بهي الدين حسن

استعمار «وطني»

رحل الاستعمار ونهض مكانه من المحيط للخليج أنظمة استبدادية، أو ما يسميه الأكاديمي العراقي فالح عبد الجبار «نمط الدولة التوليتاري الطرفي»، «الذي نشأت مقدماته بالتدريج في مصر منذ الستينيات وانتشرت صيغه في معظم الجمهوريات العربية، بصيغ محلية معدلة».

يلخص عبد الجبار مسيرة العراق الحزينة في فقرة واحدة مكثفة:

اختار النظام السياسات الاجتماعية والثقافية والسياسية التدميرية: إقصاء كافة الجماعات السياسية اليسارية واليمينية والوسطية، وحرمانها من الحقوق السياسية؛ شخصنة وقبلنة البنى السياسية. الاستيعاب القسري للكرد وسواهم من المجموعات الإثنية غير العربية، اعتداءات غاشمة على أصحاب المقامات الدينية الشيعية، ونفي قطاعات من الشيعة إجمالًا، بحيث بذرت بذور تفكيك الأمة.

أخيرًا سقوط النظام التوليتاري سقوطًا مميتا في فخ المغامرات الإقليمية والتوسعية: أولًا إيران (1980 – 1988)، ثم الكويت (1990 – 1991).

لا يختلف المشهد في مصر؛ إذ «لم يأت الضباط معهم بقوة سياسية أو اجتماعية جديدة إلي السلطة، بل أتوا معهم فقط بالمبدأ، بالنداء الذي يطالب بإخلاء الساحة لكي تحل أحلام المجد وتتحقق، بشرط أن يصمت الجميع». 

فلم يكن لنظام التحرر الوطني في مصر برنامج «سوي الهيمنة علي ميراث الدولة التي أسستها ثورة 1919»، أي تلك الثورة التي أطلقت شرارة التحرر الوطني والديمقراطي في مصر.

ويستطرد يونس بكلمات تكاد تتطابق مع وصف عبد الجبار لما جرى في العراق: «لقد أطبق نظام يوليو على هذه الدولة من أعلى، ببرنامج يتلخص في تقييد هذه المؤسسات وإخضاعها»، أي إخضاع تلك المؤسسات التي قادت، لعدة عقود، الكفاح المرير من أجل التحرر الوطني والديمقراطي في مصر وبناء دولة ما قبل الاستقلال.

أدت التطورات التراكمية في العراق إلى «نشوء مجتمع حضري جماهيري مفتت إلى ذرات، ومفرغ من مؤسسات الدفاع عن الذات». 

بصياغات أخري مشابهة يقول يونس أنه قد جري في مصر إحلال «فكرة الأمة (أي السكان ككيان ثقافي) محل فكرة الشعب (أي الجماعة السياسية) لتصبح هي بذاتها جماعة سياسية افتراضية قائمة على الهوية، تطالب بتوجيه المجال السياسي بمجمله».

لذا فإن يونس يبدو محقًا في وصف الوعد الغامض بالتحرر بأنه في حقيقته «… كان بمثابة صك استسلام السكان وتسليم مقدراتهم السياسية لمن كانت لديهم الجرأة، لا القدرة، على الوعد بالإنقاذ». إنها «الدولة السلطانية المحدثة» بتعبير الكاتب السوري ياسين الحاج صالح.

وفي سبيل تحقيق هدف استئصال السياسة ورفاق الكفاح الوطني، اتبعت نظم «التحرر الوطني» أبشع وسائل الاستبداد والقهر ضد كل أشكال التنظيم السياسي والمدني المستقل (التي كان قد جري انتزاعها بثمن باهظ رغم أنف المحتل الأجنبي)، واستبدلتها «بمؤسسات لا معني لوجودها إلا حراسة الفراغ المخصص لهذا الاسم» يقصد الشعب!

من ثم جري التنكيل المنظم بحقوق المواطنين كأفراد (محاكمات جائرة وقتل ونفي واختفاء قسري وتطهير عرقي وعمليات إبادة وتعذيب وتشريد ومنع من العمل والسفر وغيرها) فاقت في وحشيتها جرائم الاحتلال الأجنبي (باستثناء الاحتلال الفرنسي في الجزائر).

جرى ذلك في بعض الدول العربية بالاستعانة بخبراء من ألمانيا النازية (مصر مثالًا)، و/أو من دولة الاحتلال السابقة (الأردن والبحرين مثالًا).

في مصر بدأ قادة الضباط «الأحرار» مشاوراتهم مع سفارة دولة الاحتلال: بريطانيا للاستعانة بخبرتها في مكافحة الشيوعيين في الحادي والثلاثين من يوليو 1952، أي بعد ثمانية أيام فقط من إعلان «ثورة التحرر الوطني»!

لم يكن الهدف الرئيسي للقمع الوحشي هو الحصول على معلومات عن خصوم سياسيين، بقدر ما كان إخلاء الساحة تمامًا من أي لاعب سياسي آخر حتى ولو كان حليفًا ضد الاحتلال ومناضلًا ومن أجل التحرر الوطني.

يقول سجين شيوعي مصري «لم تكن أمام أجهزة القمع حينذاك مشكلة انتزاع اعترافات من الشيوعيين المصريين، فلم يكن للشيوعيين أسرار يخفونها على حلفائهم في الدولة الناصرية».

