تحصلت كلمة السيد مارتن كوبلر، الدبلوماسي الألماني والمبعوث الأممي إلى ليبيا، أمام أعضاء مجلس الأمن تغطية صحفية معقولة وقد عرض فيها تصورا للخروج من الأزمة السياسية والأمنية الخانقة لأي جهود نحو التحول الديمقراطي، كما نشرت بعض الصحف مقابلات وتصريحات للمبعوث الأممي حول بعض المسائل التي تناولها في كلمته أمام أعضاء مجلس الأمن.
هذه التصريحات للسيد كوبلر لها أهمية إعلامية بسبب تزامنها مع إعلان قوات “البنيان المرصوص” تحرير مدينة سرت، المعقل الرئيس لتنظيم داعش، والجدير بالذكر أن قوات البنيان المرصوص تنسب شكليا للمجلس الرئاسي وحكومة الوفاق في طرابلس.
ومن الطبيعي أن يكون لهذا الحدث (دحر تنظيم داعش من مدينة سرت) أثر معنوي لدعم عملية الإنتقال الديمقراطي المتعطلة في ليبيا.
وخلاصة ما جاء في كلمة وتصريحات السيد كوبلر الأخيرة، أنه يتعين على الليبيين (النخبة السياسية والعسكرية والأمنية) اتخاذ جملة من الخطوات الأسياسية من أجل المضي قدما في عملية التحول الديمقراطي، ولعل أهمها الخطوات التالية:
أولا ـ ضرورة مواجهة جميع القضايا السياسية العالقة بدون تردد وعلى رأسها مسألة الإتفاق السياسي ومدى فاعليته وخاصة المادة المتعلقة بمسألة قيادة الجيش الليبي وتسلسلها حسب القوانين العسكرية المعمول بها في جيوش العالم.
ثانيا ـ مواجهة ملف الجماعات المسلحة في المدن الليبية بغض النظر على طبيعة تكوينها أو إنتماءاتها الأيديولوجية والقبلية والمناطقية، على أن تأخذ المجموعات المسلحة في العاصمة طرابلس أولية معتبرة. هذا الملف يعتبر من أهم وأخطر الملفات حيث يرتبط مباشرة بقضية محاربة الإرهاب التي تشتبك فيها الخيوط محليا وإقليميا ودوليا.
ثالثاـ ملف الأوضاع الاقتصادية وكيفية انعاشها في المدن التي كانت مسرحا للعمليات العسكرية (بنغازي و سرت و سبها)
رابعاـ معالجة الأمور الأساسية في الإقتصاد الليبي، مثل عجز الموازنة والتضخم ونقص السيولة وانهيار العملة المحلية ومسألة البطالة المقنعة.
خامساـ معالجة قضايا حقوق الإنسان وسيادة القانون، والتصدي لكل أنواع الإنتهاكات من مختلف الجهات، والبدء في عمليات ميدانية تدفع في اتجاه إعادة هيبة الدولة وسيادة القانون.
سادسا ـ الإستمرار في الحضر الدولي الذي فرضه مجلس الأمن الدولي على ليبيا، بموجب القرار 1970 لعام 2011 على تصدير السلاح إلى ليبيا، حيث أن الوقت غير ملائم للسماح بتصدير المزيد من السلاح لأي قوى مسلحة في ليبيا مهما كانت المبررات والإدعاءات التي يطلقها بعض السماسرة وأمراء الحرب سواء من الذين يتحدون باسم الجيش الليبي أو الذين يدّعون امتلاكهم الشرعية الشعبية والقانونية والدستورية في البلاد.
والجدير بالذكر أن السيد كوبلر طرح فكرة إمكانية استثناء “الحرس الرئاسي” من هذا الحضر، دون أن يحدد تبعية تلك القوة للمؤسسة العسكرية، برغم ما يدل عليه الإسم من ارتباطها بالمجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الليبية. ولعله من المهم الإشارة هنا إلى أن هذا الاستثناء سيكون سابقة قد تفتح الباب على مصراعية أمام بعض الدول (روسيا، أوكرانيا، صربيا) للتذرع بهذه السابقة لتصدير السلاح للقوى التي تؤيدها في الساحة الليبية وعلى رأسها خليفة حفتر وميليشياته التي تسوق فكرة أنها الممثل الوحيد لمؤسسة القوات المسلحة الليبية تحت مسمة الجيش الوطني الليبي .
الحقيقة أن كمية السلاح المتوفر في ليبيا تزيد عن 25 مليون قطعة سلاح وتلك حقيقة تمثل جزء من المشكلة وليست جزء من الحل.
من المسائل التي ركز عليها السيد كوبلر في كلمته أمام أعضاء مجلس الأمن تتعلق وتخص بعثة الأمم المتحدة حيث يرى كوبلر حتمية عودة البعثة الأممية إلى العاصمة طرابلس، وتلك خطوة مهمة في ظل تدهور الأوضاع الأمنية في العاصمة بسبب النزاع المسلح بين الكتائب والمجموعات المسلحة التي تنتشر في أرجاء العاصمة.
الراهن أن العديد من المراقبين للأوضاع المتردية في ليبيا لاحظوا محقين بأن هذه الخطوات الأساسية التي تحدث عنها كوبلر تأتي في الوقت الضائع لأن الشواهد كلها تدل على أن الإتفاق السياسي الليبي قد أصبح فاشلا مثل دولة ليبيا الفاشلة.
______________
منبر ليبيا