علي اللافي

حتى منتصف سنة 2021 كانت كل الدول العربية والافريقية تقريبا تخشى تداعيات ما يقع في ليبيا على بلدانها وخاصة على المستويين الأمني والاجتماعي، وإن بقيت تلك الخشية قائمة حتى نهاية سنة 2022 فان هناك ملامح في الاتجاه المعاكس.

ذلك أن المخاوف بدت من أن تؤثر تداعيات الأوضاع في الأردن ومصر وتونس والسودان والتشاد ومالي على نسف المكاسب المحققة عل الأرض من حيث قابلية هندسة خارطة طريق ليبية توافقية وجامعة يرجو الجميع أن تُؤدي الى مسار انتخابي خلال النصف الثاني من السنة الحالية.

مؤدى ذلك التقلب في جدلية التأثير والتأثر بين الساحة الليبية وساحات البلدان العربية والافريقية المجاورة لها، هو أن الأزمات السياسية والاجتماعية على غرار ما هو في مصر وتونس ونظيراتهما الأمنية والعسكرية والسياسية على غرار ما هو في السودان والتشاد أصبحت تداعياتها أكبر من حجم الأزمة الليبية.

فما هي حيثيات وتفاصيل الأزمات السياسية في دول الجوار الليبي؟

وما هي تداعياتها على الملف الليبي سياسيا وأمنيا؟

وكيف سيؤثر حل الملف الليبي في مربعاته الدنيا في ترتيب تلك الملفات والوصول بها الى مربعات التوافق والحلول والخروج الاولي من غرف الازمات الى مربعات وآفاق الحلول المستدامة؟

أـ مصر، كيف فرط نظام السيسي في بلورة حلول تمكّن من الحفاظ على دور متقدم للقاهرة في مربعات الملف الليبي؟

أولا، لا يمكن حل ملف ليبيا والمضي في تنزيل أي خارطة طريق دون تشريك القاهرة وذلك لأسباب تتعلق بالجغرافيا والتاريخ ومؤثرات العقود الماضية والدور العربي المحوري لمصر (بناء على مقولة “الإقليم القاعدة”).

وعمليا انعكست تطورات الأحداث في مصر بعد انقلاب 3 يوليو 2013 والأزمة الخليجية الأولى سنة 2014 على ما يجري في ليبيا ومن ثم تم بناء لبنات ثورة ليبية مضادة ومسنودة من عواصم المحور السعودي/المصري/الاماراتي وخاصة توظيف الأحداث التي جرت في قطر، بسبب الازمة بين قطر ودول الخليج في جولتها الأولى في أغسطس 2014 وما تلاها من تداعيات)، وتركيا بسبب تداعيات محاولة انقلاب 15 يوليو 2016.

كما ساهمت الأزمة الخليجية الثانية وما سمي يومها بحصار قطر والازمة الاقتصادية في تركيا وتراجع قيمة الليرة التركية، في قدرة المحور المصري المسنود من الرياض و أبوظبي و المنامة من تقديم الدعم لحفتر والذي استطاع السيطرة على كل شرق ليبيا، ليوظف لاحقا لازمة في الجزائر ويقدم على المضي في الذهاب للجنوب ثم الهجوم على العاصمة.

ولكن قبل ذلك ومنذ أغسطس 2018 بدأت التباينات بين أبوظبي و القاهرة بخصوص دور حفتر، وهل هو سياسي أو عسكري وسياسي؟ وليتفكك ذلك المحور الثلاثي لاحقا وتختلط الأمور على القاهرة وخاصة بعد فوز “بايدن” في نوفمبر 2020 في الانتخابات الرئاسية الأمريكية.

وتضطر مصر للتقارب مع أنقرة والدوحة وخاصة بعد المتغيرات الجيوسياسية في المنطقة (أفغانستانالساحل الافريقي) وتتغير المعطيات وخاصة بعد فوز الدبيبة والمنفي على عقيلة وباشاغا في جنيف ولتتلاحق الخطوات المصرية وسط تخبط منهجي في التعاطي مع الملفات وجزئيات العلاقة مع الأطراف الليبية.

وهكذا وجدت القاهرة نفسها منهكة في إدارة ملف لا هي تحكمت فيه ولا هي تستطيع أن تتجاهل التعاطي معه بشكل تام.

وأصبح هناك لقاءات تتلوها لقاءات والنتيجة ان ليس هناك أي نتائج أو تقدم ملموس حتى تدخلت الادارة الامريكية بنفسها ولتنسخ خطواتها خطوات القاهرة في أغلبها إضافة الى حدوث توازن إقليمي مثلته الجزائر والتي استطاعت مثلا رفض تمرير المقترح المصري اثناء القمة العربية الأخيرة.

ثانيا، لم تستطع القاهرة أن تفرض حكومة”بشاغا”الموازية على الأرض ولا أن تسحب الاعتراف الدولي من حكومة “الدبيبة” رغم كل خطواتها الدبلوماسية في ذلك الاطار أو حتى بعض خطواتها شبه الاستفزازية (انسحاب “شكري” اثناء ترأس المنقوش لإحدى جلسات الجامعة في القاهرة – غياب مصر عن اجتماع الجامعة العربية في طرابلس…).

واضافة الى كل ذلك بقيت أوراق مصر في ليبيا تترنح. فحفتر الشخص انتهى موضوعيا وها هو يحاول فرض نجله “صدام” مقابل انسحابه، كما أن رجل القاهرة الثاني “عقيلة صالح” لم يتمكن من تمرير أي أجندة على حساب المجلس الأعلى للدولة، ولا هو توصل الى توافق نهائي معه.