رغم ذلك كان التعذيب «أشد قسوة وهمجية، كان يهدف إلى تحطيم اللياقة الإنسانية للخصوم السياسيين. إنه ذلك النوع من التعذيب الذي يجري بأعصاب باردة وعلى فترات زمنية طويلة بهدف تحطيم الطاقات الفكرية والروحية للإنسان، عن طريق التحطيم البطيء المحسوب، والضغط الدائم المرهق على الوعاء الجسدي». 

فالهدف هو استئصال السياسة من المجتمع وتكفير السياسيين بها وإخلاء الساحة تماما «للمحررين الجدد».

لاحقًا، سيستخدم كاتب ماركسي سوري تعبيرًا يكاد يكون مطابقًا عندما يحلل مدي وحشية نظام التحرر الوطني في بلده ونزعته الاستئصالية: «التلذذ المجنون بالفظاعة». 

بينما يذكرنا كاتب عراقي بأحد أبشع مبتكرات نظام صدام حسين؛ بتخصيص موظفين مدربين على اغتصاب النساء. تعرف أحدهم بطاقة عمله الرسمية المصاغة بلغة مفرطة في طابعها الرسمي!

«المهنة: مقاتل في الجيش الشعبي. نشاطه: الاعتداء علي شرف النساء». 

مجرد وسائل متنوعة في بربريتها من إفراز عقليات شيطانية لتحقيق ذات الهدف الاستئصالي: أي إجبار أطراف ذات وزن أدبي في المجتمع العراقي، ثم الكويتي لاحقًا (ينتمي لها هؤلاء النساء)، على الخروج من المجال السياسي.

ينقل عن جمال عبد الناصر –الرمز التاريخي لتحرر مصر الوطني– توعده لزعيم وطني تاريخي من زمن ما قبل ثورة الضباط الأحرار: «لقد علمني السياسة، لكني سأجعله يكف عن ممارسة السياسة».

قد تصلح هذه العبارة عنوانًا عريضًا لحقبة «التحرر الوطني»، حقبة التحرير الدامي للمنطقة ممن ناضلوا من أجل تحررها الوطني، وتحريرها من المنطق التحرري ذاته.

لكن كما تنبهنا عشرات الكتب التي حوت مذكرات الإخوان المسلمين والشيوعيين –مثل سعد زهران وآخرين– فإن عملية إخراج رفاق الكفاح من أجل التحرر الوطني من المجال السياسي لم تنحصر في قسوة التشريد والاعتقال لسنوات عديدة والتعذيب، بل امتدت للقتل في السجون بأبشع الوسائل وأكثرها بربرية، كالخنق في الماء والإذابة في الأحماض.

بعد عام واحد على أبشع هزيمة للجيش المصري في التاريخ الحديث، والتدمير الكامل لسلاح الطيران في ثلاث ساعات، وبينما مازال الجيش الإسرائيلي يحتل سيناء، لم يجد جمال عبد الناصر وسيلة لإقناع طلاب الجامعات المصرية المحتجين على الهزيمة في نوفمبر 1968 «بالكف عن ممارسة السياسة» سوى بإطلاق النار عليهم بالرشاشات المثبتة في طائرات هيلوكوبتر، لولا اعتراض قائد القوات الجوية حينذاك.

بعد نحو عقدين من الزمان من التحرر من المحتل الأجنبي، أدي الحصاد المر لهذه الحقبة بالأكاديمي السوري برهان غليون، ثم عدد متزايد من الأكاديميين والكتاب العرب، لاعتبار هذه النظم بمثابة «استعمار داخلي» حل محل الأجنبي. فجوهر الاستعمار (خارجيًا أو داخليًا) هو «فرض البنى الحديثة من أعلى بشكل استبدادي». فيما وصفها آخرون بالدولة الإرهابية «الدولة الغول… تفتك بمحكوميها بوحشية يمتنع تسويغها على أرضية ما تواجهه هذه الدولة من خصوم داخليين.

كان في سويات التنكيل بالمجتمعات المحكومة ما يتجاوز تحدي الروابط الإنسانية والوطنية إلى ما يشبه تلذذًا مجنونًا بالفظاعة، وما يتجاوز معاقبة خصوم سياسيين إلى إقامة صناعة إرهابية كاملة وواسعة النطاق، تتفنن في الانتقام وترويع المحكومين كلهم».

يلفت الأكاديمي المصري محمد السيد سعيد النظر إلى أن مقولة الاستعمار الداخلي ليست جديدة، وإنما يتبناها عدد من علماء الاجتماعمرجعًا نشأتها إلى «شعور عات بامتلاك قوة غاشمة لم تعتد أن تكون مسئولة أو موضع مراجعة دائمة من مؤسسات المجتمع أو الدولة».

 لكن تحول هذه النزعة التسلطية إلى استعمار داخلي «يبدأ في اليوم الذي تتمكن فيه طبقة تسيطر على أدوات القوة من اجتياح وتهميش وتعجيز سلطة المجتمع». 

ويشير سعيد إلي أن «عقيدة امتلاك الدولة» شائعة في مصر ضمن «صفوف طبقة العسكريين وضباط البوليس»، وأن هذا الشيوع بحد ذاته «ينفي ويقتلع من الجذور مبدأ المواطنة».

الحقيقة المريرة الساطعة بعد مرور نحو سبعة عقود على جلاء الاحتلال الأجنبي هو فشل مشروع بناء الدولة الوطنية.

يتبع

***

بهي الدين حسن ـ مدير مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان

_____________

مواد ذات علاقة