د. الفيتوري صالح السطي و د. محمد هدية درياق

المجتمع الليبي لم ينس تجاربه السابقة من الاستحقاقات الانتخابية، وهي انتخابات المؤتمر الوطني العام، وانتخابات مجلس النواب، وانتخابات هيئة صياغة مشروع الدستور، ولم ينس كذلك الانتكاسات التي حدثت بعد كل مرحلة، مما دفع بالعديد للنظر إلى الانتخابات القادمة بنظرة الأمل والتفاؤل… ولكن!.

الجزء الثالث

ثانيا: انتخابات مجلس النواب (2014)

جاء انتخاب مجلس النواب الليبي نتيجة مقترحات تقدمت بها لجنة قانونية عرفت بـ (لجنة فبراير) إلى المؤتمر الوطني العام الذي انتهت ولايته الدستورية من دون تحقيق النتائج التي كان من المفترض به تحقيقها، حيث تركزت نتائج اللجنة على هدفين أساسيين للمرحلة الانتقالية الثالثة، وهي انتخاب مجلس نواب ورئيس للدولة بطريقة الاقتراع المباشر من الشعب، غير أن المؤتمر الوطني العام وافق على مقترحات بخصوص انتخاب مجلس النواب ورفض الثانية.

يتكون مجلس النواب من 200 نائب، وعقدت الجلسة الافتتاحية لمجلس النواب في مدينة طبرق يوم 4 أغسطس 2014، حيث تسلم مهامه من النائب الأول لرئيس المؤتمر الوطني العام المنتهية ولايته عزالدين العوامي إلى أكبر نائب في مجلس النواب المنتخب وهو عمر أبوبكر بعيرة بحضور أغلبية أعضائه ومنظمات دولية وإقليمية منها بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا وجامعة الدول العربية، والاتحادين الأفريقي والأوروبي.

وفي الجلسة الثانية للمجلس تم انتخاب المستشار عقيلة صالح عيسى برئاسة المجلسن وتقابلت الكتل القوية مرة أخرى في انتخابات البرلمان وأصبح المسار السياسي أكثر تعقيدا حين أصدرت المحكمة الدستورية العليا قرارا قضى ببطلان الانتخابات البرلمانية، وهو ما قوبل بالرفض من التيار الليبرالي الذي اعتبر أن المجلس يحظي باعتراف دولي وشرعية قانونية.

من جانب آخر انحاز حزب العدالة والبناء لقرار المحكمة لأنه جاء في صالحه حين أعلن المؤتمر الوطني تمديد ولايته في فبراير 2014، والذي قوبل بخروج مظاهرات في ث رافضة لهذا القرار الذي لاقى أيضا المعارضة من عدة قوى أهمها القوى العسكرية التابعة لخليفة حفتر، الذي أعلن عن تجميد عمل الحكومة والمؤتمر الوطني وببطلان وجودهما. وانتقل إلى بنغازي وبذلك أصبح الشرق الليبي قاعدة عسكرية، بينما الغرب تحت سيطرة تكتل (ثوار فبراير)، وبذلك بدأ الانقسام على الأرض بدلا مما كان في جلسات المجلس فقط.

أما على المستوى السياسي، فقد انقسمت ليبيا فعليا عقب قرار المحكمة الدستورية ببطلان الانتخابات البرلمانية، فمجلس النواب الذي رفض القرار جدد الثقة في حكومة عبدالله الثني، بينما شكل المؤتمر الوطني حكومة جديدةن وبذلك انقسمت ليبيا فعليا إلى ما يشبه الدولتين، فتدخلت الأمم المتحدة للتوسط بين جميع الأطراف، وبعد مفاوضات سرية استمرت نحو 20 شهر، تم توقيع اتفاق الصخيرات للتسوية السياسية بين كل الأطراف في ديسمبر 2015، غير أنه فشل استمر الانقسام، ورغم الاتفاق على حكومة موحدة، ومن بين أسباب الانقسام:

1ـ غياب النخبة:

يرجع معظم الباحثين السبب الرئيسي لعدم تدارك الانقسامات التي حدثت في المجتمع إلى أن الخبرة السياسية والتي تراكمت لدى النخب السياسية في العقود الماضية، لم تبنى على أساس مؤسسي سليم. ويعود ذلك إلى حداثة العملية السياسية بصورتها الحالية، وحداثة التنظيمات المجتمعية وعدم الاستقرار وغياب منظمات المجتمع المدني والأحزاب السياسية. مما يعكس عدم الانسجام بين النخب المتصارعة على السلطة اليوم، وما نجم عن ذلك من عوائق تهدد مسار الانتقال الديمقراطي في ليبيا.

إن قلة مؤسسات المجتمع المدني الفاعلة يعرقل إنتاج النخب السياسية القادرة على التأثير في نقل المجتمع من حالة الانقسام إلى الاستقرار، وكذلك طبيعة المجتمع الليبي الاجتماعية والدينية والسياسية، وطبيعة التفاعلات السياسية خلال الحقبة السابقة بعد فبراير 2011 أثرت في إبراز النخب الجيدة.

وعليه فقد أفرزت هذه المرحلة نخب جديدة، تتصدر اليوم المشهد السياسي الليبي توزعت بين نخب أيدولوجية وجهوية وقبلية بين تيارات مختلفة معتدلة ومتطرفة. وبين من يرفض التغيير ومن يؤيده، وهي كلها إفرازات كانت حتمية لحالة التصحر التي مرت بها المجتمعات في ليبيا ما بعد الاستقلال، حيث منعت النخب السياسية من تشكيل أو تكوين أحزاب سياسية تؤطر إلى بناء ثقافة الديمقراطية والمشاركة السياسية وتعمل على ترسيخ الممارسة السياسية داخل المجتمع.

كذلك ما حدث في أول انتخابات المؤتمر الوطني العام وما أفرزه من صراعات حزبية في غياب قانون يحكم الأحزاب والإقصاء والعزل للنخب والتي عملت في مؤسسات الدول والتي تعتبر نخب أكثر دراية بالمؤسسات والمجتمع.

ومن اهم تحديات التحول الديمقراطي في ليبيا طبيعة عمل الأنظمة السياسية السابقة، والتي ركزت على جوانب الأمن والاستقرار دون الساهمة في تطوير الجوانب المؤسساتية، كونها تطلق شعارات تنفر الشعب من الجانب الديمقراطي بحجة المؤامرة، وبذلك تراجعت الوظيفة السياسية مقابل التوسع في الوظائف الأمنية، وثانيهما حداثة العملية السياسية.

إن الحداثة في المجتمع الليبي لم تتحقق بعد. وإن الوصول إلى الحداثة أمر أساسي للديمقراطية. غير أن هذا الهدف تقف في طريقة جملة من المعوقات أهمها خصائص الثقافة السائدة، لما لها من قوة حاسمة في تحديد التعامل بين مكونات المجتمع الليبي في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية. وكيف يبني المجتمع رؤيته، وكيف تتحدد مواقفه واتجاهاته، والتي يصفها البعض (بالمراوحة في المكان) ويرجعها لمجموعة من الأسباب منها سيطرة ثقافة البداوة على المجتمع، بما في ذلك المدن، والقبيلة كمحدد جوهري للانتماء نجح في الالتفاف حول المشروع المجتمعي الحداثي، إضافة إلى (الشخصنة)، أي المزاوجة بين القضية والموقف الشخصي، بمعنى الاعتماد على المزاج الفردي، وانتج ذلك ما شاهدناه من انقسام حاد بين كافة مكونات النخبة السياسية والمتمثلة في الأعضاء المنتخبين سابقا في المؤتمر الوطني ومجلس النواب وإفرازاتها من القيادات الوزارية.

