليبرالية

على الرغم من أن الدول الغربية تعلن غالبا عن تقييمها للجماعات والأنظمة السياسية على أساس إيمانها والتزامها بالديمقراطية وحقوق الإنسان والقيم الليبرالية التي تؤمن بها الدول والمجتمعات الغربية، فإنها كانت تؤيد أو تعارض أو تغض الطرف حسب المصالح والظروف التي تقدرها.

وفي المقابل، فإن الجماعات السياسية الإسلامية وكذلك الأنظمة السياسية العربية والإسلامية ليست متشابهة في فلسفتها وموقفها من تطبيق وفهم الشريعة الإسلامية، بل إن الجماعة الواحدة أو الدولة الواحدة تقدم رسائل ومواقف متباينة، ففي حين تحارب بعض الأنظمة السياسية الجماعات الإسلامية بقسوة، فإنها تطبق أنظمة وأفكارا دينية لا تختلف عما تؤمن به وتدعو إليه هذه الجماعات!

لم يشغل تقرير البرلمان بفهم الحالة وتقييمها، لكنه قفز إلى تقييم الجماعات السياسية الإسلامية بغض النظر عن الفهم الجوهري للدين في السياسة مقترحا ثلاثة معايير لإرشاد السياسة البريطانية في هذا المجال، وهي المشاركة الديمقراطية ودعمها والالتزام بها، ورفض العنف كالتزام أساسي واضح لا لبس فيه، والالتزام العملي والفلسفي والفكري بحماية الحقوق والحريات والسياسات الاجتماعية التي تنسجم مع قيم المملكة المتحدة.

اقتصر التحقيق البرلماني على منطقة الشرق الأسط وشمال أفريقيا، رغم أن مفهوم ووجود الإسلام السياسي يمتد إلى مناطق أخرى من العالم الإسلامي، كما اهتم بتجربة الربيع العربيوما تبعها من أحداث على مدى خمس سنوات تالية أعطت مؤشرات وأدلة غير مسبوقة تاريخيا حول سلوك الإسلاميين السياسي في السلطة والمعارضة.

تشكل جماعة الإخوان المسلمين المساحة الكبرى في ظاهرة الإسلام السياسي كما تشكل لغزا مربكا للباحثين والمتابعين كما الأنظمة السياسية العربية والعالمية، فالجماعة تبدي طيفا واسعا من الأفكار والمبادئ في داخل القطر الواحد ومن قطر إلى آخر، وإن كانت تجمعها أيديولوجية واحدة هي التطبيق السياسي للإسلام، لكن يبدو ثمة اختلاف واسع في مستوى وطبيعة هذا الفهم والتطبيق، ففي حين يبدي حزب النهضة التونسي (الإخوان المسلمون التونسيون) قبولا بالديمقراطية والتداول السلمي للسلطة ويلتزم بفصل الدعوي عن السياسي، وبمبادئ وقيم ليبرالية وديمقراطية لا تختلف عن القيم الديمقراطية الغربية، فإن الجماعة في مصر والأردن تبدو أكثر تحفظا وتعصبا، ويشكل حزب العدالة المغربي (الإخوان المسلمون المغربيون) نموذجا آخر للمتدينين الديمقراطيين المحافظين ضمن المنظومة السياسية والثقافية والدينية المتبعة في النظام السياسي المغربي، وأما حزب العدالة والتنمية في تركيا الملهم للإخوان المسلمين، فيمكن اعتباره حزبا علمانيا محافظا.

وعلى الرغم من التزام جماعة الإخوان المسلمين في الشرق العربي بالعمل السلمي والديمقراطي فما زالت كتب وأفكار سيد قطب سائدة وملهمة للجماعة، وهي أفكار مناقضة للديمقراطية، كما أنها الأفكار والمبادئ نفسها الملهمة للجمعات المتطرفة والمسلحة.

يؤكد كثير من الإسلاميين السياسيين على تمسكهم بالديمقراطية، لكن الكثيرين في الغرب والشرق ينظرون إلى مشاركة الإسلاميين في الحياة السياسية على أنها خطيرة وغير ديمقراطية. وشهدت دول الشرق الأوسط نماذج كثيرة من مشاركة الإسلاميين في الحياة السياسية كما في تركيا والجزائر وفلسطين وتونس ومصر والمغرب والعراق والأردن وليبيا، وقد انتقدت جماعات إسلامية متطرفة مشاركة الإخوان المسلمين في الانتخابات، باعتبارها مشاركة في ظل راية علمانية!

