ولفرام لاخر

أموال المركزي في جعبة المجموعات المسلحة

يقول تقرير مجلة «نيو لاينز» الأميركية إن بعض الشركات التي تستفيد من خطابات الاعتماد شركات كانت واجهة للجماعات المسلحة، حيث وثقت لجنة تحقيق تابعة للأمم المتحدة خطابات اعتماد تزيد قيمتها عن 20 مليون دولار حصل عليها هيثم التاجوري الذي يتزعم مجموعة مسلحة، في العام 2015 وحده، من خلال تهديد موظفي البنك المركزي.

ونقل الباحث عن مسؤول تنفيذي كبير في أحد البنوك في طرابلس قوله: «لقد كانت أوقاتًا عصيبة للغاية. الجماعات المسلحة كانت تهدد وتخطف مديري البنوك»، وكان من بين ضحايا عمليات الاختطاف عدد من مسؤولي البنك المركزي أو أقاربهم، بمن فيهم شقيق رئيس مكتب الصديق الكبير، في حين يزعم الأخير أنه هو نفسه لم يخضع للتهديدات مطلقًا، حيث قال لـ«ولفرام لاخر» في العام 2018: «في ربيع 2017، جاء هيثم التاجوري وغنيوة الككلي إلى منزلي، لكننا رفضنا دائمًا محاولات ترهيبنا».

كما نقل عن فتحي باشاغا، الذي أصبح بعدها وزيرًا للدخلية، قوله وهو غاضب في أبريل 2018: «أكبر مشكلة تواجه ليبيا اليوم ليست رئيس الوزراء فايز السراج أو حفتر، إنها كبيرة! إنه (الكبير) يشتري قادة الميليشيات والبرلمانيين بخطابات اعتماد، ويحولهم بين عشية وضحاها إلى مليونيرات. هو بحاجة للرحيل».

يسرد «ولفرام لاخر» حدثت واقعة آنذاك، بقوله: «ذات مساء من ذلك الشهر، انضممت إلى مجموعة من قادة (ميليشيات) مصراتة يتجاذبون أطراف الحديث على العشاء والشاي والنرجيلة. انزعج مضيفي من أخذ ميليشيات طرابلس كل شيء لأنفسهم، وقال (نحن ذاهبون إلى طرابلس للحصول على نصيبنا إذا لزم الأمر، سوف نلقي الحكومة في البحر) ورد عضو في المجلس البلدي لمصراتة قائلاً: «لنكن صادقين؛ يتعلق الأمر بالحصول على شريحة من كعكة خطابات الاعتماد»، يقول الباحث لم يعترض أحد.

«حرب خطابات الاعتماد»

بعدها شهدت طرابلس حربًا عُرفت باسم «حرب خطابات الاعتماد»، وقتها صدت مجموعات طرابلس الهجوم، لكن كجزء من التسوية التي أنهت الصراع، تفاوضت الأمم المتحدة على فرض ضريبة على مشتريات العملات الأجنبية، وهو ما أدى إلى تضييق الفجوة بشكل كبير بين أسعار الصرف الرسمية وسعر الصرف في السوق السوداء، مما سمح للبنك المركزي بتحرير تخصيص خطابات الاعتماد.

وكجزء من هذا الصراع، أشار الباحث إلى الهجوم الذي شنه قائد قوات القيادة العامة المشير خليفة حفتر على طرابلس، وما رافق تلك الخطوة من عمليات إغلاق لمنشآت النفط، ومطالبة حفتر برحيل الصديق الكبير، مقترحًا بدلاً منه فرجات بن قدارة، آخر محافظ للبنك المركزي قبل ثورة فبراير 2011.

