علي اللافي

أكثر المتشائمين سابقا إزاء مهمة المبعوث الاممي السابع “عبدالله باتيلي” لم يكن يتوقع أن تتزايد الشكوك والتساؤلات بعد نحو شهرين فقط على تسلم منصبه، حيث تثار الاستفهامات اليوم في الشارع الليبي حول قدرة الرجل على دفع حل للأزمة التي تمر بها البلاد، وهل يمتلك خطة واتجاهاً يعمل فيه لاختراق جدار الأزمة المستعصي؟
عمل البعثة لم يتطور والنجاح نسبي في حلحلة الأزمة
أولا، ما قد يعزز التساؤلات سالفة الذكر أعلاه هو عدم التجاوب الفعلي لمختلف الاجسام مع دعوته التي كان قد وجهها في بداية ديسمبر الحالي للمجلس الرئاسي ومجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة، للدخول في حوار وتسريع جهودها لإيجاد حل للأزمة السياسية.
وكان “باتيلي” قد حث مجلسي النواب والدولة على اختيار مكان وموعد لعقد اجتماعهما، والخروج بمقترحات ملموسة وقابلة للتنفيذ، ومؤطرة زمنياً وبعد أيام على هذه الدعوة، لم تلق أي تجاوب من تلك المؤسسات، ما دعاه الى إعادة تنشيطها من خلال ترحيبه بدعوة شبيهة أطلقها المجلس الرئاسي في طرابلس ومعلوم أن دعوة المجلس الرئاسي التي أعلن عنها إلى مجلسي النواب والدولة للتشاور حول المسار الدستوري لـ”أولوية” فتح آفاق لحل الأزمة، لا تختلف عن دعوة باتيلي.
إلا أن الرئاسي نسب المبادرة لنفسه وجعل البعثة شريكاً في الحوار من خلال الإشراف عليه، على الرغم من أن الفارق الزمني بين دعوته ودعوة “باتيلي” لم يتجاوز الأربعة أيام، وما عزز فرضية وصول الدور الأممي إلى مستوى من الضعف وعدم القدرة على مجاراة تبدلات وتغيرات القادة الليبيين.
أن دعوته للانخراط في الحوار جاءت مقترنة مع إعلانه تعذر لقاء رئيسي مجلسي النواب عقيلة صالح والدولة خالد المشري، التي كان مقرراً عقدها في مدينة الزنتان، في يوم 4 ديسمبر الحالي والتي من الواضح أنها كانت ستجرى برعاية باتيلي، وبعد جهود بذلها بين الرجلين في القاهرة.
ثانيا، ربما ما شكك أكثر في قدرة المبعوث الأممي هو عدم القدرة على فرض مساعيه وخطواته على فرقاء الأزمة الليبية ومعلوم أنه عوض الاستجابة لطلباته تفجرت أزمة جديدة بين مجلسي النواب والدولة وصلت إلى حد تعليق التواصل بينهما، على خلفية رفض مجلس الدولة إصدار البرلمان قانوناً لإنشاء محكمة دستورية، وسط مخاوف سياسيين في غرب البلاد من مغبة إقحام السلطة القضائية في معترك السياسة، خصوصاً من الصمت المطبق من جانب البعثة الأممية حيال هذا التصعيد.
وقد جاءت القطيعة بين المجلسين بعد يوم واحد من ظهور ملمح انفراج، بعد تصويت مجلس الدولة يوم 5 ديسمبر الحالي على مناقشة الملفات الثلاثة العالقة بالتوازي (القاعدة الدستورية، والمناصب السيادية، وتوحيد السلطة التنفيذية)، الأمر الذي يتماهى مع طرح مجلس النواب، وهي خطوة من جانب مجلس الدولة خففت من حدة التوتر التي صاحبت تعذر لقاء صالح والمشري في مدينة الزنتان، برعاية أممية.
اما الوجه الآخر لضعف تعاطي البعثة الأممية فيتمثل أن إعلان باتيلي عن تعذّر إجراء اللقاء بين الرئيسين في الزنتان توازى فعليا مع تصريحات عبد الحميد الدبيبة (أي رئيس حكومة الوحدة الوطنية)حيث أعرب هذا الأخير عن رفضه تداول ملف السلطة التنفيذية من قبل المجلسين قبل إجراء الانتخابات، ما دفع بشكوك حول علاقة الحكومة بإفشال انعقاد اللقاء، وهو ما جعل المتابعين يطرحون أكثر من استفهام على غرار كيف ستتمكن البعثة من تفكيك الغام الملف الليبي على تعقيداته المعروفة؟ بل ومن أين ستبدأ تحديدا؟
ثالثا، يظهر أن من أولويات المبعوث الاممي السابع هو الملف الأمني فقد كانت أولى خطواته، إثر تسلمه لمهامه في طرابلس منتصف أكتوبر الماضي، تفعيل لقاءات اللجنة العسكرية المشتركة “5+5” ولقاء رئيسي الأركان (الفريق محمد الحداد –الفريق عبد الرزاق الناطوري) وأبرز تلك اللقاءات كانت الأربعاء 7 ديسمبر الحالي في تونس ضمن اجتماعات الفريق العامل المعني بالأمن المنبثق عن قمة برلين.
ومعلوم أن الرجل يركز في كل تصريحاته المعنية على الملف الأمني بل هو يشدد على ضرورة التركيز على المحافظة على وقف إطلاق النار وإعادة توحيد المؤسسات العسكرية، ونزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج، فضلاً عن انسحاب المرتزقة والمقاتلين الأجانب والقوات الأجنبية، وإنشاء قوة عسكرية مشتركة.
ووفقاً لتصريحاته عقب اجتماع تونس الأخير، أقر هو نفسه بعدم تحقيق تقدم ووصف الوضع الراهن بأنه “لم يعد مقبولاً”، وأن الليبيين “سئموا أساليب المماطلة التي يستخدمها بعض قادتهم”.
لكنه، في المقابل، لم يعلن عن الإطار العام لعمله، وخياراته، بين الاستمرار مع خريطة طريق جنيف التي رسمت ملامحها سلفه في قيادة البعثة الأممية، ستيفاني وليامز، أو البداية الصفرية من جديد، في مشهد حير الكثيرين (المتابعين والمراقبين) بين أن يكون هذا الخط مقاربة جديدة للبعثة في إدارتها للملف، أو أن يكون إقرارا ضمنيا منها بالعجز أمام الوضع الليبي المتأزم.
ومما لا شك فيه أن “باتيلي” يسعي لإيجاد حل للازمة السياسية القائمة في مربعي المسارين التنفيذي والدستوري إلا أنه لا يملك عمليا الأدوات للإنجاز والتقدم في تفكيك الألغام.
ورغم انه لا يختلف اثنان أن “باتيلي” أكثر وضوحاً من سابقيه في السعي الحثيث نحو حلحلة الأزمة إلا أن عدم امتلاكه “أدوات الضغط يجعل الأطراف الليبية، وخصوصاً المجالس الثلاثة لا تستجيب بشكل فعّال لدعواته إلى عقد اجتماع توضع فيه بنود لخريطة سياسية جديدة من شأنها أن تستأنف المسار السياسي من جديد، بعد أن سيطرت عليه حالة الجمود، وعاد لحالة الانقسام.
بل ان البعض يجزم أنه حتى لو استطاع جمع المجالس الثلاثة عبر الضغط الأممي على داعميهم الدوليين؛ فانه قد لا يستطيع فرض موعد محدد لإجراء الانتخابات، ما لم تتضافر الدول ذات النفوذ في الأمم المتحدة لتحقيق هذه الغاية، عبر التلويح بالعقوبات على الأطراف المعرقلة وهو أمر سبق للمبعوث الاممي الرابع غسان سلامة أن أكده سنة 2018
النافذة الافريقية غير كافية والمبعوث الاممي عليه أن يغير تكتيكاته
أولا، واقعيا قام اختيار “باتيلي” على مراهنة أطراف ليبية وإقليمية ودولية على النافذة الأفريقية ولكنها واقعيا مراهنة غير مجدية بشكل كامل، وربما يعود الأمر لافتقار الدول الأفريقية لوسائل الضغط والنفوذ الدولي، وانشغالها بمشاكلها الداخلية، ما يجعلها عاجزة عن تقديم أي مبادرة واقعية وناجعة.
ولعل أزمة سد النهضة وقضية الصحراء وغيرها من الملفات الافريقية لم تكن النافذة الافريقية مدخلا لحلها، ومع ذلك فأهمية “باتيلي” أنه يدرك تمام الادراك أن الملف الأمني “هو العقدة والحل في الوقت نفسه”.
ولهذا فهو يتجه إلى تقديمه على بقية الملفات، وهي “مقاربة واقعية” ذلك أن ملامسة مكمن الداء هو جزء من الحل وهو ربما ما سقط فيه سابقيه حيث ذهبوا للمربع السياسي في وقت كانت المسالة الأمنية ولا تزال هي أهم مربعات الملف الليبي وتعقيداته، وبقراءات أخرى يرى آخرون انه لا اختلاف بين باتيلي وسابقيه في التعاطي مع الأزمة الليبية.
