
الخارجية الأميركية تعتبر الوجود والرحلات الجوية إلى ليبيا ضرورية مع تنامي النفوذ الروسي في الجناح الجنوبي لحلف شمال الأطلسي. بدأت الولايات المتحدة في إعادة النظر بشأن سفارتها المغلقة منذ عشر سنوات تقريبا في العاصمة الليبية وقررت إعادة فتحها في الوقت الذي تعمل فيه روسيا على تعزيز نفوذها بالبلاد.
وأفادت شبكة “سي.إن.إن” الأميركية، أن وزارة الخارجية الأميركية طلبت في موازنة العام 2025، تخصيص مبلغ 12.7 مليون دولار، لتمكين استئناف أعمال السفارة في ليبيا، وتوفير النفقات التشغيلية لعمليات السفر والدعم الدبلوماسي من تونس، وكذلك زيادة استخدام الطائرات المخصصة المتمركزة في مالطا للرحلات الجوية إلى طرابلس.
شهدت الساحة السياسية في ليبيا تحركات مكثفة من الجانبين الروسي والأميركي، وصلت حد التسابق في ممارسة ضغوط على أطراف ليبية وعربية فاعلة في محاولة من جانب موسكو لتأمين تواجدها في ليبيا عبر قوات فاغنر. فيما تحاول واشنطن تضييق الخناق على روسيا ومنع تحويلها ليبيا قاعدة تنطلق منها إلى القارة الإفريقية.
وأوقفت السفارة الأميركية في طرابلس عملياتها في يوليو/تموز العام 2014 بسبب الاضطراب الداخلي، بعد عامين تقريبا من الهجوم على المجمع الأميركي في بنغازي، الذي راح ضحيته السفير آنذاك كريس ستيفنز، وثلاثة أميركيين آخرين.
وطلبت الوزارة في الموازنة تخصيص 3.9 مليار دولار للأمن الدبلوماسي والبرامج ذات الصلة لحماية العمليات الدبلوماسية الأميركية في الخارج، بما في ذلك الوجود الموسع في منطقة المحيطين الهندي والهادئ وليبيا وشرق البحر الكاريبي.
وتحدثت الخارجية الأميركية في طلبها بشكل خاص عن زيادة الوجود الروسي داخل ليبيا كدافع لرغبتها في إعادة فتح سفارتها بطرابلس، وقالت “مع تنامي النفوذ الروسي في الجناح الجنوبي لحلف شمال الأطلسي، فإن الوجود الأميركي والرحلات الجوية إلى ليبيا ضرورية للحفاظ على مصالحنا الأمنية طويلة الأجل“.
وقال مسؤول بوزارة الخارجية الأميركية إن “واشنطن تنخرط في مفاوضات نشطة لإقامة مرفق موقت للأمن ودعم الموظفين في العاصمة طرابلس“.
ويأتي ذلك في الوقت الذي عززت فيه روسيا من وجودها داخل ليبيا، وهو ما برز في زيارات عدة أجراها مسؤولون بوزارة الدفاع الروسية إلى شرق البلاد في الآونة الأخيرة، حسب “سي إن إن“.
وحذر الجنرال في مشاة البحرية مايكل لانغلي، رئيس القيادة الأميركية في أفريقيا (أفريكوم)، الأسبوع الماضي، من أن “بعض الدول على وشك الوقوع فعليا في فلك الاتحاد الروسي، حيث تنشر موسكو بعضا من رواياتها الكاذبة عبر ليبيا، لتأمين الوصول والنفوذ في دول المغرب العربي بأكمله“.
وأضاف لانغلي “يتعين علينا في تلك المنطقة وهي الجناح الجنوبي لحلف شمال الأطلسي أن نكون قادرين على الحفاظ على الوصول والنفوذ عبر المنطقة، من المغرب إلى ليبيا“.
وتبذل الولايات المتحدة مساعٍ أكبر للتضييق على النفوذ الروسي في ليبيا، خاصة عبر الضغط على الفاعلين المحليين والإقليميين لقطع العلاقات مع مجموعة فاغنر. وتُعزّز هذا المسار راهناً الحرب الدائرة في الخرطوم وسط خشية أميركية من تدخل روسي من باب ليبيا.
في المقابل فإن روسيا ورغم انشغال بالحرب الأوكرانية الراهنة، فإنها تحرص على تعزيز تواجدها في القارة الإفريقية، وترسيخ حضورها في ليبيا لاستخدامها كورقة ضغط على الغرب.
خاصة بعد إسقاط الطائرة المسيّرة الأميركية طراز “إم كيو-9 ريبر” بسلاح روسي، أثناء تحليقها بالقرب من مركز قيادة الجيش الليبي بمنطقة الرجمة شرق ليبيا، وتنفيذها عمليات استطلاع بشأن نشاط عناصر فاغنر.
وكثفت موسكو أخيرًا اهتمامها بليبيا، فبعد فترة من اتخاذ مسافة من حكومة الدبيبة في طرابلس، أصدر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، مرسومًا بتعيين آيدار أغانين سفيرًا مفوضًا فوق العادة لبلاده في طرابلس.
