بقلم شعبان التائب

يطرق الكاتب أبواب طرابلس القديمة، فيجد كل بابٍ شاهداً على أحداث متعاقبة رسمت تاريخ البلاد . لمدينة طرابلس كأي مدينة قديمة في العالمحكاياتها مع الأسوار والأبواب. فعراقة طرابلس وثقلها الاقتصادي جعل منها عاصمة في الكثير من العهود التاريخية.

إلا أن هذه الميزة حسب المهندس صلاح محمد حودانه، الناشط التراثي وابن المدينة القديمة، أفقدت طرابلس أغلب معالمها التاريخية المهمة، إذ كانت المدينة على الدوام آهلةً بالسكان لم تنقطع فيها الحياة، والمعالم القديمة فيها دائماً تختفي تحت معالمها الأحدث.

منذ ما يقارب 2766 عاماً أسسها الفينيقيون وأطلقوا عليها ماركا أويات Maraca Uiat” ولغرض توسيع تجارتهم أسسوا في نفس الفترة مدينتي صبراتة (غرب طرابلس) ولبدة (شرق طرابلس)، وفي سنة 146 ق.م احتل الرومان المدن الثلاث وأعادوا تخطيطها على الطراز المعماري الروماني، وكان اهتمامهم بلبدة وصبراتة أكثر فأصبحتا مدينتين تعجان بالسكان والحركة التجارية.

بقيت أويا مدينة صغيرة إلى أن جاء أسفاروس فأمر بإحاطتها بسور من الشرق والغرب والجنوب، ثم جاء بعده سبتيموس سفيروس ونقل العاصمة من لبدة إلى أويا، ليتغير اسمها إلى تربوليسأي المدن الثلاث.

بعد فترة ازدهار اجتاحتها القبائل الوندالية عام 439م ولم تترك خلفها سوى الخراب والدمار، وفي نحو عام 539م احتلها القائد البيزنطي بليزاريوس، ورغم اهتمام البيزنطيين بتحصين المدن وبناء الأسوار والمعابد إلا أنهم لم يتركوا شيئاً يذكر في طرابلس.

أسوار المحروسة

أسفاروس – القيصر الرومي – هو أول من أحاط طرابلس بالأسوار من الشرق والغرب والجنوب، فأصبحت مسورة من جميع جهاتها باستثناء الجانب المطل على الميناء، وتجنباً للتهديدات البحرية التي لم تكن تشكل أي خطر في العهد الروماني أضيف السور إلى تلك الجهة في العصر الإسلامي.

أسوار طرابلس حسب حودانه هي السور الشمالي الشرقي ويمتد من السراي الحمراء إلى أن يتصل من الناحية الشمالية ببرج الإسبانيول القديم، والسور الشمالي ويمتد من برج الإسبانيول القديم إلى أن يتصل من الناحية الغربية ببرج الدالية، والسور الغربي ويمتد من برج الدالية إلى أن يتصل من الناحية الجنوبية بالباب الجديد، والسور الجنوبي ويمتد من باب زناته إلى أن يتصل من الناحية الشرقية ببرج الكرمة، والسور الشرقي ويمتد من برج الكرمة إلى أن يتصل من الناحية الشمالية بالسور الشمالي الملاصق لجدار قلعة السراي.

باب البر وباب البحر

دون أبوسالم عبدالله بن محمد العياشي وهو من رحالة القرن السادس عشر الميلادي الذين مروا بطرابلس في كتابه الرحلة العياشية، بأنه يوجد بابان للمدينة وهما باب البر وباب البحر، أما الباحث في التاريخ الليبي وائل أبوزيد فطيس فقد قال لـمراسلونإن أبواب طرابلس القديمة أكثر من ذلك حسب ما ورد عن ايتوري روسي في كتابه ليبيا منذ الفتح الإسلامي حتى مطلع 1911″.

الأبواب يقول فطيس هي: “الباب الأخضروحسب المصادر التاريخية كان موجوداً بين زنقة جامع درغوث وزنقة الريح ولم يعد له أثر، وباب الستارةويعرف أيضا بباب عبدالله ويطابق موقعه باب المنشية اليوم، وهو من الأبواب التي اختلفت حوله الروايات.

يقابل باب الستارة باب هوارة، ويقول الشيخ الطاهر الزاوي عنه في كتابه معجم البلدان إنه عبارة عن فتحة في سور طرابلس القديم توصل إلى سوق المشير، وكان بها باب من كتل الخشب مغشي بصفائح من حديد، وفي زمن الاحتلال الإيطالي أزيل الباب ومازال القوس موجوداً، يقابله باب آخر بالقرب من برج الساعة مازالت فتحته موجودة بدون باب، وبها قوس في نهاية سوق المشير، وسمي باب هواره لأنه يجيز الي قبائل هواره الأمازيغية، وقد تم تطويره في فترة الاحتلال الإيطالي تناغماً مع محيطه، لغرض إبراز الشكل الجمالي لواجهة المدينة، أطلق عليه أيضاً اسم باب المدينة ويعتبر ثالث أكبر أبواب المدينة القديمة.

