عبد الرفيع زعنون

التجربة العربية في مجال التمكين للحق في المعلومة: الآليات والمآلات

اندرج تحدي كشف البيانات العمومية ضمن سياسات وبرامج جديدة لتوظيف الرقميات في تحديث التدبير العمومي، مثل الإدارة الإلكترونية والحكومة المفتوحة وميزانية المواطنين والتصدي للفساد عبر مدخل الشفافية.

إذ راهنت الدول العربية موضوع الدراسة على تكنولوجيا الإنترنت في تكريس الوصول إلى المعلومات العمومية، وذلك من خلال اعتماد تطبيقات متقدمة للنشر الاستباقي والتفاعلي لتيسير ولوج المواطنين إلى البيانات الحكومية المفتوحة.

فيما يتعلق بالنشر التفاعلي، تم تصميم آليات متنوعة لتيسير عمليات إيداع وتتبع طلبات الحصول على المعلومات.

ففي تونس، تنامت أعداد الطلبات بشكل تدريجي منذ إرساء هيئة النفاذ إلى المعلومة في 2017، إذ أصبح عددها يفوق ثلاثة آلاف طلب مع نهاية سبتمبر 2024، فيما استقر معدل معالجة الطلبات المسجَّلة في 80% ونسبة تلبيتها في 70%.

وبالمغرب أصبحت بوابة شفافية تحتضن منذ بداية أكتوبر من العام 2024 أكثر من 1700 إدارة ومؤسسة ملتزمة بالتجاوب مع طالبي المعلومات، مع تطور ملحوظ في عدد الطلبات وتحسن نسبي في مؤشرات المعالجة بالإجابة على أكثر من نصف الطلبات بمتوسط زمني يقارب 35 يومًا.

وفي الأردن، تنامت مساهمة الهيئات الحكومية في مواكبة طالبي الحصول على المعلومات بشكل عام، مع تسجيل بعض الأجهزة لمعدلات قياسية في أعداد الطلبات ووتيرة المتابعة، وخاصة دائرة الإحصاءات العامة، ففي عام 2023 تضاعف عدد طلبات البيانات الإحصائية إلى 600 طلب مع نسبة إتاحة البيانات للجمهور تناهز 96% وفقًا للتقرير السنوي لرصد البيانات.

أما لا تتوفر في الكويت أية معطيات رسمية بشأن مؤشرات الحصول على المعلومات نظرًا لغياب منصة مركزية موحدة خاصة بتدبير الطلبات، إذ أُوكل لكل جهاز إداري تصميم نافذة خاصة بموقعه الإلكتروني للاستجابة لطلبات الوصول إلى المعلومات.

بالموازاة مع ذلك، فقد حدث بعض التطور ببعض البلدان العربية على صعيد توفير الموارد البشرية المكلفة بمصاحبة طالبي المعلومات؛

ففي المغرب تم تعيين 1850 شخصًا مُكلَّفا بتلقي الطلبات والرد عليها، وتبرز المؤشرات الأولية أن الإدارات التي تفاعلت بشكل إيجابي وسريع مع طالبي المعلومات هي التي حددت الأشخاص المختصين وأمدتهم بالعدة المناسبة وبالتكوين الملائم.

وفي تونس قرر أكثر من 700 هيكل إداري تعيين موظفين مكلفين بمتابعة طلبات النفاذ إلى المعلومة الأمر الذي ساهم في رفع كفاءة استجابة الإدارات العمومية لطلبات الحصول على المعلومات.

وفي سياق توسيع مجال النشر الاستباقي تشهد المنطقة العربية تصميم مواقع متخصصة في نشر المعطيات العمومية المسموح بها مع تصنيفها وتحديثها بشكل مستمر، كبوابات نشر المعلومات القانونية والقضائية، إذ تُقدِّم وزارة العدل بالكويت تجربة نموذجية في العدالة المفتوحة، بنشر كافة النصوص التشريعية والمعلومات ذات الصلة بالمحاكمات والإجراءات القضائية.

ومنصات التدبير اللامادي للصفقات العمومية بالمغرب وتونس التي تتيح معلومات مفصلة بشأن طلبات العروض. كما عملت الدول العربية في إطار التزامها بمبادرة البيانات الحكومية المفتوحة على تصميم بوابات موضوعاتية لنشر المعطيات الرسمية التي تصدرها الهيئات التشريعية والتنفيذية والقضائية، كتونس التي شهدت إطلاق أول بوابة عربية للبيانات المفتوحة منذ سنة 2012 والتي تطورت تدريجيًا لتتحول إلى منصة متكاملة تحتضن قرابة 2500 مجموعة بيانات تشرف عليها 193 مؤسسة عمومية مع نهاية سبتمبر 2024.

وفي المغرب، تم إرساء منصة متطورة للبيانات المفتوحة منذ سنة 2021، تتيح للمستخدمين خيارات متعددة كالبحث المتقدم والتصنيف الموضوعي للمعطيات المنشورة مع تقديم هذه الأخيرة بأشكال مفتوحة وقابلة للاستعمال وبصيغ أكثر تفاعلية، وأصبحت البوابة تحتضن حتى نهاية سبتمبر 2024 ما يناهز 612 مجموعة معطيات مفتوحة و40 مصدرًا للمعطيات.

