بهي الدين حسن

أَلاَ تخاطب المنظمات الحقوقية العربية المجتمع في بلادها؟
الإجابة التقنية: نعم تخاطب هذه المنظمات المجتمع في بلادها. هل يتلقى المجتمع هذه الرسالة؟ لا أظن ذلك.
بالفعل تعمم منظمات حقوق الإنسان ما يصدر عنها من بيانات للرأي العام في بلادها، لكن واقع الأمر أن أغلبية هذه البيانات يجري بالأساس إعدادها لمخاطبة الآليات الدولية لحقوق الإنسان و/أو الحكومات الأجنبية و/أو الحكومة العربية المتهمة بانتهاك حقوق الإنسان.
من ثم فإن بناء ومنطق ولغة أغلبية هذه البيانات يخضع من الألف للياء لتلبية متطلبات مخاطبة هذه الأطراف، خاصة ما يتطلبه ذلك من اعتماد خطاب ذي طبيعة تقنية قانونية متخصصة.
تعميم مثل هذا الخطاب للمجتمع لا يفيد، بل قد يضر أحيانًا، لأنه يحمل في طياته رسالة باللامبالاة بالمجتمع المخاطب (باستثناء دائرة محدودة من المشتغلين بالقانون والحقوقيين)، وقد يوحي بازدرائه، بصرف النظر عن نوايا أصحاب البيان.
أي أن «الرسالة» في أفضل الأحوال لا تصل، وفي أسوأ الأحوال تصل الرسالة، لكنها قد تستنفر رد فعل سلبي.
هل المشكلة تتعلق بضرورة «تبسيط» البيان/الرسالة لتناسب أغلبية المواطنين؟ المشكلة أن الرسالة غير مستساغة حتى بالنسبة للمواطن الذي يتمتع بحد أدنى أو عميق من الثقافة؛ لأنها مصممة من الألف للياء لمخاطبة أطراف أخرى تمامًا، أطراف تسلم مسبقًا بأن الإطار القانوني لحقوق الإنسان متفق عليه كنقطة انطلاق، بما في ذلك حكومات عربية تمارس افتراس حقوق مواطنيها منذ الساعات الأولي لصباح كل يوم.
فمثل هذا البيانات/الرسائل تنطلق من الالتزامات القانونية والدستورية الزائفة المعلنة من هذه الحكومات، بصرف النظر عن لامبالاة أغلبية هذه الحكومات بهذه الالتزامات واستهزائها عمليًا بها.
غير أن ذلك قد لا يخلو أيضًا من آثار عكسية مضادة لصالح مرتكبي جرائم حقوق الإنسان، مثلما يقول فاتسلاف هاڤل (الحقوقي التشيكي، الذي صار أول رئيس لتشيكوسلوفاكيا بعد تحررها من الحكم الشيوعي التوليتاري) الذي حذر من أن ذلك الخطاب القانوني هو نمط من «النفاق» يثير الأوهام لدي المواطنين حول احترام النظم الاستبدادية للقانون والدستور.
من ثم –وفقًا لهاڤل– من المحتمل أن يصب في صالح هذه النظم وليس في صالح إحكام الحصار حولها –كما يظن الحقوقيون– بل قد يضيف عقبات أخرى تحول دون تعزيز ضغط الرأي العام على هذه النظم الاستبدادية.
بهذا المعني قد يخشى أن يوصف هذا النمط من الخطاب الحقوقي بأنه «متواطئ»!، فهو يُسقط المجتمع من اعتباره، وعندما يخاطبه فإنه يستخدم نمطًا منفرًا يناسب مخاطبة طائفة مغلقة تستطيع تفكيك الشفرات التقنية والقانونية للخطاب الحقوقي. …
علاوة على ذلك؛ فقد تكون الرسالة الوحيدة التي يمكن للرأي العام استخلاصها من الخطاب هو أنه –خلافًا لنوايا أصحابه– يبث الأوهام عن استعداد هؤلاء الحكام المستبدين –الذين اقترفوا كل الجرائم التي يعددها ذلك الخطاب– للاحتكام –بمجرد لفت نظرهم– للمواثيق الدولية المعنية بحقوق الإنسان وللقانون والدستور.
هذا النمط من الخطاب والرسائل غير المقصودة لا يضر فحسب، بل ربما يساهم دون قصد في تعزيز «ستار حديدي» جرى تشييده وتعزيزه ببراعة منذ السنوات الأولي لإحراز الاستقلال الوطني للدول العربية في خمسينيات القرن الماضي، وذلك بهدف تعزيز النظم الاستبدادية الوليدة حينذاك، لكنه لا يزال منتصبًا في مكانه.