ثم الباب العربيوهو الباب الذي تسللت منه القوات الإسبانية إلى داخل مدينة طرابلس أثناء حملتها عام 1510، وذلك حسب ما رواه الجندي الإسباني باتستينو دي نونيس، وهو من المشاركين في هذه الحملة، وقد وردت التسمية كمرادف لباب المنشية، أو ربما باب الحرية حسب ما ورد عن إيتوري روسي.

ثم باب البحرالذي يقع في شمال شرق المدينة ويؤدي إلى المرسى ويقع بجوار الحى اليهودي وفي نطاق باب هوارة، ولم يعد له أثر رغم شهرته، ويقول عنه حودانه بأنه الباب الوحيد المزدوج، وموقعه جانب مسجد الشيخ عبد الوهاب القيسي، مقابل قوس النصر أو قوس ماركوس أوريليوس .

اثنا عشر باباً

وعن بقية الأبواب يقول حودانه إنه استناداً على أبحاثه ومشاهداته، وبالرجوع لما هو مدون عنها، فهي تبلغ اثني عشر باباً، والاختلاف في الروايات حولها يرجع لكون البعض منها مستحدث في وقت متأخر، فيما البعض الآخر لم يتم التطرق إليه نظراً لعدم أهميته.

وإضافة لما ذكره فطيس يقول حودانه إن هناك باب النفق وهو مستحدث وكان ممراً تحت السراي الحمراء، أصبح الآن باباً ضخماً لمتحف السراي، وباب الخندق كان فاصلاً مائياً بعرض 44 خطوة وعمق قصبتين (أي ما يعادل 4 إلى 5 أمتار)، ردم في القرن الثامن عشر وأصبح باباً صغيراً بقوس مفتوح على ذات السور، ثم هدم في الحقبة الإيطالية وأنشئ مكانه قوس كبير يحمل نفس الاسم القديم، يليه باب صغير يسمى بين البابين، يقع بين باب المنشية وباب الخندق.

أما باب الحرية ويقع جنوب غرب المدينة قرب جامع السنوسية، طوره العثمانيون عام 1908 وأطلق عليه الأسبان باب النصر وعرف بباب العرب، لم يعد له أي أثر اليوم، ثم باب العدالةأو باب الغدرويقع جنوب غرب المدينة جهة شارع الدبّاغ القديم سمي بالغدر بسبب قتل طفل بجانبه لغرض الفتنة وافتعال حرب أهلية، وهو أيضا لم يعد له أثر.

ثم باب زناته القديم ويطلق عليه ايضاً باب الحارة و باب الزنقة، وقد اشتهر بهذا الاسم لأنه مقابل لمضارب قبائل زناتة. يقع بالجهة الغربية للمدينة، فتحته لازالت موجوده وبجواره من الجهة الجنوبية الغربية يوجد باب زناته الجديد أو الباب الجديد، أنشئ في العهد العثماني الثاني، وصمم على هيئة عقد نصف دائري مثبت به باب خشبي كبير مصفح بطبقة معدنية.

وأخيراً باب الفلة أو باب الغولة وهو لايزال موجوداً، يقع في استدارة السور باتجاه شارع الهدار، مقابل لفندق كورنثيا وهو يمتد من تقاطع شارع الشيخ أبوريانة امتداد شارع الحارة الكبيرة ثم شارع الأكواش فقوس ماركوس والبحر.

أبواب تعكس نفوذ القبائل

حسب الرحالة العياشي فإن البوابين كانوا يستخلصون ضريبة على البضائع التي تخرج من مدينة طرابلس عن طريق الأبواب، وتسمى المكسوكان الحجاج يعفون من دفعها، وقد حدثت مشكلة لركب الحج المغربي الذي كان فيه العياشي بسبب الاشتباه في حمل بعض الركاب لبضائع ليست للحجاج، واشتكوا إلى باشا المدينة التركي ما حدث، فأصدر أمراً بعدم التعرض للركب، وشرح للحجاج كيف يتم تهريب البضائع من أبواب المدينة مع بضائع قوافل الحج.