وقتها كانت الإدارة الأميركية في عهد دونالد ترامب تميل إلى ضرورة رحيل الصديق الكبير، وهو الموقف الذي دعمته فرنسا والإمارات ومصر، وقتها سافر بلقاسم نجل حفتر وفرحات بن قدارة إلى واشنطن حاملين مقترحا بإنشاء حساب ضمان تحت إشراف دولي لعائدات النفط، لكن وزارة الخزانة عارضت الفكرة، وتراجع موقف الولايات المتحدة بشأن الكبير بعد أن غادر بولتون البيت الأبيض في سبتمبر، وهو الذي كان متحمسا لفركة تغيير المحافظ.

يشير التقرير إلى أن التدخل التركي قلب المعادلة، رغم الخلاف الذي نشب بين رئيس المجلس الرئاسي وقتها فائز السراج والصديق الكبير، حيث سعى دبلوماسيون أميركيون ودبلوماسيون من الأمم المتحد آنذاك للتوسط في اتفاق لإبقاء الإيرادات محظورة في حساب المؤسسة الوطنية للنفط في مصرف ليبيا الخارجي.

وفي سبتمبر 2020 استؤنف إنتاج النفط، مع تدفق الإيرادات إلى حساب المؤسسة الوطنية للنفط، مما أثار صراعًا بين كبير والسراج للسيطرة على البنك الليبي الخارجي. وعندما كان غاضبًا من تهميشه، سرب الكبير رسالة «سرية للغاية» إلى صنع الله اتهم فيها المؤسسة الوطنية للنفط بإخفاء مليارات الدولارات من عائدات النفط لسنوات بدلاً من تحويلها إلى البنك المركزي.

ورد صنع الله على ما سماه «السياسات الفاشلة» لكبير بعنوان فيديو لاذع: «أين ذهبت كل الأموال؟ شخص واحد يتحكم في كل شيء. من أنت أخي هذه الفوضى لا يمكن أن تستمر. حتى يتم إصلاح البنك المركزي، لن ترى أي أموال على الإطلاق».

براغماتية الكبير وشبكة حلفاء في مجلسي النواب والدولة

يقول التقرير إن الكبير نجا من خلال تكييف شبكته السياسية باستمرار، بدلاً من الاعتماد على أي فصيل معين، حيث سمح له الانقسام في العام 2014 بمساحة كبيرة في الإبحار في المشهد المتغير في ليبيا، بالإضافة إلى عدم اعتراف الحكومات الغربية بالحبري محافظًا، فضلا عن فشل الترتيبات المتعلقة باتفاق الصخيرات بتغيير إدارة المصرف المركزي بسبب الخلاف بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة.

يُزعم على نطاق واسع، بحسب الباحث «ولفرام لاخر» أن الكبير لديه حلفاء في كل من مجلس الدولة ومجلس النواب، متجاوزًا جميع الانقسامات السياسية، حسبما أبلغه الرئيس السابق للمجلس الأعلى للدولة، عبد الرحمن السويحلي، في مقابلة العام 2021 بأن الصديق الكبير جمع «مجموعات ضغط» في كلا الهيئتين.

ونقل عن السويحلي قوله إن التهديدات المتكررة من قبل البرلمانيين لاستبدال الكبير ترقى إلى شكل من أشكال الابتزاز بهدف تأمين الوصول إلى الأموال، لافتا إلى أن أحد المتعاونين السابقين المقربين من المحافظ أخبره أن أعضاء البرلمان يأتون بشكل متكرر لمقابلة الحاكم لطلب الخدمات.

يقول الباحث: «سمحت براغماتية الكبير في التعامل مع الانقسامات السياسية في ليبيا بالتمسك بمنصبه حتى عندما بدا أن الجميع قد انقلبوا ضده»، حتى عندما تعرض لضغوط من جميع الجهات، عندما اتفق السراج وصنع الله والأمم المتحدة على تجاوزه، مما يحرم البنك المركزي من عائدات النفط، عقد الكبير اجتماعاً لمجلس الإدارة مع علي حبري والأعضاء الآخرين المقيمين في الشرق، وهو الأول منذ العام 2014.

