نعيمة مورللي

حدث ذلك منتصف الليل، كما هي الحال مع أغلب عمليات الإزالة التي تتم دون موافقة السكان المحليين. ففي مارس/آذار 2023، هُدِمت منطقة في مركز بنغازي التاريخي تضم العديد من المباني ذات التراث الاستعماري الإيطالي.
وكانت هذه العملية التي نفذها جيش حفتر غير متوقعة إلى الحد الذي جعلها مفاجئة حتى لعمدة بنغازي.
وجرى تنفيذ الإزالة في مركز المدينة التاريخي لإزالة الأنقاض التي خلفتها الصراعات الماضية والحالية، ولإفساح المجال لمركز جديد وحديث، ولم تتم إعادة الإعمار بطريقة طبيعية. والآن، بينما أعيد بناء بعض المباني أو استبدالها بمبان حديثة، لا تزال مبان أخرى، مثل مسرح برنيتشي، أنقاضًا.
وقد تضررت بنغازي بشدة بسبب القصف خلال الحرب العالمية الثانية، وأعيد بناؤها ثم دمرت مرة أخرى خلال الصراع الداخلي بين الفرقاء الليبيين الفترة بين 2014-2018.
وأدت الأضرار الناجمة عن الحروب ومشاريع التجديد (في السنوات الأخيرة) إلى محو جزء كبير من التاريخ الليبي الحديث. ومن أبرز الأمثلة على هذا التاريخ المفقود مسرح برنيتشي الذي بني عام 1928، وكان يمثل أحد الأماكن القليلة جدًا للترفيه والفن والتجمع للمواطنين بالمدينة طوال العقود الماضية.
فبعد أن عانى من أضرار جسيمة خلال الحرب العالمية الثانية، أعيد بناؤه فترة ما بعد الحرب وظل يعمل حتى ثمانينيات القرن العشرين، عندما تم إغلاقه أخيرًا.
ومع ذلك، خلال مشروع إعادة الإعمار عام 2023، تم هدم المسرح بالكامل دون وجود خطط لإعادة بنائه، ولم يبقَ منه سوى الأنقاض.
ويتذكر الكثيرون العصر الذهبي للمسرح بحنين وأسى، فقد استضاف عام 1969 عرضًا شهيرًا للمغنية المصرية أم كلثوم، وهو ما يؤكده الفنان والمهندس المعماري ساري الفيتوري قائلا للجزيرة الإنجليزية “إن مسرح برنيتشي يحتل حتى يومنا هذا مكانة كبيرة في قلوب السكان المحليين ويعتبر معلمًا أساسيًا في الذاكرة الجماعية للمدينة“.
ويمكننا أن نرى في مختلف أنحاء ليبيا محو آثار العمارة التي تعود إلى الحقبة الاستعمارية، لكن هذا ترك فراغا كبيرا في نفوس الكثيرين، إذ اعتبروا تلك الآثار تراثا مفقودا وجزءا من تاريخهم.
وبينما تخضع العاصمة طرابلس لعملية ترميم وتحديث مماثلة، وإن كانت أكثر تدريجية ودون أي حوادث هدم مفاجئة بين عشية وضحاها، فقد تم ترميم العديد من المباني التراثية والمباني التي تعود إلى الحقبة الاستعمارية بالمدينة القديمة أو هي في طور الترميم.
ومع ذلك، لم تخلُ عملية ترميم طرابلس من الجدل. فبالنسبة للكثيرين، يبدو الأمر وكأنه مجرد نموذج متسرع يفتقر إلى الخبرة اللازمة لضمان الحفاظ على المباني بشكل أصيل.
تقول هبة شلبي، وهي فنانة وناشطة تناضل من أجل حماية تراث طرابلس، إنها شعرت بشعور الانتماء والتقدير لجمال مدينة طرابلس القديمة –وخاصة ساحاتها– منذ أن كانت طفلة.
وكانت مغرمة بشكل خاص بتماثيل الحيوانات التي تُنسب للفترة الاستعمارية الإيطالية مثل الغزلان والفهود. وتتذكر على وجه الخصوص نمرين في حديقة زاوية الدهماني، بالقرب من فندق المهاري (راديسون بلو حاليا).