فهو لم يقدّم جديداً، ويسير على خطى ستيفاني وليامز، بادعاء اهتمامه بالشق الأمني واللجنة العسكرية المشتركة، والسؤال هنا هل ذلك مجرد تمويه عن العجز في إيجاد حل؟
ومعلوم أن كثير من الأحزاب والفاعلين في ليبيا يروا أن البعثة لم تقم بدورها بل أن البعض هم على قناعة تامة بأن البعثة تتعمد بقاء الحال على ما هو عليه، وليست راغبة في تقديم مساعدة حقيقية لإنهاء الأزمة.
ثانيا، ربما يكون خطأ “باتيلي” الأكبر انه اعتقد أنه جاء لحل خلاف اجتماعي لا سياسي وصل إلى حد النزاع المسلح والا كيف يبدأ عمله بلقاءات مع مسببي الأزمة واعتبارهم القوى الفاعلة وأيضا رئيسية وانهم يمكن ان يتوافقوا وهو أيضا لم يلتق القوى الوطنية التي قد تمثل الشعب الليبي كالأحزاب ومؤسسات المجتمع المدني والنخب الوطنية وتحديدا أصحاب المبادرات.
لقد سار على نهج غسان سلامة وستيفاني وليامز، وهو لم يقدم الدليل حتى اليوم أنه يملك رؤية واضحة للوضع في ليبيا، وبالتالي فلن يقترب من الحل الا إذا امتلك تلك الرؤية، وهو يعلم قبل غيره أن المشكل أن أولئك الفرقاء يجدون صعوبات في إلزام أنفسهم باتفاقات توافقوا عليها وتحديدا في مؤتمرات دولية.
والسؤال المهم اليوم كيف سيتصرف المبعوث الأممي مع المجالس الثلاثة لو رفضت المضي في حلحلة الوضع والدفع باتجاه العملية الانتخابية، خاصة وأن ما يجمع ثلاثتها موضوعيا هما شيئان: الاستمرار في السلطة، ومنع التوجه للصناديق.
ومن ثم فعلى المبعوث الاممي أن يغير سياسة البعثة بتغير الخلفية التي انطلق منها باتيلي، وسط أمله في أن يتجه إلى تغيير سياستها من “إدارة الصراع” إلى “حل الصراع”.
وعليه أن يبين خلال قادم الأسابيع أنه لا يسير على نفس خطى سابقيه، وذلك من خلال عدم المضي في تدوير الأزمة وعلى الاعتماد في حلها على من كانوا سبباً في اشتعالها منذ البداية، ذلك أنها معادلة خاطئة.
إن مشكلة الانسداد السياسي في ليبيا تكمن في التشبث غير المحدود من المجلسين بالسلطة وهما الذين انتهت ولايتهما بحكم القانون، وبحكم التذمر الشعبي الذي أعلن عن رفضهما كمجلسين في الاحتجاجات الأخيرة
الخلاصة أن المبعوث السابع اليوم وبعد شهرين من مباشرته لمهامه سيجد نسفه في مازق حقيقي فإما أن يغير طريقة وآليات عمله واستراتيجية البعثة ولعل ذلك حاصل فعلا في تخطيطه حيث يقال إنه قد يجمع 15 عضواً من كلا من المجلسين بالمناصفة، ومثلهم من المستقلين.
ولكن عليه عندئذ ألا يقع في نفس مطب وليامز والتي رغم انها خطت وخططت وخاطت ولكن خياطتها لم تكن متلائمة مع الفاعلين الليبيين وطبيعة الازمة القائمة بينهم.
ومن هنا عليه أن يفكر أيضا في اختيار لجنة من الأحزاب السياسية تُشكل في الاخير حكومة تكنوقراط مصغرة لمدة 6 أشهر، تهيئ للانتخابات، وتجري استفتاء حول شكل الدولة الذي لم يحدد حتى الآن وهذا الحل هو ما يسميه البعض بالخيار الثالث.
ومعلوم أن الأحزاب السياسية الليبية وبحثا منها على تفعيل دورها في خضم الأحداث الحالية، فقد بعثت برسالة إلى الأمين العام للأمم المتحدة “أنطونيو غوتيريس” بالخصوص، للفت نظره لما يجري، وتنبيهه الى أن الحل يبدأ من إزالة الشعور العام لدى الليبيين بأن البعثة “هي أحد أسباب المصائب المتلاحقة”، محذرة من أن البديل عن ذلك، والخيار الأخير، قد يكون في “دعوة الناس إلى حصار البعثة وطردها من ليبيا”
***
علي اللافي – كاتب ومحلل سياسي مختص في الشؤون المغاربية والافريقية
__________
![]()