حيلة توحيد المصرف المركزي وغموض الموقف تجاه الدبيبة وباشاغا

هذه الحيلة التي دفع بها الكبير، جاءت بحسب الباحث تحت غطاء عملية مطولة تفيد ظاهريًا بمحاولة إعادة توحيد البنك المركزي، وهي ما أبعدت الكثير من الضغط الدولي الذي واجهه المحافظ. وبالتوازي مع التقارب مع الحبري، ألقى الكبير وقتها بثقله في المفاوضات التي كانت تقودها الأمم المتحدة بشأن تشكيل حكومة وحدة لتحل محل كل من حكومة السراج والسلطات الموازية في الشرق، حيث أوضح تعاونه باعتباره الورقة الرابحة لأي رئيس وزراء محتمل مدعوم من شرق ليبيا.

قدوم عبد الحميد الدبيبة، خلفًا لما سماه التقرير «عدوه السراج»، أصبح الكبير حليفًا للحكومة الوليدة، ومنذ ذلك الوقت انفتحت خزائن المركزي أمام حكومة الوحدة لتنفيذ برامجها التي شملت منح باهظة للمقبلين على الزواج. لكن الباحث يعتقد أن الصديق الكبير حافظ على الغموض تجاه الدبيبة ومنافسه فتحي باشاغا المعين من البرلمان.

وتحت ضغط الولايات المتحدة، بدأ الكبير نشر بيانات أكثر تفصيلاً عن الإنفاق الحكومي، مع استمرار غموض موقفه من الحكومتين المتنافستين، حيث ينقل الباحث عن أحد قادة المجموعات المسحلة قوله: «سيكون من يدعمه الكبير رئيس الوزراء».

ومع فشل باشاغا في دخول طرابلس، تحول الكبير إلى الدبيبة، على الرغم من عدم تخفيف قيود الحقيبة، واعتبره حمودة سيالة، عضو البرلمان الذي ابتعد عن السياسة منذ صعود الدبيبة: «إنه خبير في قراءة المشهد، وركوب الموجة للبقاء».

سر شخصية الكبير الغامضة

يشير كاتب تقرير مجلة «نيو لاينز» الأميركية إلى أن سلطة الكبير تجلت بشكل واضح في طلب عدد هائل ممن أجريت معهم المقابلات لهذا البحث، والتي شملت مصرفيون وبرلمانيون ومسؤولون حكوميون، عدم الكشف عن هويتهم.

بيد أن الباحث يرى أن وراء ظهور القوة المطلقة، تظهر صورة أكثر تعقيدًا، تسلط الضوء على استعداد الكبير لإجراء ترتيبات مع الخصوم السياسيين عند الحاجة، بالإضافة إلى أسلوب الحذر والمماطلة في طريقة عمله. ومن بين سماته أيضًا، فإن شخصيته الغامضة بشكل أساسي هي التي ربما تجسد سياسته

وينقل الباحث عن كبار الدبلوماسيين الأجانب الذين التقوا بالكبير بشكل منتظم أقروا بأنه ظل لغزا بالنسبة لهم، باعتباره ليس الحاجز النهائي ضد نهب الدولة الليبية، كما يؤكد هو نفسه، ولا الجاني الأكبر وراء أزمتها، كما يقول أعداؤه. ومع ذلك، فإن العديد من منتقديه، الذين اعترفوا بتقشفه، قبلوا على مضض ادعائه بأنه ساعد في إنقاذ ليبيا من الإفلاس والاعتماد على القروض الخارجية.

يقول «ولفرام لاخر» إن الغموض الذي يكتنف شخصية الصديق الكبير يعكس العديد من التناقضات في ليبيا ما بعد القذافي—التناقضات التي ساهم في تشكيلها: تمويل الدولة للفصائل المتنافسة التي تتنافس على سيطرتها، التحالفات المتغيرة باستمرار، التواطؤ بين الخصوم السياسيين المزعومين في إدامة أزمة البلاد؛ ويخلص إلى أن تسوية النزاعات في ليبيا هو الحدث الوحيد الكفيل بإنهاء فترة ولاية الكبير.

______________

مواد ذات علاقة