فتقول “كان والدي الراحل يأخذني وأخي للعب حولهما كثيرًا، ونتسلق فوقهما، ونتخيل ركوبهما. وفي بعض الأحيان كنا نجد أطفالًا آخرين يلعبون في مكان قريب“.
ولكن في نوفمبر/تشرين الثاني 2014، اختفت التماثيل فجأة، ورغم أن السبب الرسمي غير واضح، فقد كان مفهومًا أن بلدية طرابلس وهيئة الآثار نقلتا التماثيل لحمايتها من التخريب.
وتشعر شلبي بالحزن إزاء حقيقة مفادها أن العديد من الأماكن التي تتذكرها بحنين لطفولتها قد تغيرت بشكل جذري ولم تعد أماكن للنزهات الاجتماعية، وتقول “لقد أهمل بعضها ولم تتم معالجة مشاكلها أو ترميمها أبدًا“.
ولحسن الحظ، تم تحويل بعض المباني إلى متاحف. وهذا هو الحال بالنسبة للقصر الأحمر (سرايا الحمراء أو قلعة طرابلس) الذي كان في السابق مقرًا للعائلات الحاكمة في ليبيا، بينما يستضيف الآن إدارة الآثار.
ولقد رُمِّم جزء من مبنى قصر علي باشا القرهمانلي (والي إيالة طرابلس الغرب 1832-1835) وأصبح منذ فترة طويلة المتحف الإسلامي، لكن عملية الترميم لم تكتمل بعد.
وترقد تحت مدينة طرابلس القديمة بقايا مدينتين، رومانية وفينيقية. لكن عندما استخدمت مواد ثقيلة في عملية الترميم كالأسمنت والخرسانة والحديد، تعرضت تلك المدن القديمة للغرق.
وتشير هبة إلى أن معالم المدينة القديمة تمحى ببطء، مستنكرة هذا الفعل وواصفة إياه أنه بعيد كل البعد عن الترميم. فكل ما يحدث في طرابلس من تغيير – ظاهره تجميلي للآثار التاريخية القديمة– يلغي كل معالمها التاريخية والأثرية ويستبدلها بأخرى حديثة.
يرى الفيتوري، صاحب مؤسسة “تجرّد للعمارة والفنون” في بنغازي، أن العمارة ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالماضي الاستعماري في ليبيا.
فبالنسبة له، لا تزال بنغازي مدينة شكلت فهمه لنفسه والعالم من حوله، ويقول “إنها مدينة جميلة ومتناقضة وقوية تسعى باستمرار إلى إعادة اختراع نفسها” كما يشعر أنه يستطيع الآن أن يرى بنغازي في كل مدينة يزورها في العالم.
فلقد حفّز إعادة إعمار مركز بنغازي –بعد حقبة الصراع بين الفرقاء (2014-2018)- بالنسبة له سلسلة من التأملات حول دور الفضاء العام، فلا يمكن فصل مفهوم الإصلاح الاجتماعي والثقافي لأي مجتمع عن العمارة والأماكن العامة، كما يقول.
وشجع الفيتوري من خلال مشاريع مؤسسته “تجرّد” الطلاب والمعلمين والفنانين والمهندسين المعماريين والجهات الفاعلة في المجتمع المدني على أن يكونوا نقادًا اجتماعيين وسياسيين، وأن يشاركوا بنشاط في الفضاء العام من خلال التنظيم والتجمع.
ودرس الفيتوري في قبرص الشمالية، وعندما اندلع الصراع عام 2014، لم يهرب، بل سافر قبل بضعة أشهر فقط من بدء الحرب الأهلية، وعاش في الجزيرة المتوسطية لمدة 4 سنوات بينما كان يزور بنغازي مرة واحدة في السنة، وذلك حتى عام 2018، إذ تزامن تخرجه مع انتهاء القتال.
وبنظرة منه إلى الوراء، يرى الفيتوري أن هذا الأمر أعطاه فرصة للمراقبة والتفكير بدوره في عملية إعادة الإعمار عندما عاد أخيرًا، بينما وقتها كان يشعر بالعجز تجاه عائلته وأصدقائه الذين يمرون بتلك الأوقات الصعبة.
وعاد الفيتوري إلى ليبيا عام 2018 ليجد الآثار الكارثية للحرب. فقد تعرض مركز بنغازي القديم لأضرار بالغة، بعد أن كان في وقت من الأوقات إحدى أكثر الجبهات كثافة في الصراع. ويقول إن المدينة فقدت تقريبًا خصائصها المعمارية التاريخية بالكامل.