بينما في الأردن أسفرت عمليات تطوير المنصة الوطنية للبيانات المفتوحة عن توطين قرابة 2700 مجموعة بيانات تشرف عليها أكثر من مئة هيئة عامة، مع تسريع دائرة الإحصاءات العامة للإجراءات الرامية إلى تحسين مستوى نشر البيانات المفتوحة.

وعلى خلاف بقية الدول العربية موضوع الدراسة، لم تضع الكويت منصة خاصة بالبيانات المفتوحة مكتفية بنافذة إلكترونية ضمن البوابة الرسمية الكويتية ، لنشر التقارير الدورية والمعطيات الإحصائية الصادرة عن القطاعات الحكومية؛ خاصة البنك المركزي، والإدارة المركزية للإحصاء، والهيئة العامة للمعلومات المدنية، والمجلس الأعلى للتخطيط والتنمية، والجهاز المركزي لتكنولوجيا المعلومات.

تُظهِر معطيات مرصد البيانات المفتوحة على مدار الفترة بين 2020 و2023 تقهقر تصنيف الكويت بأكثر من ثلاثين رتبة نتيجة محدودية الاستجابة للمعايير الدولية لانفتاح البيانات العمومية، أما بقية الدول فقد تحسن ترتيبها بشكل متفاوت، إذ انتقل المغرب من الرتبة 41 إلى الرتبة 35، فيما حقق الأردن نقلة نوعية باحتلاله للمركز 41 بعدما كان في المرتبة 82، وتونس التي تقدمت رتبة واحدة.

ويرجع هذا التحسن بالنسبة للدول الثلاث إلى تأثيرات الانضمام إلى برامج التعاون الدولي، وخاصة الشراكة الدولية من أجل الحكومة المفتوحة التي تحث باستمرار الدول الأعضاء على تحسين مؤشر الشفافية.

كما تَكشِف الحصيلة المرحلية استحقاق تجارب عربية بعض التميز في إتاحة المعلومات للجمهور ضمن النطاق الإقليمي والدولي، إذ حصلت تونس على الجائزة الثانية للدول الرائدة في دعم الوصول إلى المعلومات بمنطقة إفريقيا وشرق آسيا.

كما أصبح المغرب من بين تجارب العالم الثالث المُوصى بها من جانب منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية التي تخصص برنامجًا خاصًا لتحسن أنظمة الحصول على المعلومات بالنسبة للدول العضوة والشريكة.

على المستوى الداخلي، تشير الحصيلة إلى الإدماج المتزايد لمعايير الانفتاح والشفافية في تصميم السياسات العامة؛ إذ أضحى الحق في المعلومة في المغرب مرتكزًا أساسيًا في بلورة المخططات الهادفة لتحسين الوضع الحقوقي والتنموي، كالخطة الوطنية للديمقراطية وحقوق الإنسان بالمغرب التي تضمنت عدة تدابير لتكريس الحماية القانونية للحق في التعبير والرأي والمعلومة، والاستراتيجية الوطنية للتنمية المستدامة التي نصت على تطوير النظام الوطني للولوج إلى المعلومات العمومية وعلى التقليص من حالات الفساد بنحو 90%، كما توخت استراتيجيات التنمية بالأردن التأسيس لسياسات مستجيبة للحق في النفاذ إلى المعلومة في سياق تفعيل الغاية 16.10 من أهداف التنمية المستدامة الخاصة بكفالة وصول الجمهور إلى المعلومات.

وفي هذا الشأن، تضمنت استراتيجية الكويت للحد من الفساد عدة تدابير لضمان الحق في الحصول على المعلومات كمواكبة مؤسسات الدولة في تحسين نظم الحصول على المعلومات ودعم الجهات الحكومية في النشر الدوري للمعلومات المرتبطة بنشاطها. ونظرًا للأثر المهيكِل لإتاحة المعلومات العمومية في فضح بؤر الفساد ومحاصرتها؛

كثَّفت تونس من الإجراءات المرتبطة بحماية حرية تدفق المعلومات ونشر الوثائق الإدارية بما يساعد على التقليص من نطاق الفساد الإداري، بما في ذلك نشر المعطيات ذات الصلة بفضح ملفات الفساد، والتصريح المسبق واللاحق بالممتلكات بالنسبة للأشخاص الخاضعين لواجب التصريح بالمكاسب والمصالح، وكذا تسريع التدابير الرامية لتعزيز الطابع المنفتح والتشاركي للموازنة العامة للدولة، إذ أحرزت تونس تميزًا ملحوظًا بالساحة العربية فيما يخص آليات مشاركة المواطنين في الموازنة العامة.