لذلك ما زالت تعيش النخب السياسية في ليبيا حالة من التخبط والانقسام والتصادم وعدم الاتفاق والتغير في المواقف السياسية حسب المصلحة الشخصية، ويرجع ذلك لعدد من العوامل أهمها التراكمات الثقافية التي تكونت لديهم من توجهات قبلية وأيديولوجية وجهوية ومناطقية، وحتى لو توافرت لدى البعض القيم الديمقراطية غير أنها لم تتحرر من تلك الثقافات.

استخدمت تلك النخب العنف لفرض الرؤى بالقوة منها قانون العزل السياسي وما ترتبت عليه من تداعيات سياسية ووصول غير المختصين ممن تنقصهم الخبرة والكفاءة وأصحاب السوابق والذين تشوبهم الشبهات لقيادة البلاد، وما حكمت به المحكمة الدستورية وما يحوم حوله من شكوك الميل لطرف دون الآخر وخلو إدارة العدل من العدل بتجريم البعض وتكوين لجان تحقيق في قضايا لم تظهر منها حقائق حتى الآن، وعلى امتداد أكثر من عشر سنوات.

بالإضافة إلى قرار رقم 7 بخصوص اقتحام مدينة بني وليد، حيث روع أهلها وهجروا وقتل من قتل وأسر من أسر وما ترتبت عليه من جرائم، وعدم بناء مؤسسة الجيش وتشكيل أجسام موازية لها، وإهدار المال العام دون أن تكون هناك أشياء ملموسة على الواقع، تلك التصرفات وللأسف هي بدعم من النخب السياسية والتي سابقا ادعت أنها عانت من التهميش. فماذا فعلت عندما تقلدت زمام الأمور وفتح لها المجال، سواء بالمجلس الانتقالي أو في المؤتمر الوطني أو في البرلمان أو في المجالس الرئاسية قادت البلاد للمجهول.

2ـ القبيلة وآثارها السلبية في عمليات الاختيار:

وظفت الحكومات المتعاقبة في ليبيا من بداية إعلان الاستقلال 1951 وحتى فبراير 2011 القبيلة ولعبت على وتر تحقيق مصالح ومنافع سياسية بواسطة القبلية لفرض نفوذها وسيطرة، حيث تعاملت مع المكون القبلي وسعت في سبيل توظيفه لضمان ولائه، أو بمقاومته وتكسير بنيته لتفادي تقلباته. ويعتبر المجتمع الليبي قبلي بشكل أساسي، وتلعب القبيلة دور مهم في الحياة الاجتماعية والسياسية، ويمكن للقبيلة أن تحل كثيرا من التعقيدات التي استعصت على مؤسسات الرسمية.

وفي الوقت الراهن تتدخل القبيلة في العمل السياسي سواء باختيار المرشحين أو الدفع بهم (تجنيد ساسي) لتولي مناصب عليا في الدولة، ومن خلال الدراسة المسحية التي قام بها محمد درياق وعبدالسلام علي عن تأثير القبيلة في انتخابات مجلس النواب عن مدينة سرت كعينة، بينت النتائج أن الفائزين تحصلوا على الأصوات في المراكز التي يقيم بقربها معظم أفراد قبيلة المرشح، بينما لم يتحصلوا على أصوا تذكر في غيرها، مما أعطى ذلك الأمر فرضية أن الانتخابات تمت على أساس قبلي. كذلك نلاحظ أثناء عملية الاستعداد للترشح لللإنتخابات الحالية، حيث تقوم القبائل باجتماعات وتنسيق على اساس قبلي للتوافق في اختيار المرشحين في هذا الشأن.

توصلت الدراسة من خلال نتائج الاستبيان أن مجتمع الدراسة (سكان مدينة سرت) اعتمدوا في اختيارهم لاعضاء البرلمان عن مدينة سرت (في الانتخابات التي أجريت لإختيار نواب الشعب) على العامل القبلي بشكل اساسي عن طريق المحاصصة بين العائلات بغض النظر عن المؤهل العلمي أو الخبرة. وهذا في الغالب ما يحدث في العديد من المدن الليبية ومدينة سرت ليست حالة استثنائية استنادا إلى بنية المجتمع الليبي. الامر الذي انعكس سلبا على أدائهم من أجل تنفيذ السياسات العامة للدولة والاستحقاقات المطلوبة منهم، لذلك نجد أن تلك الجوانب اثرت سلبا في وضع البلاد وحالة الانقسام السياسي والأمني الذي أثر بشكل مباشر على الوطن والمواطن.

3ـ المشاركة السياسية:

تعد المشاركة من عدمها من الإشكاليات المهمة التي تواجه المجتمعات في خوض طريقها نحو التنمية، وهي تمثل جوهر الديمقراطية الحديثة، كون معظم الصراعات تكون على الحكم والقيادة، لذلك يعد الامتثال للطرق الديمقراطية الصحيحة، والإقتناع بالوصول للحكم عبر صناديق الاقتراع والرضوخ للنتائج، والمصادقة على ما يصدر من لجنة متابعة الانتخابات من الجوانب المهمة للتبادل والتداول السلمي على السلطة.

حاولت العديد من الجهات والمنظمات المحلية والدولية الدفع بالمجتمع الليبي للمشاركة والمساهمة في العمل السياسي لأن المجتمع يعاني من القصور في الوعي السياسي إلا أنه ضلت المشاركة السياسية ضعيفة، حيث أشارت بعض التقارير الصادرة عن منظمات دولية مختصة في متابعة ورصد المشاركة السياسية مثل المؤسسة الدولية للنظم الانتخابية، أفادت بعزوف المجتمع الليبي عن الانتخابات السابقة وقلة مشاركته، إذ لم تتعدي نسبة المشاركة 30%.

ومن خلال الدراسة التي قام بها الباحث الفيتوري السطي عن مدى وعي المجتمع الليبي بالمشاركة السياسية، ووجهة نظرهم فيها،والتي أجريت على طلاب الجامعات متخذا من طلاب جامعة سرت كعينة للدراسة، حيث بينت نتائج التحليل أن وعي الطلاب بالمشاركة السياسية متوسط بنسبة 51%، وتبين أن النسبة التي شاركت في الانتخابات البرلمانية ولجنة صياغة مشروع الدستور لم تتجاوز 6%. في حين أن الذين لم يشاركوا أصلا في أي انتخابات سابقة كانت نسبتهم 27%، والبقية غير مهتمة بالعملية السياسية أصلا، وهذا يعتبر بمثابة عزوف عن العملية السياسية برمتها.

4ـ المصلحية والجهوية والمال الفاسد:

كذلك من ضمن الإخفاقات وجود بعض الشركاء في العملية السياسية الذين يحاولون عرقلة الانتخابات بالاستناد على مجموعة من الذرائع أهمها غياب إطار قانوني ينظم العملية السياسية وعملية الاستفتاء على الدستور أولا، والعمل على إصدار قوانين لاستبعاد بعض الاشخاص من الترشح، والإدعاء بعد الجاهزية للاستحقاق الانتخابي، والإنفلات الأمني، والتهديد بالاحتكام إلى السلاح في حالة فوز طرف معين بالانتخابات الرئاسية وخاصة أن حكومة الوحدة الوطنية لم تنجح بشكل كافي في المهام الموكلة إليها وخاصة في مهمة توحيد المؤسسات الأمنية والعسكرية.

والانقسام السياسي له العديد من الجوانب السلبية على المجتمع وأبرزها تفشي الفساد، حيث ساهم انقسام المؤسسات السياسية وتعدد الحكومات المختلفة المتصارعة واختلاف تبعيات المؤسسات والوزارات في تزايد حدة الفساد وتنوع أشكاله ومظاهره، وقد استشرى الفساد في مفاصل الدولة بمظاهره المختلفة منها الوساطة والمحاباة والتسيب، وذلك من خلال متقلدي المناصب والموظفين العموميين.

فمثلا تم إنفاق أكثر من 21 مليار دينار سنويا على المرتبات مع وجود 1.8 مليون موظف عمومي بمعدل انتاجية لا يتعدى ربع ساعة يوميا حسب تقرير ديوان المحاسبة الليبي، ورغم ارتفاع عدد الموظفين إلا أن تدني مستوى الخدمات وتفشي التسيب الإداري في أغلب قطاعات الدولة، في ظل ضعف الموارد المالية وارتفاع النفقات التسييرية، دون أن يقابلها تحسين في إنتاجية العاملين.

بالإضافة إلى تلاعب عديد من الجهات ببيانات المرتبات المصروفة للعاملين بالدولة، للحصول على فائض في المبالغ المسيلة على قوة المرتبات، من خلال طلب مرتبات لا تقوم تلك الجهات بصرفها، أو وظائف وهمية، أو طلب مرتبات بقيم أكبر، إضافة لذلك حدوث التواطؤ والرشى والإهمال، والتي يضطلع بها العديد من مسؤولي ومشرفي المشروعات التنموية، والذي أدى إلى هدر أكثر من 80 مليار دينار في العام 2010 حتى الآن.

ومن جوانب الفساد الإداري استغلال المناصب العام للمصالح الخاصة والإسراف والترف، ويتمثل ذلك في مناصب البعثات الدبلوماسية والتوسع في الإيفاد الدبلوماسي في دول لا حاجة للتمثيل الدبلوماسي فيها مما جعل ليبيا تنافس دول متقدمة في عدد سفاراتها وقنصلياتها دون معيار وضابط لهذا التمثيل، وبعضهم ليس لديهم معرفة ودراية بالأعراف الدبلوماسية في التعامل مع الدول المرسل إليها، حيث سبب ذلك كثيرا من الإحراجات لوزارة الخارجية الليبية وأساء لسمعة الدولة الليبية.

وتنامى حجم الفساد المالي في السفارات الليبية إلى أعلى المستويات، حيث يقدر حجم الأموال المحوّلة إلى السفارات فقط خلال الأربع سنوات الماضية بحوالي 6.5 مليار دينار، وتبلغ مرتبات العاملين في السفارات 15 ألف دولار شهريا، إضافة إلى المزايا والعلاوات وشراء السيارات، الأمر الذي أدى إلى رفع فاتورة القطاع الخارجي، فقد تم هدر أكثر من نصف مليار دولار سنويا على 141 بعثة دبلوماسية دون تحقيق أي مصالح للدولة، وأكثر من نصف مليار دولار على الدراسات بالخارج دون الاستفاد منها في الحصول على تأهيل علمي حقيقي، مع عدم رجوع المبتعثين إلى الوطن للاستفادة منهم.

كذلك المضاربة بالنقد المحلي والأجنبي وتهريب الأموال للخارج والتلاعب بالاعتمادات المستندية والتوريدات الوهمية وغسيل الأموال من خلال القطاع المصرفي، الأمر الذي ضاعف من التضخم وغلاء الأسعار وشح السلع الأساسية وأزمة السيولة وانخفاض قيمتها الحقيقية مما أدى لزيادة معاناة المواطن.

ويبرر الفساد وسوء الإدارة وقلة خبرتها الوطنية في العديد من القطاعات والشركات العامة الوطنية نورد منها شركة الكهرباء على سبيل المثال حيث تم إنفاق أكثر من 5 مليار دينار سنويا ولا زالت الدولة تعاني من الانقطاع المستمر للكهرباء وسوء الخدمات ، وكذلك في قطاع الصحة تم إنفاق أكثر من 4 مليار دينار سنويا ولا يزال المواطن الليبي يبحث عن العلاج والدواء في المصحات الخاصة في الداخل والخارج.

كما تم إنفاق أكثر من 8 مليار دينار سنويا على التعليم بشقيه العام والعالي ولا زالت العملية التعليمية تعاني من سوء الخدمة وتدني المخرجات إلى اقل المستويات، وإنفاق نحو 6 مليار دينار سنويا على دعم السلع الأساسية والضرورية للمواطن ولا زال المواطن البسيط يعاني من عوزن حيث يباع الرغيف والدواء والسلع الاساسية بأغلى الاسعار.