ويصف بنغازي الجديدة بأنها تشبه بيروت ما بعد الحرب، حيث تمت تسوية بعض المناطق بالأرض تمامًا، وتضررت مناطق أخرى جزئيًا وتشوهت بالرصاص وثقوب القنابل. لكن كانت الطبيعة تتوغل لاستعادة المدينة، فنمت الأشجار والعشب في بعض أجزاء المدينة.
ويتذكر الفيتوري مشاعره في تلك الفترة، حين أصابته مشاعر مختلطة في البداية، إذ رأى الدمار الذي لا يمكن تصوره، وكيف عاد النازحون ببطء إلى منازلهم المدمرة وشبه المدمرة.
لقد أعادوا بث الحياة فيها، دون أي جهود حكومية. وأعيد ترميم بعض المباني والمساحات المشوهة تدريجيًا، رغم عدم شعوره بالأمل في إحياء المدينة آنذاك، فقد كانت المنطقة مهجورة بشكل كامل.
وعادت المعلمة عائشة –التي فضلت عدم ذكر اسمها بالكامل– للعيش وسط مدينة بنغازي بعد الحرب، واستقرت بين المباني التي كانت لا تزال قائمة.
ومرت عند عودتها بمجموعة من المشاعر من الإثارة والارتياح إلى التوتر والضغط.
وكانت مسرورة بالعودة إلى منزلها مرة أخرى، وشعرت بالدفء والسكينة، على الرغم من شعورها بحزن ساحق أحيانا أخرى. فقد اختفت العديد من الجوانب التي أحبتها بشكل خاص في حيها، مثل الواجهة المألوفة لمنازل جيران عائلتها، بأبوابها ونوافذها وشرفاتها المليئة بالزخارف والتفاصيل المعمارية الجميلة.
لكن الأمر الأكثر إثارة للصدمة لها كان اكتشاف منزل عائلتها وهو مدمر جزئيًا، ومملوء بالأنقاض والحطام، ولم يكن الأمر كما كان عليه في السابق. وتصف عائشة أجواء ما بعد الحرب التي كانت هادئة للغاية لمدة عامين على الأقل بعدها.
ولكن ببطء، تحسنت الأوضاع، وعاد الجيران إلى منازلهم. وسارت عجلة الحياة كما كانوا قديما مرة أخرى، فاحتفلوا بالأعياد، وتنزهوا في الخارج. وبالتأكيد لم يعد الأمر كما كان قبلا، فلا زالت المتاجر مغلقة ومعظم الأماكن فارغة، لكنها تعود ببطء.
ويتذكر الفيتورى أيضًا لحظة عودته إلى منزله، إذ كانت الظروف المحيطة به مروعة ورغم ذلك يرى أنها كانت لحظة تحرر، فالبدء من الصفر أصبح ضرورة وجودية.
وبينما يعتقد أن عددًا من المبادرات الحكومية لترميم وتجديد بعض المباني نفذت بشكل عشوائي وسطحي، فلا يوجد –حسب تعبيره– فهم نقدي للتاريخ الاستعماري الإشكالي للمدينة أو رؤية لإعادة الإعمار التحويلي.
وشملت هذه المباني “قبة البرلمان” والتي تعد أول برلمان عربي وأحد الرموز المعمارية والسياسية لنضال ليبيا من أجل التحرير والاستقلال، و“قبر عمر المختار” الذي كان يحمل مكانة خاصة لليبيين لأنه احتوى ذات يوم على جسد المناضل الشهيد، و“كاتدرائية بنغازي” المعلم الثقافي الذي تحول لمسجد عام 1952.
تم تنفيذ العديد من المشاريع، والتي وقعت مسؤوليتها الرئيسية على عاتق بلدية بنغازي، في ظل نقص الخبرة بالتصميم المعماري والهندسة الإنشائية وأعمال الترميم، ويرى الفيتوري أن وسط المدينة له سياق تاريخي حساس، لكن كل الترميمات التي نفذت كانت بطريقة متسرعة وغير ناضجة، دون الاستناد لأي دراسات تراثية أو استشارة خبير بهذا المجال.
…
يتبع
______________________