جليل حرشاوي

2.6 التدخل الأجنبي المستمر ، 2017-2021
مأساة إخفاقات الانتخابات الليبية في ديسمبر 2021 لم يتم تأليفها بأيدي السكان الأصليين وحدهم. بل شكلت تدخلات الأطراف الأجنبية المختلفة النتيجة النهائية أيضًا. وكان الأكثر تأثيراً من بين أولئك الذين يتدخلون في الشؤون الليبية خلال الأشهر والسنوات الحاسمة التي سبقت الانتخابات المخطط لها أربع دول: مصر و فرنسا و الإمارات و روسيا.
مصر وفرنسا والإمارات تدخلت منذ وقت مبكر ، وبذلك أدرك خليفة حفتر وهؤلاء الداعمون الرئيسيون فائدة توظيف لغة الديمقراطية والتي يمكن أن تمكن لمحاولة للحصول على السلطة. وفي وقت مبكر من عام 2017 ، شوهد حفتر القائد الميداني وهو يحاول السيطرة على المشاعر المؤيدة للانتخابات لأغراضه الخاصة. ثم في السنوات اللاحقة، ركز معسكر حفتر بشكل خاص على الانتخابات الرئاسية، على الرغم من أن سلطات الرئيس لم يتم تحديدها دستوريًا بعد.
كما عمل المتمرد حفتر وأنصاره على محاولة تسريع الجدول الزمني للانتخابات. وقد فعلوا ذلك ليس لأنهم رغبوا في عودة الديمقراطية بسرعة أكبر، ولكن لأنهم كانوا يعلمون أن رسائلهم الخطابية ستعمل على قمع أو تحويل مبادرات الوساطة التي تقودها الأمم المتحدة – وهي مبادرات يخشون ألا تعود بالنفع على المشير المتمرد – بينما تساعد في ذلك حفتر لكي يقدم نفسه على أنه البطل الحقيقي للشعب الليبي.
لعبت مصر وفرنسا – جنبًا إلى جنب مع الإمارات، في بعض المناسبات – أدوارًا حاسمة في هذه الحيل طوال الوقت. فخلال العامين اللذين سبقا عدوان حفتر على طرابلس، عملت القوى الثلاث على تقويض جهود الأمم المتحدة من خلال إطلاق حوارات سياسية مستقلة تحت إشرافها. لقد استفادوا من هذه المناقشات الجانبية لدفع بروايتهم” وهي الاندفاع نحو الانتخابات الرئاسية“.
في مايو 2017 ، شهد لقاء مدبر في أبو ظبي تعهد كل من حفتر ومنافسه في طرابلس السراج شفهيًا بإجراء انتخابات رئاسية في غضون أشهر. وفي وقت لاحق في سياق تلك المبادرة الدبلوماسية، طالب حفتر بتعديل الاتفاق السياسي الليبي لضمان إجراء الانتخابات الرئاسية في أوائل عام 2018. وسرعان ما ألقت مصر وفرنسا بثقلهما، وبالتنسيق مع أبو ظبي، وراء مسعى دبلوماسيًا لانتخابات عامة مبكرة. ووجب أن تقترن تلك الحملة الخطابية بحقيقة أن أبو ظبي وفرنسا ومصر دعموا الحملة العسكرية المستمرة لحفتر في بنغازي ودرنة شرقا، وفي مدن أخرى جنوب، وابتداءً من أبريل 2019، في طرابلس العاصمة.
إلى جانب التدمير العشوائي وتهجير السكان، كان التأثير الفوري لعدوان أبريل 2019 هو إلغاء مؤتمر غدامس التابع للأمم المتحدة، حيث كان من المأمول التوصل إلى صيغة نهائية للعملية الانتخابية. وعلى الرغم من أنه كان بالتأكيد أداة أكثر فظاظة من التدخلات الدبلوماسية في العامين الماضيين، إلا أن الدعم المقدم لهجوم حفتر على طرابلس من قبل رعاته الأجانب اتبع منطقًا متطابقًا في النهاية وهو: إحباط نهج الأمم المتحدة متعدد الأطراف والشامل، على أمل أن يسمح ذلك لسلطوية صديقة لمصالح هؤلاء الرعاة الأجانب للاستيلاء على السلطة في البلاد. هذه الحقيقة لم تغب عن كبار مسؤولي الأمم المتحدة.