كما تم انفاق نحو نصف مليار دينار سنويا على النظافة ولا زالت الشوارع تعاني من تكدس القمامة وغيرها من الاوساخ.

إن النسق التصاعدي الذي اتخذته ظاهرة الفساد في ليبيا لا يؤشر فقط على مدى استفحالها وإنما يؤشر أيضا على تزامنها مع تفكك مؤسسات الدولة والأجهزة الرقابية وتفكك منظومة الثقافة السياسية الوطنية التي تنتصر لحماية المال العام من أي شكل من أشكال المساس أو العبث به.

تراجعت ليبيا إلى المرتبة 168 في ترتيب الدول من حيث الفساد في تقرير منظمة الشفافية الدولية، ثم قفزت إلى المرتبة 171 في  العام 2013 وخلال الأعوام 2014 و 2015 تراوحت المرتبة ما بين 160 و161 ومنذ العام 2016 بدأت ليبيا تغرق في مستنقع الفساد، إذ ارتفع مؤشر الفساد من المرتبة 170 إلى 172 في العام 2017 ليبلغ المؤشر ذروته عام 2018 حيث باتت ليبيا تحتل المرتبة 171,

صنفت ليبيا من قبل منظمة الشفافية الدولية (بالدول الأكثر فساد)، كما أوضح المبعوث الدولي السابق غسان سلامة في أحد اللقاءات، بإن هناك مليونيرا جديدا كل يوم في ليبيا، مشير إلى الطبقة الوسطى تتقلص يوما بعد آخر. كما أتهم سلامة الطبقة السياسية في ليبيا بأن لديها كما كبيرا من الفساد يندي له الجبين، وأضاف قائلا ما نراه في ليبيا أمر مؤسف يستولون على المال العام ثم يوظفونها في الخارج.

وعموما يمكن تلخيص الحقبة السابقة للعملية السياسية والحكومات المتعاقبة التي انتجتها باستمرار استخدام العنف لفرض الرؤى بالقوة من قانون العزل السياسي، وما ترتب عليه من تداعيات سياسية ووصول غير المؤهلين لقيادة البلاد من ناقصي الخبرة والكفاءة، واستخدم الميليشيات قفل الطرق الرئيسية للحصول على أتوات وحقوق مزعومة، وعدم السماح للتجار بجلب السلع للمدن وتدفقها طمعا في الحصول على إتاوات، وقرار المحكمة الدستورية وما يحوم حوله من شكوك في الميل لطرف دون الآخر وما صدر عنها من أحكام، وامتلاك بعض المدن حق الفيتو على أي قرار يصدر في ليبيا، وعدم بناء مؤسسة الجيش في بعض الاماكن وتوكيل مدنيين كأمراء على العسكريين، وتشكل أجسام موازية لها.

إضافة إلى إهدار المال العام دون أن يكون هناك انجازات ملموسة على الأرض. وفي الواقع تلك التصرفات وللأسف هي بدعم من السياسيين والنخبة السياسية والتي ادعت التهميش في السابق. ماذا فعلت عندما قادت زمام الامور وفتح لها المجال، سواء التي كانت في المجلس الانتقالي او في المؤتمر الوطني أو في البرلمان أو في المجالس الرئاسية التي قادت البلاد للمجهول، وتعتبر تلك الجوانب سابقة الذكر هي حجر العثرة في طريق المجتمع الليبي لتوحيد وتكوين دولة واحدة، وتعتبر عقبات أمام كل مسؤول سياسي يسعى لتوحيد البلاد.

يتبع

***

د. الفيتوري صالح السطي ـ استاذ مساعد ورئيس قسم العلوم السياسية بجامعة سرت، ليبيا.

د. محمد هدية درياق ـ استاذ مساعد بقسم العلوم السياسية بجامعة سرت، ورئيس المركز الأكاديمي للدراسات المستقبلية.

_________________

مجلة اتجاهات سياسية: العدد الثامن عشر ـ مارس 2022

مواد ذات علاقة