ومعلوم أنه حاول فرض مجلس رئاسي بديل، ولكن النتيجة أن مجلس المنفي انتقل الى مربع مبادرات مدعومة من واشنطن وأيضامن الجزائر، ومن ذلك المربع بدأت أزمات القاهرة الداخلية تؤثر على دورها في الملف، فالأزمة الاقتصادية والاجتماعية غير مسبوقة وها هو نظام “عبدالفتاح السيسي”يتخبط ويبحث عن حلول في كل الاتجاهات ( قمة ابوظبي الطارئة – زيارة السيسي للهند…).

واضافة لذلك لم يحقق الحوار المصري/المصري أي تقدمات في ظل بروز الحديث عن أجندات عدة لمصر ما بعد 2024، ومن ثم أصبح هناك تساؤل حول تأثير ما يجري في مصر اجتماعيا على ما يحدث في ليبيا وأصبحت الحلول في ليبيا بعيدة عن أعين القاهرة رغم أنها ستوضع في الصورة بناء على العوامل سالفة الذكر أعلاه .

ب ـ تونس، البلد الذي لم ولن يتم ترتيب ملف أزمته السياسية نهائيا الا بترتيب الحد الأدنى في ليبيا

أولا، ارتبط مستقبل الليبيين والتونسيين منذ عقود وكان لكل حدث في البلد الثاني استتباعاته وتداعياته في البلد الأول بل أن كل حاكم لا يقدر العلاقة مع البلد الثاني ويتجاهلها يجد نفسه بعد سنتين أو ثلاث خارج مربعات الحكم وهو ما انسحب على “الملك ادريس السنوسي” و”القذافي” في ليبيا وعلى الرئيسين “بورقيبة” والمخلوع “بن علي” أيضا.

ولقد روّجت نخب تونسية أن تونس متضررة من الأحداث في ليبيا لتقف على الصدمة أن ليبيا ورغم أزمتها هي أقدر اجتماعيا وسياسيا على حلحلة أزماتها بل وتسارع الى نجدة الجار التونسي.

وواضح أن المجتمع الدولي قد انتبه الى أنه لو تم حل الملف التونسي عبر الشارع فان ذلك قد يعيد الملف الليبي الى النقطة الصفر ( أي ما قبل فبراير 2020 تاريخ مؤتمر جنيف الذي اختار “الدبيبة” لقيادة حكومة الوحدة الوطنية وتكوين مجلس رئاسي ممثل للمناطق الثلاث…).

ومثلما أكدنا في مقالات وتقارير سابقة ومنذ سبتمبر 2021 أن وضعية انقلاب 25- 7 سترتبط بتطورات الوضع في الجارة ليبيا بناء على حقائق التكامل الاقتصادي والاجتماعي وبناء على عوامل كرسها التاريخ وثبتتها الجغرافيا.

ومن ثم فان أي قراءة موضوعية للملفين التونسي والليبي ستمكننا من الاستنتاج أنه لم ولن يتم ترتيب الملف التونسي الا عبر ترتيب الحد الأدنى للملف الليبي – وهي حقيقة قائمة وكل من سينكرها لن يفهم بما سيجري في ليبيا وكل المنطقة وسيضيع على نفسه فهم سيناريوهات تطور الأوضاع في تونس في أفق سنة 2024 (الموعد المفترض للرئاسيات القادمة).

ولعل ترتيب الملفات الأمنية لبعض الليبيين الذين وضعتهم حكومة المهدي جمعة سنة 2014 كممنوعين من دخول تونس وجلسات الحوار واللقاءات التشاورية منذ أشهر بين الحكومتين هي خطوات تثبت وتؤكد ما ذهبنا اليه وتؤكده المعطيات الاقتصادية والاجتماعية.

ذلك أن حوالي 700 ألف عامل تونسي يمكنهم العمل في الأراضي الليبية، إضافة الى أن شركات الخدمات والمصانع التونسية يمكن ايجاد أسواق لها في ليبيا وبطريقة ان تحل كل ازماتها.

ثانيا، لم تستوعب الحكومات التونسية وخاصة منذ 2014 وخاصة منذ 2017 الأهمية الاستراتيجية لليبيا رغم تأكيد الرئيس الأسبق “الباجي قائد السبسي” أن التونسيين والليبيين هم شعب واحد في بلدين ومذكرا الجميع أن مصالحنا هي مع حكومة “الغويل” (التصريح سنة 2016).

ومن ثم تم التفريط في مكسب اقتصادي لسنوات بسبب التجاذب الايديولوجي واصطفاف بعض النخب مع المحور المصري/السعودي/الاماراتي والدليل هو الهجمة التي استهدفت رئيس البرلمان عندما هنأ “السراج”في مايو 2020 بانتصارات قواته في مدن الساحل الغربي.

كما لم تحرك السلطة في تونس أي ساكن الا خلال الأشهر الماضية تجاه ليبيا وربما تكون المعادلة الإقليمية هي التي أجبرتها على ذلك (الموقف الجزائري تحديدا )، ومن ثم تعددت الخطوات والزيارات وخاصة من جانب الأعراف التونسيين.

وكانت خطوات المجتمع المدني بين سنتي 2018 و2021 قد تم ترذيلها إعلاميا واستهجانها وتوجيه الاتهامات للقائمين عليها (عدم حضور قوي لندوة جربة بين رجال الأعمال التونسيين والليبيين سنة 2020)، والثابت اليوم أن كل تطور في احد البلدين ستكون تداعياته دراماتيكية على البلد الثاني وهو ما وعته الدبلوماسية الجزائرية وكل الأطراف الإقليمية والدولية والتي تعاطت مع الملفين من تلك الزاوية تحديدا.

يتبع

***

علي اللافي – كاتب ومحلل سياسي مختص في الشؤون المغاربية والافريقية

____________

مواد ذات علاقة