روسيا تسعى لتعزيز نفوذها في ليبيا وعينها على المنطقة
تقرير أميركي يتوقع أن تكون ليبيا نقطة انطلاق مهمة للعمليات الروسية في السودان وجمهورية أفريقيا الوسطى والتحالف العسكري الجديد لدول الساحل.
كشفت مؤسسة ‘جيمس تاون‘ الأميركية للأبحاث في تقرير نشرته الثلاثاء أن خليفة حفتر قائد الجيش الليبي يتباحث مع روسيا بشأن تدريب عسكري للقوات الليبية الخاصة مقابل تعزيز موسكو لحضورها في شرق ليبيا، في خطوة من شأنها أن تثير غضب واشنطن.
وأورد موقع ‘بوابة الوسط‘ الليبي مقتطفات من التقرير الأميركي الذي أشار إلى وجود “خطط إستراتيجية عسكرية تعدّها هيئة أركان الجيش الروسي بهدف تأمين النفوذ على ساحل البحر المتوسط“.
وأوضحت “جميس تاون” أن ‘القواعد العسكرية في الجفرة وسرت وبراك الشاطئ الجوية جرى دمجها بالفعل في طريق الإمداد الجوي الروسي من اللاذقية إلى بانغي ومنطقة الساحل“.
ورجح التقرير الأميركي أن تكون ليبيا نقطة انطلاق مهمة للعمليات الروسية في السودان وجمهورية أفريقيا الوسطى والتحالف العسكري الجديد لدول الساحل، الذي يتكون من النيجر ومالي وبوركينا فاسو، بعد الانتهاء من نشر الفيلق الأفريقي خلال الأشهر القليلة المقبلة.
ولفت إلى “تنامي النفوذ الروسي في ليبيا منذ العام 2018″، مشيرا إلى “وجود 800 متعاقد روسي على الأقل داخل ليبيا، يدعمهم ألف من المرتزقة السوريين متمركزين في مدينة بنغازي“.
وأوضح أن قوات مجموعة “فاغنر” الروسية دعمت قوات حفتر في محاولته السيطرة على العاصمة طرابلس، لكن غالبية المقاتلين الروس كانوا عديمي الخبرة في المعارك، ما أدى إلى توتر مع القيادة العامة وحفتر.
وعلى الرغم من التحذيرات الأميركية المباشرة بشأن خطورة النفوذ الروسي على العملية الديمقراطية، فإن التقرير أشار إلى المحادثات التي عقدها خليفة حفتر مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في موسكو نهاية العام 2023.
وتشير تقارير إلى أن قائد الجيش الليبي يسعى للحصول على أنظمة للدفاع الجوي وتدريب للطيارين والقوات الخاصة، مقابل تأهيل قاعدة جوية تستضيف قوات عسكرية روسية. كما شملت المباحثات بين حفتر والروس السماح لسفن بحرية روسية بالرسو على سواحل البحر المتوسط قبالة ليبيا.
وكشف التقرير أن “حفتر يواصل اللقاءات مع المسؤولين العسكريين الأميركيين، على الرغم من أن هذا قد يوفر له نفوذًا في تعاملاته مع الروس، الذين لا يبدو أنهم يعارضون خطته لتأمين سيطرة عائلته على الحكم“.
واستدرك أن “اللقاءات مع المسؤولين الأميركيين قد تثير بعض الشكوك في المعسكر الروسي، الذي يرى أن حفتر مفيد ولكن يمكن استبداله“.
ويتواجد مرتزقة فاغنر في ليبيا، منذ أكتوبر/تشرين الأول 2018، بحسب تقرير أممي نشرته وسائل إعلام غربية في مايو/أيار 2020، ذكر أن عددهم يتراوح ما بين 800 و1000 عنصر.
وينشط مرتزقة فاغنر ما بين محافظتي سرت (450 كلم شرق طرابلس) والجفرة (600 كلم جنوب شرق طرابلس) ويتمركزون بقاعدة القرضابية الجوية بسرت ومينائها البحري، بالإضافة إلى قاعدة الجفرة الجوية، وتمددوا إلى الجنوب الغربي حيث تمركزوا في قاعدة براك الشاطئ الجوية.
ولعدة مرات رصد الجيش الليبي تحركات لمرتزقة فاغنر في قاعدتي سرت والجفرة الجويتين، كما أعلن مرارا رصد وصول رحلات جوية لطائرات تحمل مرتزقة من جنسيات مختلفة.
ورغم اتفاق الفرقاء الليبيين في 23 أكتوبر/تشرين الأول 2020، على إخراج المرتزقة الأجانب وعلى رأسهم فاغنر من بلادهم خلال ثلاثة أشهر من ذلك التاريخ، إلا أن ذلك لم يتحقق على أرض الواقع.
ويأمل الليبيون إجراء انتخابات برلمانية ورئاسية لإنهاء نزاعات وانقسامات تتجسد منذ مطلع 2022 في وجود حكومتين، إحداهما برئاسة أسامة حماد وكلفها مجلس النواب (شرق)، والأخرى معترف بها من الأمم المتحدة ومقرها في العاصمة طرابلس (غرب)، وهي حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبدالحميد الدبيبة.
_______________