هذه الحادثة تؤكد أهمية الأبواب الاقتصادية ودورها الأمني، فوظيفة الأسوار الدفاعية يقول فطيس تحتم وجود أبواب تتم فيها الرقابة على حركة المرور القادمة والمغادرة للمدينة، وتفتيش المسافرين ومعرفة كميات وأنوع البضائع الداخلة والخارجة عن طريق القوافل، وتعشيرها ودفع الضرائب عليها يعنى هي جمارك وجوزات تلك الحقبة“.

وهي حسب ابن خلدون كانت تتبع القبائل وتعكس نفوذها في المناطق التى تقع فيها وتفتح عليها، وحسب قوله أينما وجدث قبيلة هواره تجد بجوارها قبيلة زناته، وهذا ما يؤكده وجود بابي هواره وزناته على أسوار المحروسه، وهاتان القبيلتان هما من أكبر القبائل الليبية وأقدمها التى استوطنت طرابلس.

***

تعليق وإضافة من الدكتور شوقي ابراهيم معمر

تبقى اسطورة الفينيقيين مجرد رواية لا تدعمها المصادر التاريخية واول من اشار الى اسطورة الفينيقيين هو الضابط سالوست فى الجيش الرومانى فى القرن الاول قبل الميلاد بينما الفينيقيين حسب الرواية جاؤا مابين القرن الثامن والتاسع قبل الميلاد ؟ ويحاول البعض اضفاء صفة المؤرخ على سالوست ليؤكد هذه الرواية علما بان اقرب الشعوب الى الفينيقيين وهم الاغريق والعبرانيين لم يشيروا فى كتبهم الى تلك الهجرة المزعومة ؟

والاكثر من ذلك لا وجود لشواهد اثرية تثبت هذا الوجود ولا زلنا نكرر اساطير وخرافات لا يمكن لعاقل ان يصدقها ؟

ويؤكد البعض وجود الفينيقيين مستندا على النصوص الموجودة بالحرف العبرى القديم (يسمونها الفينيقية) علما بان الفينيقيين لا يوجد لديهم حرف وهذه النصوص لم تترجم الى حد الان ومايقومون به عبارة عن اجتهادات من قبل بعض الباحثين ويجمع غالبية الباحثين ان تلك التراجم من الركاكة انها لا ترقى الى مستوى النص ؟

اما موضوع الابواب فقد تغيرت ابواب مدينة طرابلس من فترة الى فترة تاريخية اخرى لازدياد عدد سكانها والتغير الطوبوغرافى بها فنتج عنها هذه التغييرات الطبيعية ولكن من طبيعة المدن الليبية ان يكون لها بابين او بوابتين واحدة للخروج واخرى للدخول وهذه من الامور العسكرية لحماية المدينة من اى هجوم ويجمع الكثيرين ان اقدم بابين للمدينة القديمة طرابلس هما باب هوارة وباب زناتة ؟

هاتان القبيلتان والتى كانت تسيطر على منطقة اقليم طرابلس كما تؤكد المصادر التاريخية ؟

اما موضوع اسوار طرابلس فالرجاء الاطلاع على لوح نعرمر والذى يعود تاريخه للالف الرابعة قبل الميلاد (ستة الاف سنة) والذى يؤكد فيه النص الهيروغليفى عن ان المدن الليبية كانت محصنة باسوار والاكثر من ذلك ان جل المدن الليبية وأصرّ على الليبية انها جميعها بنفس النمط والموقع الجغرافى فهى عادة تقع فوق مرتفع وتحيط بها السباخ وميناؤها دائما خارج المدينة ولعل السبخة أو الملاحة التى كانت فى ميدان الشهداء والتى أصبحت مقبرة بعد ذلك وملاحة معيتيقة وميناؤها المسمى قديما بميناء الشعاب .

ويمكننا مشاهدة صور العديد من المدن القديمة فى ليبيا او خارجها (شمال افريقيا) ستجدها بنفس النمط والتموقع الجغرافى ؟

***

الكاتب شعبان يونس التائب، كاتب وشاعر ليبي من مواليد مدينة زوارة عام 1959، حاصل على ليسانس آداب ودبلوم تسويق وتخطيط سياحي، له أبحاث في الثقافة الشعبية الليبية والعادات والتقاليد الأمازيغية، له عدة مقالات وأبحاث منشورة وعمل كمدير تحرير لمجلتي جيل ورسالة قبل توقفهما، ومدير تحرير موقع ؤسان ليبيا، كان مفوض إعلام كشاف ليبيا إلى غاية 2007، وعضو سابق في لجنة الإعلام والعلاقات العامة بالمنظمة الكشفية العربية، وهو عضو مؤسس في عدد من المنظمات الشبابية والمؤسسات الأهلي

___________

مراسلون

مواد ذات علاقة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *