فؤاد أمير شفقتلي
يبدو أن ليبيا تنزلق مجددًا نحو مأزق سياسي واقتصادي نتيجة لجملة من الأسباب من بينها تأجيل الانتخابات التي كانت مقررة العام الماضي، وما تلا ذلك من تشكيل لحكومة بقيادة فتحي باشاغا بمبادرة من البرلمان في طبرق، ومحاولات اللواء المتقاعد خليفة حفتر الوصول إلى السلطة.
إن الأحداث التي تشهدها ليبيا منذ تشكيل حكومة الاستقرار الوطني حتى يومنا هذا، تمثّل تجاهلًا لكافة جهود المصالحة والمطالب الانتخابية للشعب الليبي والصراع بين الأحزاب المتنافسة.
حاولت المليشيات الفاعلة في الصراع الليبي التواصل مع مؤسسات الدولة، والتي يعتبر دورها حاسما وإستراتيجيا في تقييم البيئة التنافسية في البلد، ورأت في ذلك فرصة سانحة لتعزيز مصالحها الخاصة.
لم تكن اجتماعات القاهرة وجنيف حاسمة، والتي كانت تسعى لتشكيل الأساس الدستوري للانتخابات بين الهيئتين التشريعيتين في البلاد (مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة).
وفي غربي البلاد، أدت الصراعات الساخنة بين المليشيات المتناحرة والجماعات المسلحة التي تدعم وقف حفتر لإنتاج وتصدير النفط في البلاد، إلى ظهور تعليقات تقول إن بيئة السلام والاستقرار التي كانت مأمولة في ليبيا قد تضررت. كما أدى قرار اتخذه رئيس الوزراء عبد الحميد الدبيبة إلى التشكيك في التوازنات والتحالفات المعتادة في البلاد.
تغيير إداري واستئناف إنتاج النفط
في خضم التوتر السياسي الذي تشهده ليبيا، تمت إقالة رئيس المؤسسة الوطنية للنفط مصطفى صنع الله بموجب مرسوم أصدره رئيس الوزراء عبد الحميد الدبيبة يوم 12 يوليو/تموز 2022، وتعيين فرحات بن قدارة محله.
فرحات بن قدارة، الذي تم تعيينه، كان مديرا سابقا في “المصرف“، الذي يتخذ من الإمارات العربية المتحدة مقرا له، وقد برز على الساحة مؤخرًا بصفته شخصية مقربة من حفتر، ناهيك عن أنه عمل مستشارا اقتصاديًا لحفتر لفترة من الوقت.
برز دور بن قدارة عندما أعلن الدبيبة رفضه تسليم المنصب لحكومة باشاغا، وعندها استغل التحالف بقيادة رئيس مجلس النواب عقيلة صالح وحفتر إنتاج النفط وصادراته من أجل الضغط على حكومة الدبيبة وتقويض أهم مصادرها للدخل. وهي خطوة تهدف إلى التشكيك في شرعية حكومة الدبيبة بالنظر إلى التحديات التي تواجهها في توفير الخدمات الأساسية وتمويل الجماعات المؤثرة في حماية العاصمة طرابلس.
هل تجبر الأزمات الفرقاء على تقاسم السلطة؟
على الرغم مما سبق، فإن الأزمة الاقتصادية وتكلفة المعيشة وكذلك الانقطاع المتزايد للتيار الكهربائي في شتى أنحاء البلاد بعد الحصار، كلها عوامل أدت إلى اندلاع احتجاجات شعبية لا تستهدف فقط حكومة الوحدة الوطنية الشرعية، وإنما أيضًا البرلمان بقيادة عقيلة صالح، على أساس أنه عطل العملية الانتخابية والمفاوضات الدستورية، وفق المقال.
كما أن الاحتجاجات العنيفة التي تشهدها ليبيا ضد البرلمان بالتوازي مع الأزمات الأخرى التي تشهدها البلاد، قد تقود الأطراف الرئيسية في المشهد السياسي الليبي للسعي إلى تقاسم السلطة من جديد.
يرى خبراء محليين وغربيين أن تعيين بن قدارة جاء نتيجة لاتفاق سري “صفقة” بين الدبيبة وحفتر. ويقول مؤيدو هذا الرأي إن رئيس الوزراء الدبيبة، الذي تراجع تأثيره على الجيش والعناصر في الغرب نسبيًا، يحاول كسب الوقت قبل الانتخابات من خلال القضاء على التهديدات المحتملة من قبل جهاز الأمن البيروقراطي المنقسم. أما حفتر فيسعى لأخذ حصة من عائدات النفط لصالح قواته في الشرق.