تكهن أحدهم، بقوله: “أعتقد أن السبب وراء إصرار وإلحاح مصر وفرنسا على إجراء انتخابات رئاسية هو ببساطة لأنهما دفعا بما لديهما بالفعل إلى حفتر. وربما اعتقدوا أن الانتخابات الرئاسية ستجله يفوز على الصعيد الوطني“. فسّرت جهة أخرى في الأمم المتحدة ذلك التدخل، واعتبرت كل محادثاتهم حول الانتخابات المبكرة بمثابة حيلة متعمدة لمنع أي انتخابات: “في عام 2018، أوضح المصريون أنهم لا يدعمون الانتخابات في ليبيا“. ويبدو أن التصويت الحر والنزيه في الجوار الليبي يحمل قدرًا غير مقبول من عدم اليقين بالنسبة للنظام المصري.
لخص مسؤول كبير سابق في الأمم المتحدة الأمر كالتالي: “كانت المشكلة الحقيقية – ولا تزال – هي أن الدول الأكثر تدخلا في ليبيا لن تسهّل الانتخابات ما لم تعرف مقدمًا من سيفوز بها“. وفيما يتعلق بسياسة باريس لمساعدة الحكومات العربية المحافظة التي تتدخل في ليبيا، سلّط أحد المحاورين الضوء على الانقسامات حول الانتخابات داخل الدولة الفرنسية. كانت وزارتا الخارجية والدفاع الفرنسية تدعمان بصدق نهج الأمم المتحدة التدريجي، لكن الحلقة الأمنية في قصر الإليزيه، عند تولي إيمانويل ماكرون، طورت وجهة نظر مختلفة.
كان بول سولير حاسمًا في هذه الأمور، وهو بالتأكيد الصوت الأكثر تأثيرًا في دوائر ماكرون عندما يتعلق الأمر بليبيا. كان سولير مؤيدًا ثابتًا لحفتر، وقد لعب دور الرجل البارز في السياسة الفرنسية بشأن ليبيا، وفي هذا السياق، استفاد من علاقة البلاد الوثيقة مع الإمارات ومصر، ودائمًا كان يهمّش السلك الدبلوماسي الفرنسي في هذه العملية. إذا لم يخدعوا أحداً بشأن نواياهم الحقيقية، فإن داعمو حفتر من غير الليبيين استمروا في نفس التكتيكات بمجرد أن جددت الأمم المتحدة جهود الوساطة في أعقاب هزيمة حفتر في طرابلس. كان هذا واضحًا في قمة برلين في يناير 2020.
وكما يروي مسؤول في الأمم المتحدة، كان هناك إجماع في ذلك الوقت على أنه “يجب متابعة الانتخابات بمعناها الواسع كجزء من عملية السلام التابعة للأمم المتحدة. لكن المشاركين الذين خرجوا عن طريقهم للإصرار بشدة على ضرورة إجراء انتخابات رئاسية – بالإضافة إلى الانتخابات البرلمانية – هم المصريون والفرنسيون “. وكما في الماضي، عكس هذا الإصرار رغبة في زيادة احتمالية وصول حفتر أو أحد حلفائه إلى الرئاسة قبل أن تتبنى ليبيا دستورًا دائمًا. وذلك فقد جعل الأمور أكثر صعوبة لأولئك الراغبين بالسلام والديمقراطية في ليبيا.
يجدر تسليط الضوء على أحد الإجراءات الفرنسية الأخيرة على وجه الخصوص فيما يتعلق بفشل حفتر وهو احتضانهم الفوري والكامل لقوانين عقيلة صالح الانتخابية. ففي 11 سبتمبر، منحت حكومة ماكرون دعمها العلني لخطوة رئيس مجلس النواب أحادية الجانب . وبمجرد أن تدخلت فرنسا – وهي ديمقراطية غربية مرموقة ولها مقعد دائم في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة – دون تحفظ لمنح مباركتها لتشريع عقيلة صالح، أصبحت جميع القوى الغربية الأخرى أقل احتمالية للضغط على رئيس مجلس النواب لإجراء تعديلات مطلوبة بشدة.