على المستوى الاقتصادي، ساهم التحسن التدريجي في شفافية البيانات على رفع مقروئية السياسات العامة، وانكشاف المعطيات النقدية والمالية بالتجارب المدروسة، على غرار التطبيقات الداعمة لشفافية منظومة الشراء العمومي بتونس، والتوظيف المتزايد بالكويت لتكنولوجيا البيانات المفتوحة في مجال الأعمال من أجل تدعيم شفافية الحياة الاقتصادية، وما لذلك من تأثير إيجابي على تحفيز مناخ الأعمال وتعزيز جاذبية الاستثمار.

كما اتخذ المغرب تدابير متعددة لتكريس شفافية المعلومات الاقتصادية بما يساعد على تقوية قدرته على استقطاب الاستثمارات الأجنبية، كالنشر الإلزامي للمعطيات المالية التي يتم في ضوئها وضع قانون المالية السنوي؛ بما في ذلك الإحصاءات الخاصة بالدين العمومي، ووضعية العقار العمومي، والموارد البشرية، والمؤسسات والمقاولات العمومية، مع منح المستثمرين الراغبين في الحصول على المعلومات مزايا خاصة سواء على مستوى سرعة الاستجابة أو جودة البيانات واكتمالها.

وبالأردن ساعد التحسن الملحوظ في البنية التحتية لتكنولوجيا المعلومات في ولوج رواد الأعمال إلى البيانات الاقتصادية المطلوبة، ما ساهم بدوره في إنعاش المناخ الاستثماري بالبلاد.

من الناحية الاجتماعية، بدأت بعض إرهاصات إسهام أنظمة الولوج إلى المعلومات في تحسين شفافية البيانات الاجتماعية، إذ ساعدت رقمنة شبكات الأمان الاجتماعية كل من المغرب وتونس والأردن على تعزيز شفافية نظم الحماية الاجتماعية، الأمر الذي من شأنه تدعيم مقروئية البيانات الاجتماعية وكشف مدى الامتثال لمبادئ المساواة والإنصاف والاستحقاق في تصميم وتنفيذ البرامج الاجتماعية.

ففي المغرب، درجت الحكومة منذ 2023 على النشر الدوري لحصيلة السجل الاجتماعي الموحد الذي يعد بمثابة قاعدة معلوماتية لتسجيل الأسر الفقيرة الراغبة في الاستفادة من البرامج الاجتماعية، من خلال نشر المعلومات المتعلقة بأعداد المسجلين والمستفيدين من الدعم الاجتماعي المباشر ومن التأمين المجاني عن المرض، والميزانية المخصصة لذلك.

وفي الأردن تتيح منصة صندوق المعونة الوطنية العديد من البيانات المفتوحة والمعطيات الإحصائية بشأن الفئات المستفيدة من التحويلات النقدية المشروطة. وفي تونس ينشر مركز المعلومات بوزارة الشئون الاجتماعية الوثائق والبيانات ذات الصلة بمنهجية تصميم الميزانيات والبرامج الاجتماعية وحصيلة تقييمها في ضوء مؤشرات النوع والاستدامة والفعالية.

في سياق متصل تجدر الإشارة لأن استحقاقات التمكين للحق في المعلومة أتاحت فرصًا غير مسبوقة لإذكاء دور المجتمع المدني في الدفاع عن الحقوق والحريات؛ إذ تنامت المبادرات المواطنة الداعية إلى توسيع الفضاء العمومي عبر آليات تدعيم الشفافية والنفاذ إلى المعلومات، على غرار طعن جمعيتي «البوصلة» و«نواة» بتونس على قرار المجلس الوطني التأسيسي برفض الكشف عن تفاصيل التصويت على القوانين وتقارير اللجان النيابية في 2015، إذ قضت المحكمة الإدارية بقبول الدعوة وبإلغاء قرار المجلس.

كما عملت جمعية «توانسة» على تصميم موقع إلكتروني لتقييم استجابة الأجهزة الإدارية لمطالب النفاذ إلى الوثائق والمعلومات الرسمية.

وفي المغرب بادرت جمعية «سمسممشاركة مواطنة» إلى إطلاق منصة تفاعلية لتتبع مدى التزام السلطات بتجسيد الحق في المعلومة ولمساعدة طالبي المعلومات في صياغة الطلبات وتقديم الشكاوى للجهات المعنية.

كما عملت جمعية «ترانسبرانسي» المغرب والجمعية المغربية لِمهنيي تكنولوجيا الاتصال على تطوير عدة مؤشرات لقياس درجة تجاوب السلطات العمومية مع متطلبات إنفاذ الحق في المعلومة منذ عام 2011، كمؤشر المصادر الرسمية لإتاحة المعلومات العمومية ومؤشر انفتاح المواقع الإلكترونية للقطاعات الحكومية.

وفي الكويت، نفذت جمعية الشفافية الكويتية عدة أنشطة للترويج لمشروع قانون حق الاطلاع وللحث على إعمال المقاربة الحقوقية في التمكين للحق في الحصول على المعلومة بما ينسجم مع المعايير الدولية.

الأمر نفسه بالأردن إذ أسهمت عدة منظمات مدنية في مواكبة الجهود الرسمية الرامية إلى التمكين للحق في المعلومة على غرار مركز «رشيد» للشفافية الدولية، والمركز الأردني للشفافية .

___________

مواد ذات علاقة