د. محمد كامل شبير

بعد سقوط الحكم الإسلامي بقيادة الدولة العثمانية عام 1922م، وبعد حكم دام قرابة الستة قرون، كانت الهجمة الغربية على الأمة الإسلامية كبيرة على الصعيدين الاحتلالي العسكري، والفكري الثقافي.

الجزء الثالث

بين أنصار الديمقراطية وفقهاء المسلمين

أرى أن هناك خلطًا كبيرًا بين مفهوم الديمقراطية، والنظام السياسي الإسلامي: “فالديمقراطية تحدد حقوق الفرد والحريات العامة، أما النظام السياسي الإسلامي لم يحدد الحقوق الفردية والحريات العامة؛ لأنها محددة من القرآن الكريم، مبنية من السنة النبوية، ومنظمة من القواعد الشرعية، وقد حددت الشريعة الضمانات التي تكفل حماية هذه الحقوق والحريات ضد اعتداء الحكام والمحكومين”

يرى الفقهاء المسلمين “أن البيعة عقد حقيقي يتم بين الخليفة وبين الأمة، وأن البيعة من موجبات النظام السياسي الإسلامي، وهذا العقد لا يتضمن أي تنازل من الأفراد عن حقوقهم الفردية وحرياتهم العامة للخليفة أو الحاكم؛ لأن الحقوق والحريات ثبتت لهم من الشارع وهو الله مباشرة، فالتنازل عنها كلها أو بعضها لا يعتمد به، ويكون باطلًا بطلانًا مطلقًا”

وعلى ما تقدم، نجد أن الديمقراطية هي التي ترسم حقوق الأفراد الخاصة أو العامة، وكذلك نرى في الديمقراطية أنها تؤكد على جلوس الحاكم أربع سنوات قام بواجباته نحو عموم المسلمين أو لم يقم، استبد أو ظلم، فالنظام الديقراطي يضمن حق بقائه لأربع سنوات، وهذا مخالف للنظام السياسي الإسلامي الذي يعقد على البيعة بين الخليفة أو الحاكم وأمته.

فالبيعة تعد وسيلة تعبير الأمة عن رأيها في شأن عام، ولا يشترط اشتراك كل أفراد الأمة لهذا التعبير، وإنما تكفي الأغلبية حتى يصير التعبير صحيحًا”، فعقد البيعة يظل منتجًا أثاره بين الأمة والخليفة ما دام العقد سليمًا، فإذا ورد عليه ما يبطله تأثر هذا العقد وبطل”

قال الخليفة الثاني عمر الفاروق: “رحم الله امرأ أهدى إليّ عيوب نفسي”، ويقول: “أيها الناس من رأى منكم فيَّ اعوجاجًا فليقومني .. “، ويرد عليه واحد من الجمهور فيقول: والله يا ابن الخطاب لو رأينا فيك اعوجاجًا لقومناه بحد سيوفنا”! وترد عليه امرأة رأيه وهو فوق المنبر، فلا يجد غضاضة في ذلك، بل يقول: “أصابت المرأة وأخطأ عمر”!.

ويقول علي بن أبي طالب كرم الله وجهه لرجل عارضه في أمر: أصبت وأخطأت ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾”.

كما نلاحظ أن النظام الديمقراطي حدد المقصود بالأمة، وهي: جماعة من الناس مستقرة على بقعة معينة من الأرض تجمعهم الرغبة المشتركة في العيش معًا. ومما يساعد على تكوين الأمة: اتحاد أفرادها في الجنس والتاريخ واللغة، وتعتبر اللغة أهم عامل في تكوين الأمة.

أما النظام السياسي الإسلامي فجاء واضحًا في تعريف الأمة، فلا يفرق بين الناس بسبب جنسهم أو لغتهم أو أماكنهم التي يعيشون عليها. أهم عامل في تكوين الأمة الإسلامية: وحدة الدين بين الأفراد؛ لان الإسلام دين عالمي جاء لكل الأقوام والأجناس، وعليه قال تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾.

وقال تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾. “يا أيها الناس! إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود، ولا لأسود على أحمر، إلا بالتقوى، ﴿إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾، ألا هل بلغت ؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: فليبلغ الشاهد الغائب..

ثم ذكر الحديث في تحريم الدماء والأموال والأعراض.

يقول القرضاوي: “إن جوهر الديمقراطية، بعيدًا عن التعريفات والمصطلحات الأكاديمية، أن يختار الناس من يحكمهم ويسوس أمرهم، وألا يُفرض عليهم حاكم يكرهونه، أو نظام يكرهونه، وأن يكون لهم حق محاسبة الحاكم إذا أخطأ، وحق عزله إذا انحرف، وألا يساق الناس إلى اتجاهات أو مناهج اقتصادية أو اجتماعية أو ثقافية أو سياسية لا يعرفونها ولا يرضون عنها.. فإذا عارضها بعضهم كان جزاؤه التشريد والتنكيل، بل التعذيب والتقتيل”.

وأقول للشيخ القرضاوي: وهل يجوز أن يتولى أمر المسلمين من غيرهم؟! وأين ميزان الإسلام في ما يفترضه الشيخ القرضاوي في سياسة الناس والمسلمين؟ وهل الشيخ القرضاوي غيّب حراسة الدين من قبل الحاكم؟!

وفي ختام الفقرة، يقر الشيخ القرضاوي بأن من يخالفها أو يعارضها جزاؤه التشريد والتنكيل، بل التعذيب والتقتيل، هل هذا بسب أن هناك خطأ في ممارسة الديمقراطية أم أنه هناك عدم فهم وإدراك لحقيقة النظام السياسي الديمقراطي؟

فلذا أقول: لماذا استدعاء الدين ووصفه بالديمقراطية؟

وهل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ديمقراطيًا؟

ولماذا لم يرسله الله تبارك وتعالى على هذا الشكل الديمقراطي؟

وهل النظام السياسي الإسلامي نظام ديمقراطي؟

ولماذا دعاة الديمقراطية يدعون لنظامهم وكأنه نظام إحلال واستبدال ليكون بديلًا عن النظام السياسي الإسلامي؟

ألم يقف هؤلاء الدعاة لحظة مع إسلامهم وإيمانهم ووعيهم ويدعون إلى رسالة الإسلام بكافة جوانبها، ولا يستدعون الدين للدفاع عن الديمقراطية التي استهدفت إسلامنا وعقيدتنا قبل شعوبنا، فهم يعلمون علم اليقين أن الإسلام هو الحق المطلق، فقهًا وأحكامًا وسياسةً.

مَن الذي يختار حقًا؟

يقول طه: “كافة نظم الحكم في العالم الآن تقوم بإجراء انتخابات ديمقراطية، وتزعم لنفسها أنها دول ديمقراطية، فالحل ليس فيها .. والفرق بين الدول هو فرق في قوة الدولة من بناء المؤسسات بطريقة منهجية علمية، ومحاربة الفساد، والاعتزاز بالهوية، والتصنيع، والتحدي الحضاري، وحيوية المجتمع.

فمن يُصور لنا أن مجرد إجراء انتخابات سيحل كافة مشكلاتنا فهو شخص مخادع لنا، وكثير من الناس يُخدع وينزل ليضع صوته في صندوق .. كأنه صندوق سحري سيحل له كافة مشكلاته بمجرد وضع ورقة فيه”

نجد “في النظام الديمقراطي، الشعب له السيادة الكاملة، سواء أكان المقصود به طبقة المواطنين الأحرار كما كان موجودًا عند اليونان القدماء، أم كان المقصود به: جميع المواطنين البالغين سن الرشد من الرجال والنساء كما هو في العصر الحديث.

ومن ثم فإن القوانين تُسَن بإرادته، وتتغير بمشيئته، ويستطيع الشعب أن يضع التشريعات التي توافق هواه، وأن يلغي ما لا يتفق مع رغباته. أما النظام السياسي الإسلامي، فالتشريعات فيه من عند الله، وبيّنها رسول الله صلى الله عليه وسلم بسنته، والمجتهدون لهم حق الاجتهاد في حدود القرآن الكريم والسنة النبوية، وليس لجماعة من البشر أن ينشؤوا حكمًا جديدًا يعارض ما ورد في الكتاب أو السنة، مهما كان متفقًا مع إرادتهم، وموافقًا لرغبتهم”

ويوضح طه ويبين مآلات الغرب ومقاصدهم في دعوة المسلمين لاتباع الديمقراطية فيقول: “وإن دعوة الغرب للمسلمين للتمسك بالديمقراطية ليست هي من أجل صلاح شأنهم، وإنما هي من أجل جعل علمانية الدولة والقانون الوضعي بديلًا عن “سيادة الشريعة” التي تأمر بالتحرر من هيمنة الغرب وفكره وباطله..

إنها في الحقيقة ليست دعوة إلى رأي الأغلبية أو محاسبة الحاكم أو احترام الحقوق، ولكنها دعوة للاستبداد المطلق للدولة وقانونها المستمد من قانون الغرب ذاته، وتغيير القوانين والدساتير حسب الأهواء، وحسب إملاءات السيد المحتل”.

يقول النحوي متيقنًا من أن بعض علماء المسلمين سيتبنون ما يصيغه المحتل على أمة الإسلام وأن هناك من يتطوع وهناك من يُستأجَر للدفاع عمن يقتله ويشرده ويهين دينه: “ومع قوة الدعاوى، وتجمع السباب، أصبح منا، من أنفسنا، من يتطوع ليدافع عن الشعار القاتل، والراية الكاذبة، والبريق الخادع، أصبح منا، من أنفسنا من يسخر قلمه وفكره وأعصابه ليدافع عن عدوه وهو يقتله، ويمسك بالسكين ليطعن بها نفسه، ويزهق به روحه، وهو يحسب أنه على خير، في حمى السكر، وشدة الخدر”.

***

د. محمد كامل شبير ـ كاتب سياسي فلسطيني متخصص بالقضية الفلسطينية. ومدرب في التتنمية البشرية وخاصة في القيادة والعمل من خلال روح الفريق.

____________

مواد ذات علاقة