هذا هو السبب في أن القليل منهم فوجئوا بتهاون إدارة بايدن المتراخي بشأن نفس القضية خلال سبتمبر 2021. في الوقت الذي كان فيه الجدل المرتبط بقانون عقيلة صالح الصادر في 8 سبتمبر يمزق الليبيين، فإن تأييد هاتين الدولتين الأجنبيتين دفع ليبيا أبعد ما تكون عن المصالحة الذي تحتاجها، وتضعها على مسار لا عودة منه.
من نواحٍ عديدة، ساعدت باريس وواشنطن في تحديد مصير انتخابات 2021. وغني عن القول، في خلال ذلك الشهر المحوري، سبتمبر 2021 ، أشاد رئيس الدبلوماسية المصرية بقانون عقيلة صالح، مما جعل من الصعب على أي دولة أخرى طلب أي تعديلات. ولعبت روسيا، بالطبع، أيضًا دورًا في الإجراءات. فمنذ عام 2017، وبشكل مستقل عن شراكتها الوثيقة مع حفتر، كرّست موسكو بهدوء جزءًا من نفوذها المتنامي في ليبيا لتعزيز جاذبية العودة إلى حقبة ما قبل 2011.
قال نائب الممثل الروسي لدى الأمم المتحدة دميتري بوليانسكي بعد شهر من الانتخابات الفاشلة في ديسمبر 2021: “ما هو حاسم [فيما يتعلق بالانتخابات الليبية] هو ضمان مشاركة ممثلي جميع القوى السياسية الرئيسية في الانتخابات“. وبالمثل، في الأشهر السابقة، أصر المسؤولون الروس على الطابع “الشامل” للانتخابات. وتشير “الشمولية” هنا دائمًا إلى ترشيح سيف وخضر آخرين. على الرغم من أن هذه التيارات تقدم العديد من نقاط الضعف كقوة سياسية قابلة للحياة، إلا أن روسيا تعمل بسخرية على بناء صورة سيف والقذافي بشكل عام.
في روسيا لا يتم اتباع هذه السياسة انطلاقا من الاعتقاد بأن الخضر يمكن أن يحكموا ليبيا بالفعل. بدلاً من ذلك، تلك السياسة الروسية مصممة بشكل أساسي لتشويه سمعة العملية الانتخابية الأوسع من خلال إقحام محرّض لا مثيل له فيها. وأحد الدوافع المهمة وراء حسابات موسكو هو الرغبة في تشويه صورة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط وأفريقيا، بما في ذلك على المستوى الأيديولوجي. وفي هذا الصدد ، فإن الدعم الروسي المتواضع نسبيًا للقذافي في السياسة الليبية يولد دائمًا مكافآت كبيرة.
وبنفس الطريقة، فإن التصويت الناجح سيشكل انتصارًا للدبلوماسية الأمريكية، فإن عدم الارتياح لتلك الحالة التي شوهدت في أواخر عام 2021 ، هو بشرى سارة لروسيا، التي لا تحافظ فقط على وجود عسكري في ليبيا ولكنها أيضًا تنظر لليبيا بأنها مصدر للمشاكل لتطلعات واشنطن الليبرالية الديمقراطية في المنطقة.
وبالتالي، من المرجح أن يستمر الاستغلال الروسي لمشكلة القذافي – لا سيما مع العلم أن السياسة تقدم فائدة إضافية تتمثل في مساعدة موسكو على إبقاء حفتر ، شريكها الآخر في ليبيا، تحت السيطرة. ويأخذ المشير في الاعتبار أي احتمال يكتسب فيه أنصار القذافي أكبر كقوة مستقلة، يمثل وتهديدًا وجوديًا له.
…
يتبع
***
جليل حرشاوي ـ باحث سياسي متخصص في شمال إفريقيا، مع التركيز بشكل خاص على ليبيا. عمل في نفس الموضوعات سابقًا مع المبادرة العالمية لمكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود الوطنية، وهي منظمة غير حكومية مقرها جنيف. ركزت أبحاثه على ليبيا المشهد الأمني والاقتصاد السياسي. وهو معلق متكرر على ليبيا والجزائر في الصحافة الدولية، وقد نشر في مجلة فورين أفيرز، ولوفير، وبوليتيك إيترانجير، وفورين بولسي، ومسح الأسلحة الصغيرة. يحمل جليل درجة الماجستير في الجغرافيا السياسية من جامعة باريس 8.
____________
