د. إسماعيل علي الشريف

في كل يوم من الأزمة السياسية.. تزداد الدولة انكشافا.. وتفقد القوى الوطنية زمام المبادرة”

أتت الأقدار وتشابك الأزمة السياسية الليبية بالسنغالي عبدالله باثيلي كممثل للأمين العام للأمم المتحدة قبل أكثر من عام ونصف.. ربما الشيء الجديد الذي يسجل له حصرا هو ابتداع وظيفة جديدة (السياحة السياسية).. فالرجل سافر وتجول وتنقل كثيرا بين عواصم (صناعة) الكارثة الليبية..

لم يغب طيلة فترة عمله بمقر البعثة على شاطىء (جنزور) عن واشنطن ولندن وباريس وروما وأنقرة والدوحة وأبوظبي والقاهرة والرباط وموسكو.. وغيرها مما لا نعلمه من الأماكن.. وأرهق نفسه كثيرا من أجل أن تتوحد المؤسسات الليبية في (الفساد).. ومن أجل أن يغطس الليبيون أصابعهم في (زجاجات) أحبار الانتخابات (المزعومة).. ومن أجل أن يتصالح (المافيوزيون) الذين لا علاقة لهم بخلاف 2011.

ولكن أمام طبقة سياسية انتهازية (عنيدة).. وتلاعب أركان النظام الدولي (المتوحش) وتابعيهم ومقاوليهم من دول الإقليم بأموال وسيادة  ليبيا.. غرق (باثيلي) مبكرا في وحل الأزمة الليبية حيث (ذهاقنة) التمديد وتدوير الأزمة.. وملاك أسهم دولة ليبيا الجديدة لهم قولهم.. ويفشل باثيلي في تحقيق أي شيء يضيفه لسيرته الذاتية.. ويرحل باحثا عن وظيفة جديدة مماثلة.. حيث مصائب (دول) التحول الديمقراطي عند موظفي الأمم المتحدة فوائد.

نلوم (البعثة) والعيب فينا وما لأزمتنا عيب سوانا.

ها وقد التحق باثيلي بقافلة (سابقيه) الثمانية من المبعوثين الأممين إلى ليبيا.. تاركا من وجدهم أمامه في مجلس النواب ومجلس الدولة والمجلس الرئاسي (ثابتين) على مبادئهم في الالتصاق والالتحام بالكراسي والمزايا والترف.. مفسحا المجال (مرغما) لستيفاني الثانية لتحاول الإمساك ببعض خيوط اللعبة الدولية على ليبيا (التعيسة) حيث ضاعت من دولتها العتيدة في المؤامرات وفي غفلة من (غفوات) رئيسها (بايدن) أجزاء من جغرافيا ومصير (ليبيا) الدولة المشاكسة لهم أمام تمدد روسي يلتف حول إقليم الصحراء الكبرى تستسلم الدويلات الإفريقية (المنهكة) لمغرياته ووعوده.

لا أعرف إن كانت ستيفاني (الثانية) هي آخر المبعوثين الدوليين إلى ليبيا.. ولا أعرف تماما متى ستقدم إحاطتها الأخيرة وترحل.. لكنها لن تكون كسابقيها.. حيث سيكون القاسم المشترك بين (طبرق) و(طرابلس) بعض الحروف الأبجدية فقط.. وربما تكون الإحاطة الأخيرة لليبيا الموحدة.. فليس لدى الأمم المتحدة مزيد من الوقت لعبث الطبقة السياسية المستهترة بوطنها

.

.

.

***

ليبيا والأفق المسدود

رسم المبعوث الأممي إلى ليبيا عبدالله باتيلي صورة قاتمة للوضع في ليبيا بعد إعلان استقالته من منصبه الأسبوع الماضي، وسط تساؤلات عما ينتظر هذا البلد العربي منذ عام 2011 بعد مقتل العقيد معمر القذافي ودخوله في نفق الانقسام والاقتتال، تحت رحمة جيشين وحكومتين ومرتزقة وميليشيات جهوية.