أن ما حدث قد تكون عواقبه وخيمة للغاية، إذ يفتح لحفتر – الذي ارتكب العديد من انتهاكات حقوق الإنسان وجرائم الحرب– بابا من النفوذ داخل المؤسسة الوطنية للنفط التي تحتل موقعًا رئيسيا في مراقبة وإدارة الموارد الليبية.
كما أن عملية المصالحة الوطنية التي دخلت حيز التنفيذ في فبراير/شباط من العام الماضي، إلى جانب الدعم الذي تتلقاه حكومة الدبيبة من المجتمع الدولي وتوحيد المؤسسات السياسية في البلاد، مهدت الطريق لبدائل عسكرية، وبالتالي الدخول في مواجهة مع خليفة حفتر.
خلال هذه الفترة، حاولت الدول المعروفة بدعمها لحفتر مثل فرنسا ومصر وخاصة الإمارات العربية المتحدة، خلق توازن في حكومة الوحدة الوطنية من خلال زيادة مناوراتها الدبلوماسية بالتوازي مع تراجع النفوذ السياسي والعسكري لحفتر في البلاد.
ويمكن قراءة فشل الانتخابات والخطوة التي اتخذها باشاغا والحصار النفطي الدولي الأخير على أنها محاولات من حفتر لتذكير الأطراف المحلية والدول المتورطة في الأزمة الليبية بوجوده.
ومن المؤكد أن عودة حفتر بصفته طرفا فاعلا وحاسما في ليبيا تعتبر تطورا من شأنه إعاقة التحركات الحاسمة لضمان الوحدة الوطنية ووضع حد للمخاوف الأمنية على غرار توحيد المليشيات وتشكيل جيش ليبي موحد.
اللجنة العسكرية المشتركة ومبادرات التطبيع
تعتبر اجتماعات اللجنة العسكرية المشتركة “5+5” المنعقدة بين رئيس الأركان العامة للجيش الليبي محمد الحداد وما يسمى برئيس أركان القوات المسلحة في شرق البلاد، عبد الرازق الناظوري يوم 19 يوليو/تموز الجاري بطرابلس بعد رفع الحظر النفطي، تعتبر إشارة إلى التقارب بين الطرفين.
وقد ورد في البيان الصحفي الذي صدر عقب الاجتماع أنه تم التوصل إلى توافق تحت عناوين فرعية أخرى مثل تشكيل لجنة لمتابعة المعتقلين والمفقودين، ووضع الخطط والبرامج الخاصة بعودة النازحين إلى منازلهم. من ناحية أخرى، زعمت وسائل إعلام محلية أنه مقابل تعيين الناظوري وزيرًا للدفاع، سيعترف حفتر بإنشاء جيش موحد رئيس أركانه محمد الحداد.
الا أن تنامي نفوذ حفتر في المعادلة الأمنية الليبية قد يقوض التعاون بين تركيا وليبيا في شتى المجالات الأمنية والسياسية والاقتصادية. وإن هذا الوضع قد يقود للتشكيك في جدوى وجود القوات العسكرية التركية المتمركزة في ليبيا بموجب اتفاقات ثنائية مع الحكومة الشرعية، والتي تعمل في مجالي الاستشارات الفنية والتدريب، فضلا عن تعريض المصالح الوطنية التركية للخطر في شرق البحر الأبيض المتوسط.
والخلاصة أن التوازن المطلوب بين الدبيبة وحفتر من شأنه تعميق الهشاشة الأمنية والفوضى في البلد بدلاً من التوصل إلى حلول دائمة، نظرا للظروف المحلية والحقائق على أرض الواقع. ومن المتوقع أن يتم إلغاء الحصار المفروض على النفط الليبي والتطورات في اللجنة العسكرية المشتركة “5+5” تأثير إيجابي على المدى القصير، لكن تلك الحلول تنطوي على مخاطر على المدى البعيد.
***
فؤاد أمير شفقتلي، كاتب صحفي ومحلل سياسي
______________
مركز الدراسات الاستراتيجية للشرق الأوسط