فهل يدرك الحقوقيون ماذا يدور في ذهن الرأي العام المغيب خلف هذا الستار؟
ستار حديدي عربي
بعد عام واحد على انتصار الثورة البلشفية في روسيا (أكتوبر 1917) بدأ الحديث لأول مرة عن ستار حديدي (غير عسكري). يتولى الستار الحديدي حماية الثورة عبر حجب الأفكار المعارضة وتكثيف الدعاية السياسية المباشرة وفنون الحرب النفسية ونشر ثقافة الخوف وتجذيرها، بالتضافر مع القمع العنيف للمختلفين حتى لو لم ينتموا لجماعات سياسية معارضة. وشيطنة الدول الديمقراطية، وحجب عن العالم وعن الروس أنفسهم الفظائع التي كان يجري ارتكابها –وبشكل أكثر فظاعة بعد تولي جوزيف ستالين الحكم– بما في ذلك ضد بعض أبرز «الرفاق».
في هذا السياق تعرض المفكرين والمثقفين والفنانين لعملية تضييق واسعة النطاق لم تنحسر إلا بوفاة ستالين عام 1953.
ذاع مصطلح «الستار الحديدي» بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية وتمدد الدولة السوفيتية لتتحول لمعسكر يضم عددًا من دول شرق ووسط أوروبا –التي سيطر عليها الجيش الروسي بعد هزيمة ألمانيا النازية على أيدي الحلفاء– ويفصلها «ستار حديدي» متمدد عن دول غرب وشمال أوروبا الديمقراطية، وذلك حتى زمن انهيار المعسكر الشيوعي عام 1989.
وبينما انهار الستار الحديدي السوفييتي بعد نحو اثنين وسبعين عامًا؛ لم يزل «الستار الحديدي العربي» راسخًا في مكانه.
شراسة القمع لا تكفي وحدها لتفسير استمرار الستار الحديدي السوفيتي أو العربي لنحو سبعين عامًا لكل منهما. توجد عوامل مشتركة وأخري مختلفة.
هناك ثلاثة عوامل رئيسية مشتركة ومترابطة أطالت عمر الستارين الحديديين:
-
تأسيس عقد اجتماعي قائم على مبادلة الخبز بالحرية.
-
النجاح في تسويق صيغة أيدولوجية ترتكز على صراعات الهوية «نحن وهم».
-
التمكن من إقناع جيش من صناع الرأي العام (مفكرين وأدباء وأساتذة جامعات وسياسيين وشعراء وفنانين وإعلاميين) بتبني هذه الصيغة الهوياتية وتسويقها للجمهور.
العامل الأخير ينطوي على أخبار غير سارة للحركة الحقوقية في العالم العربي. فهو مؤشر على مدى جسامة التحدي الذي تواجهه في مهمتها المحورية لمخاطبة الرأي العام.
فهذه المهمة لا تتمحور حول مخاطبة عامة الناس وتبسيط الخطاب الحقوقي الموجه إليهم، بل حول مخاطبة من يمارسون، يوميًا، دورًا حيويًا في تشكيل (وأحيانًا تزييف) وعي وعقول هؤلاء المواطنين.
في منتصف خمسينيات القرن الماضي بدأ تشييد الستار الحديدي العربي على أيدي النظم التي حققت الاستقلال الوطني وحررت بلادها من الاحتلال الأجنبي، قبل ذلك التاريخ كانت شعوب المنطقة تخوض معارك التحرر من الاحتلال الاستعماري الغربي، والتي كانت في جوهرها معارك من أجل التمكين السياسي للمجتمع في مواجهة غاصب أجنبي –باستثناء الجزائر التي خاضت حرب تحرير دامية – بما يتطلبه ذلك من انتزاع «أسلحة» تنظيمية مستقلة عن إرادة الاحتلال وأعوانه، كالأحزاب السياسية والنقابات المهنية والعمالية وجمعيات أهلية وروابط طلابية وفنية وصحافة.
جري ذلك الكفاح التاريخي الهائل بالتوازي مع النهل من منابع التقدم العلمي والثقافي في الغرب، فرديًا وجماعيًا (عبر إيفاد البعثات الدراسية بشكل متواتر)، واطلاع المجتمع المحلي بانتظام على أحدث التطورات الثقافية والفكرية والعلمية في الغرب.
كانت حقبة انفتاح سياسي وفكري وثقافي وفني واجتماعي على العالم بشكل منتج رغم الاحتلال الأجنبي، بعد غيبوبة طويلة لعدة قرون في أسر ظلامية الإمبراطورية العثمانية.
حينذاك، عرف القادة السياسيون والاجتماعيون كيف يميزون بين متطلبات تشديد الكفاح السياسي المباشر ضد الاحتلال الأوروبي وبين متطلبات التطور السياسي والاجتماعي والثقافي في ظل هذا الكفاح ومن أجله، بل أيضًا من أجل متطلبات مرحلة ما بعد الاستقلال.
أنتج هذا التفاعل الخلاق عددًا من أبرز قادة التطور الاجتماعي والسياسي والفكري والعلمي في المنطقة. مازالت بصمات هؤلاء الرواد بارزة في القرن الحادي والعشرين.
كانوا يكرهون الاحتلال والاستعمار الغربي، لكنهم لم يسقطوا في شرك كراهية الغرب «غربفوبيا» كحضارة ومصدر للإشعاع الثقافي والعلمي وميلاد النظام الديمقراطي في العالم. بل إن طه حسين –أهم مفكر مصري في القرن العشرين (وربما لقرون قادمة)– كرس أحد أهم مساهماته الفكرية للبرهنة على أن «العقل المصري غير مخالف في جوهره وطبيعته للعقل الأوروبي»، وأن الواجب الوطني الصحيح بعد الاستقلال يتطلب «حين نشرع القوانين وننشئ المدارس وننشر العلم وننظم الاقتصاد ونستعير النظم الديمقراطية من أوروبا إنما نسعى إلى شيء واحد هو تحقيق المساواة التي هي حق طبيعي لأبناء الوطن الواحد جميعًا».
يشدد طه حسين علي أن علاقة مصر بأوروبا يجب أن تتسم بعلاقة الأنداد ببعضهم، لا التبعية، موضحًا «يجب أن نقر في أنفسنا أن نظام المساواة في الحقوق والواجبات، هذا الذي نريد أن نقره في حياتنا الداخلية، هو بعينه النظام الذي يجب أن نقره في حياتنا الخارجية وفيما بيننا وبين أوروبا من الصلات». أي «أن نسير سيرة الأوروبيين ونسلك طريقهم لنكون لهم أندادًا، ونكون لهم شركاء في الحضارة».
في ذلك الكتاب «مستقبل الثقافة في مصر» تتجسد بعض ملامح المشروع النهضوي الطموح والندي مع الغرب لمرحلة ما بعد زوال الاحتلال الأجنبي. في عام 2024، بعد ستة وثمانين عامًا من صدور هذا الكتاب، ستوقع حكومتي مصر وتونس اتفاقيات تَسَوُّل مخجلة مع الاتحاد الأوروبي، تتلقيان بمقتضاها منحًا مالية لمنع مواطنيهما –الذين فشل حكامهم، رغم زوال الاحتلال الأجنبي قبل نصف قرن، في توفير الحد الأدنى من سبل الحياة لهم في بلادهم– من التسلل «لمراكب الموت» والمخاطرة بحياتهم من أجل فرصة محتملة (إذا لم يغرقوا في البحر المتوسط) للانتقال للعيش في مجتمعات قد لا يتفقون مع تقييم طه حسين الإيجابي لها، بل ربما يعتبرونها مجتمعات فاسقة ومعادية لبلادهم وكارهة لإسلامهم.
جدير بالذكر أن تراكم الفشل السياسي والاقتصادي في الدولتين أدى لابتلاع الديون للناتج المحلي الإجمالي، إذ بلغت نسبة الديون عام 2023 في مصر أكثر من خمسة وتسعين بالمئة، وفي تونس ثمانين بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي.
كان يفترض أن يزدهر توجه طه حسين –الخلاق والندي تجاه الغرب– بصورة أعظم بعد زوال الاحتلال الاستعماري الغربي، لكن النظم السياسية التي أحرزت الاستقلال كانت لها استراتيجيات أخرى مازال العالم العربي يدفع ثمنًا باهظًا لها.
المحور المشترك لهذه الاستراتيجيات هو حصر مهمات التحرر الوطني بجلاء…
المحتل الأجنبي –دون تحرير الشعوب وإطلاق طاقاتها– بل استثمار هذا الإنجاز في استعبادها ومنع تحررها الشامل السياسي والاقتصادي والثقافي، وطمس مهمات التمكين الاقتصادي والمجتمعي من المسألة الوطنية، التي جرى اختزالها في جدول أعمال وحيد ينحصر بطابع خارجي، أدواته الوحيدة المؤهلة هي جيش ومخابرات.
الأمر الذي يصب لصالح تمكين النخب الحاكمة «الوطنية» (مدنية و/أو عسكرية) من احتكار الحكم إلى مالا نهاية. لذلك الغرض تحولت ملاحقة من صنفوهم من شتي تيارات اليمين واليسار «بأعوان الاستعمار» إلى مهمة أبدية للنظم التي توارثت الحكم، حتى بعد رحيل الاستعمار، لعدة عقود متواصلة.
ليس هناك مرجع أفضل لإدراك جوهر هذه الاستراتيجية من تحليل توجهات الأب الروحي والسياسي «للتحرر الوطني» القاصر في مصر، ومصدر الإلهام للنظم التي سارت على خطاه في العالم العربي منذ بدايات النصف الثاني من القرن العشرين؛ أعني جمال عبد الناصر.
…
يتبع
***
بهي الدين حسن ـ مدير مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان
_____________