باتيلي هو المبعوث الأممي التاسع الذي يستسلم للأزمة ويستقيل من منصبه بعد 18 شهراً من تولي منصبه خلفاًَ ليان كوبيش الذي كان استقال بشكل مفاجئ في نوفمبر/ تشرين الثاني 2021.

باتيلي الذي أقعده اليأس عن تحقيق أي تقدم على طريق إنقاذ ليبيا وشعبها وفتح مسار للتسوية والحل السلمي، أشار إلى «غياب الإرادة السياسية»، و«أنانية» القادة الذين يديرون شؤون الحكم وسط صراعات فيما بينهم، من دون التبصر بما يمكن أن يحل ببلدهم إذا ظل يعيش في فوضى من دون أفق لإنقاذ محتمل، وهو ما حذر منه قائلاً «في هذه الظروف ليس لدى الأمم المتحدة أية وسيلة للتحرك بنجاح، ولا مجال لحل سياسي».

حاول باتيلي كما حاول غيره وضع خارطة طريق للمصالحة السياسية وإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية وتشكيل حكومة جامعة، وتوَاصل مع الأطراف الليبية في الشرق والغرب، ومع منظمات المجتمع المدني، وتم بالفعل تحديد يوم 28 إبريل/ نيسان الحالي موعداً لمؤتمر المصالحة لكنه أرجئ بسبب خلافات على الحضور.

عادت الأزمة إلى «نقطة الصفر» جراء صراعات على السلطة، والولاءات القبلية والجهوية من جهة، ثم بسبب تنافس القوى الدولية على الإمساك بمفاتيح السلطة والثروة نظراً لموقع ليبيا الجغرافي في قلب شمال إفريقيا، ولما تمتلكه من ثروات بترولية هائلة، ذلك أن القوى المتحكمة بالسلطة باتت مرتبطة بشكل أو بآخر بالقوى الدولية التي توفر لها الدعم السياسي والعسكري.

ولذلك فإن قرارات مجلس الأمن الخاصة بالأزمة الليبية ظلت مجرد «حبر على ورق»،لعدم الرغبة في تنفيذها، والأمر نفسه ينطبق على الاتفاقات المبرمة بين الأطراف الليبية المتصارعة، وعلى مقررات المؤتمرات التي عقدت في غير عاصمة ومدينة عربية وأوروبية، وكانت كلها مجرد بيانات للاستهلاك.

سوف تستمر ليبيا غارقة في الفوضى السياسية والأمنية طالما يفتقد قادة الأمر الواقع إلى الجدية والصدق، ويرتهنون إلى الخارج، ويعتبرون مصالحهم فوق مصلحة الوطن، ولا يريدون تسليم السلطة وفق خارطة طريق تعيد لليبيا وحدتها، والانتقال إلى حكم القانون والديمقراطية من خلال انتخابات حرة وشفافة يتم من خلالها التداول السلمي للسلطة.

المتابعون للشأن الليبي لا يستبعدون انفجار الوضع الأمني في أية لحظة في مثل الوضع القائم، مع تعدد الميليشيات التي تسعى لتوسيع مناطق نفوذها من حين إلى آخر. خصوصاً أن اللجنة العسكرية (5+5) التي أنجزت وقفاً لإطلاق النار منذ أكتوبر/ تشرين الأول 2020، ووضعت خططاً لتوحيد القوى والأجهزة الأمنية لم يتم دعمها بشكل حقيقي «لغاية في نفس كل طرف».

بعد استقالة باتيلي لا بد من تعيين مبعوث دولي جديد يستطيع أن «يجترح» الحل، لكن حتى هذا التعيين يحتاج إلى «وفاق دولي»، لأن اختيار باتيلي تم بعد عشرة أشهر من استقالة كوبيش. فهل يكون المبعوث الجديد الضحية العاشرة.

__________________

مواد ذات علاقة