وتؤكد أحزاب إسلامية على التزامها بالانتخاب والتصويت في قراراتها واختياراتها الداخلية، لكنها مشاركات والتزامات لم تعالج الغموض والخوف من الاستبداد والصراع أو الاعتداء على الحريات الشخصية والاجتماعية كما الحريات السياسية والديمقراطية، ولا يمكن بالطبع إعفاء الأنظمة السياسية العربية والإسلامية من اللوم والمسؤولية عن بناء وتعزيز عقد اجتماعي يمثل إجماعا سياسيا وثقافيا للناس، ولا يمكن أيضا تجاهل أن الفشل التنموي والاقتصادي يقود إلى الصراع والتطرف!

فمشكلة الديمقراطية في الشرق الأوسط أن الفائز يستحوذ على كل شيء، وهذا يشمل الإسلاميين وغيرهم.

وأظهرت الممارسات العملية للجماعات الإسلامية تنوعا واختلافا في التعامل مع الديمقراطية، فقد كان بعضها براغماتيا وبعضها عقائديا، وأظهر حزب العدالة والتنمية في المغرب كما حركة النهضة التونسية مرونة واسعة في فهم الأديولوجية الإسلامية تنسجم مع الديمقراطية، ولكن أثيرت شكوك حول حزب الحرية والعدالة في مصر.

ويلاحظ تقرير البرلمان البريطاني أن هناك وضوحا في هيكل جماعة الإخوان المسلمين على المستوى الوطني ولكن ثمة غموض في التنظيم العالمي، إذ إنه يشمل مجموعات كثيرة من جميع أنحاء العالم.

ويلاحظ التقرير أن ثمة تناقضا بين رسائل الجماعة وأدبياتها المعلنة حسب اللغة المستخدمة والجمهور المستهدف.

ولكن هناك حالات تبدو فيها الجماعة ملهمة للعنف، رغم أنها لم تشارك في ذلك مباشرة، ويجب الاعتبار أنه يصعب على حركة سياسية أو اجتماعية أن تسيطر على جميع أعضائها ونشطائها في ظل الاستفزاز الذي تمارسه السلطات السياسية. ويرجح (حسب التقرير) أن طبيعة الإسلام تدعم استمرار التداخل بين الدين والسياسة في المستقبل المنظور.

ويقدم البعض تفسيرات ومقاربات دينية للديمقراطية، فيقول محمد سودان أمين العلاقات الخارجية في حزب الحرية والعدالة: إن الشورى فكرة أساسية وجوهرية في القرآن.

ويجادل شهود آخرون فيما يتعلق بالإخوان المسلمين أن نظرتهم إلى الديمقراطية أنها الأغلبية، وليست عملية ثقافية واسعة، وفي المقابل فإن حزب النهضة في تونس وحزب النور في مصر يؤكدان على حرصهما على مشاركة جميع التيارات السياسية وليس انفراد الأغلبية، يقول رفيق عبد السلام رئيس دائرة العلاقات الخارجية لحزب النهضة بأن حزبه يلتزم بمبدأ أن الحكم في المرحلة الانتقالية لا ينبغي أن يقوم على الأغلبية، ولكن على أساس توافق الآراء والاتجاهات المختلفة.

واستمع البرلمان البريطاني إلى شهود يرون أن الجماعات السياسية الإسلامية، رغم أنها قد تكون ديمقراطية وليست عنفية، لكنها متناقضة مع الليبرالية، بمعنى موقفها غير الديمقراطي من السياسات والحقوق الاجتماعية، لذلك يعتبرها كثيرون معادية للقيم الغربية الليبرالية، مثل معاداة حرية الرأي والدين، والتمييز على أساس الجنس والجنسية، وكانت بعض الإجابات التي تلقاها البرلمان من الإخوان المسلمين كانت غامضة فيما يتعلق بالمبادئ الأساسية، مثل العقوبات، وقال إبراهيم منير نائب المرشد العام للإخوان المسلمين إنه يؤيد عقوبة الإعدام، ولا يرفض رفضا قاطعا عقوبات الجلد والضرب والبتر، بالنظر إليها عقوبات منصوص عليها في القرآن، وحول حقوق العلاقة المثلية قال لم نتمكن بعد من إجراء مناقشة كافية، لكنه يعتقد بحق الفرد في حياته الخاصة، لكن .الجواب في هذه المسألة لا يمكن أن يكون لا أو نعم

.

يتبع في الجزء الثاني

***

إبراهيم غرايبة ـ باحث أردني يحمل درجة ماجستير في تخصص العمل الاجتماعي– الجامعة الأردنية. ودرجة البكالوريوس في المكتبات والمعلومات – جامعة الملك عبد العزيز/ جدة، ويعمل حاليا باحثا في الجامعة الأردنية – مركز الدراسات الإستراتيجية.

______________

مواد ذات علاقة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *