بقلم مختار غميض

عبّد جهاد الليبيين الطريق نحو الاستقلال، إذ سجّل الليبيون بطولات خالدة في تصديهم للاستعمار، واستطاع المجاهدون من أبناء البلاد، إنزال ضربات موجعة بعدوهم، واستطاعوا أن يلفتوا أنظار العالم إلى قضيتهم.

الجزء الثالث

رابعا: حفتر والجهادضد الإرهاب

من الإرهابإلى الجهادإلى الفتحوالزحف المقدس، كلها عناوين عريضة ومصطلحات كثيرة اختارها اللواء المتقاعد خليفة حفتر منذ إعلان انقلابه على خيارات ثورة الليبيين.

تلك العناوين غلف بها حفتر تنكره لإرادة الشعب الليبي، والمؤتمر الوطني العام كأوّل مجلس نيابي منتخب في 2012 ، مستنسخا الانقلاب العسكري المصري، لكن بغطاء ديني مقدس لاستعطاف الناس.

وقد اتخذ خليفة حفتر ذريعة مكافحة الإرهاب للترويج لانقلابه، مستهدفا كل مناوئيه السياسيين وأطياف المعارضة التي أفرزها التيار الثوري، في سلة واحدة، هكذا، دونما أي فرز بين تيارات سياسية تعترف بالعملية الديمقراطية وشاركت فيها وحصدت مقاعد برلمانية، وأخرى إرهابية استفادت من مناخ الحرية الجديد وصنفت تنظيمات إرهابية قبل انقلاب حفتر في تونس، كـ أنصار الشريعة، وتنظيم الدولة الإسلامية“.

ولم يتورّع حفتر عن استخدام ذلك العنوان العريض باسم مكافحة الإرهاب حتى طالت اعتداءاته كل مدن الشرق كبنغازي ودرنة ووصل به الحد لارتكاب جرائم وثقتها الجنائية الدولية وطالبت بمحاكمة قيادات تعمل تحت إذنه، ناهيك عن الذين انشقوا عنه، كل ذلك بدعم عربي إقليمي معلن.

وعلى ذات عنوان مقاومة الإرهاب أعلن حفتر حربه على طرابلس مخلا بكل اتفاقياته السياسية الأممية وقبيل أيام على انعقاد مؤتمر للحوار الليبي.

وعندما اكتشف عناصر حفتر  الذين يقاتلونهم في جبهة العاصمة ليسوا يأسرونهم دون قتل ويمكنون أهاليهم زيارتهم ويعالجونهم، عكس ادعاءات أنهم إرهابيون،  انفضح الأمر أكثر لمن مازال يناصر حفتر وخاصة من المجتمع الدولي، فكان لا بد من عناء البحث عن عنوان آخر، غير اسطوانة الإرهاب.

فحوّل حفتر العدوان على العاصمة إلى حرب مقدسة بعنوان الجهاد، ومما زاد في حسن توظيف ذلك المصطلح هو خيبة قوات حفتر على تخوم العاصمة بعد انكشاف أمر قوات دولية تقاتل إلى جانبه في شكل غرف عمليات عسكرية تحتل مدنا ليبية، كذلك قدوم شهر رمضان المعظم الذي عرف عند المسلمين بشهر الجهاد، جهاد النفس والعدو على حد السواء، والمآثر التاريخية والشواهد كثيرة.

وبرز حفتر في صورة الحريص على مصطلح الجهاد المقدسفي الشهر المعظم، وقد سخر كل أنواع الدعاية في ذلك بدء من الأغاني الحماسية التي تروج للجهاد ضد الإرهاب، إلى رد الناطق باسمه على مطالب أممية بهدنة مع دخول شهر الصيام فتعلل بشهر الجهاد ولن يوقف الحرب فيه مستدلا بأنه تمت المحاربة فيه سابقا .

إن هذا التوظيف للدين في سياق سياسي، أشارت إليه وكالات أنباء غربية، منها بلومبيرغ الأمريكية وكتبت مقالا عنونته بحفتر يواصل الجهاد، وأشارت فيه إلى دلائل المصطلح الذي لا يخف عليهاعند المسلمين فوضعت اللفظ بين معقّفين، فهي تعلم معاني الكلمة عند المجموعات الإرهابية التي ضربت ديار الغرب للتشفي من الأعداء وتصفية الخصوم، كتنظيمي القاعدة وداعش.

وذلك ما ظل منهجا جديدا عند قوات حفتر في توظيفها للمصطلح بهدف القضاء على المعارضين السياسيين، وهو تماما، نفس النهج الأول في تفسير مكافحته للإرهاب، حتى يخلو له الجو وحيدا للسلطة.

وطالما كان موضوع الجهاد، أمرا دينيا بحتا، فإن حفتر يعلم أن استحضار المفهوم فقهيا لابد أن يكون بمخارج معينة، أبسطها أن يوظف أهل الاختصاص كذلك، وبذلك أصدرت هيئة الأوقاف التابعة له فتوى بجواز إفطار مقاتلي حفتر خلال شهر رمضان من أجل التقوّي على الجهاد“.

وبررت الهيئة فتواها على ما أخطر من الفتوى نفسها،  فاعتمدت على حديث مسند للرسول الكريم سمح فيه لمقاتليه بالإفطار وهم يقتلون المشركين،  ثم على النقل عن ابن تيمية أنه افطر في قتال التتار وأفتى للمقاتلين بالفطر، وهذا يطرح أسئلة عدة عن خبايا فتوى هيئة حفتر.

لكن الأخطر من توظيف الجهاد، هو تكفير المسلمين واستباحة دمائهم، فقياس الإفتاء يخفي ضمنا بالضرورة، فكيف والفتوى كذلك، لأهل طرابلس أن لايفهموا أنهم كفار ومشركين وتتار، ؟! بعد فشل حفتر في إقناع قواته أن مواطنيهم في طرابلس إرهابيون، وهذا توظيف كبير وخطير، وهو منها براء، لمعاني الجهاد السامية والمعلومة.

كذلك، ثمة جانب آخر لا يمكن إغفاله دون التنبيه إليه، وهو الهوية المدخلية التي تحلل القتل كيفما كان، القائم على تكفير الخصوم واستحلال رقابهم، وبالتالي تحويل ديار الإسلام فوضى عارمة بحجة يحق فيها الجهاد“.

وبناء على ذلك الفهم، فإن تلك الديار لم يدخلها الإسلام بعد، وبالتالي وجب فتحها، أو كما يقول أنصار حفتر على العاصمة سندخلها فاتحين، وعليها سمى عدوانه على طرابلس بـ الفتح المبين، التي أطلق فيها نداءه لبيك يا طرابلسوتعهد فيها بالحفاظ على أمن الأهالي، لكن في الحقيقة، لا أهالي طرابلس نادوه أو طلبوا منه حمايتهم، ولا حتى غير أهالي طرابلس، ولا عمليته نجحت، ولا هو حافظ على حياة الناس بل قتلت قواته الآمنين وروعتهم في ديارهم.

خامسا: بديل بأفق ضيّق

إن سقوط كل تلك الشعارات الدينية الجوفاء وانتكاسة قوات حفتر عسكريا خاصة مع هزميته في غريان المدينة الإستراتيجية رغم فضيحة تسليح فرنسا لمليشياته، فإن عملية حفتر على طرابلس كانت أكبر خسارة مُني بها الجنرال المتقاعد بعد أن كاد أن يكون رقما في المعادلة السياسية الضائعة.

ولما كانت النتيجة الميدانية صفرا من النتائج ولا تخول لحفتر تحقيق أي اختراق عسكري، فمن الواضح أن حفتر ماض في تطاوله إلى الأمام في ظل تحشيده للمرتزقة الأجانب إلى مدينة ترهونة للمشاركة في عدوان جديد على العاصمة وبصمت عربي رسمي مطبق.

ولئن كانت مصر بحكم طبيعة نظامها الانقلابي العسكري، تعلن صراحة دعمها لحفتر للقضاء على ما تسميه إرهابا، فإن فرنسا بحكم نظامها كذلك، الراسخ ديمقراطيا، لا تستطيع الإفصاح علنا عن دعمها العسكري لحفتر لذلك بقي طي الكتمان.

لكن القبض هذه المرة على صواريخها بغريان وانكشافها في الإعلام الأمريكي بما أن الصواريخ أمريكية، جعل فرنسا متلبسة بالجريمة، فها هي اليوم وزارة الدفاع الفرنسية تعترف بنشرها قوات جنوب طرابلس لدعم حفتر و بأن أسلحتها كانت موجودة في غريان، فحفتر في نظر حكومة الوفاق التي تعترف بها فرنسا علنا، مجرم حرب، وكذلك فإن بيع السلاح لليبيا محرم دوليا، كما بيع فرنسا للسلاح الأمريكي، جريمة أخرى !! فما الذي يبعد الجريمة عن فرنسا بعد كل هذا ؟

وعليه فإن هذا الطرح أعطى رسالة واضحة للمجتمع الدولي بالنفاق السياسي الذي يمارسه داعمو مشروع حفتر، وبالتالي فإن هذا المشروع غير المشروع سيزداد عزلة وتفككا مع تفطن المغمي عليه من الليبيين، خاصة مع تجنيد حفتر الإجباري لأبنائهم، ومع محاولة استهداف القيادي في القوات الخاصة ونيس بوخمادة، في تفجير ببنغازي هذا الأسبوع، مع ما يشاع حول عدم رضائه عن الحرب على طرابلس.

كل هذه الإرهاصات وراء إنهيار مشروع قوات الكرامة، تعززت بعد تكشف مطامع فرنسا القوية والوقحة كما بينا، والتي فاقت التوقعات وفاقت مطامع إيطاليا حتى، صاحبة نظرية الشاطئ الرابع لروما، أو تركيا العثمانية الوريث الشرعيالتي أعلنت صراحة دعمها العسكري للقوة المعترف بها دوليا.

مما ينبئ بضرورة وضع حد لمزيد من التلاعب بمصير ليبيا، ومنع خلق بؤرة توتر جديدة لا يحمد عقباها، وهو ما تحاول تركيا تفاديه، خاصة مع استمرار الحراك الديمقراطي الهادئ في تونس والجزائر.

كذلك فإن تيار فبراير المدافع على الخيار المدني في وجه أي فكر أيديولوجي سوف لن يستسلم لمشاريع ثأر ضده، خسر قياداته الميدانية في سبيل مواجهتها

وإيقاف عدوان حفتر بعد مائة يوم، لم يتجاوز مناطق كان يتجاوزها اللواء السابع، سابقا، بل خسر بشريا وماديا وخسر الرأي العام الذي اعتقد أن حفتر رجل ليبيا القوي.

ومازال يخسر مع تواصل الحرب، وبالتالي سيطارد مشروع حفتر إلى عقر داره، كما أعلن المجلس الرئاسي ذلك، ولو مرحليا في حدود المتاح.

ومع خسارة مشروع حفتر دوليا، وانحسار فكرة الرجل القويخاصة في أمريكا، فإن الداعمين العرب الكبار، الإمارات والسعودية تبحثان حاليا على مشروع مدنيمواز في محاولة مستمرة لسحب البساط من حكومة الوفاق المستفيد الأوحد من إنهيار مشروع العسكرة المدعوم.

وبالتالي كان لزاما على المحور السعوإماراتي لشخصية مدنية يبدو أنه تم اختيار ‏عارف النايض لتوليها، وهو الأدرى بكواليس الطرح الإماراتي للملف الليبي حيث كان سفيرا لليبيا في أبو ظبي.

ومما يقوّي ذلك الطرح تكوّن تلك الشخصية هيكلا مدنيا بقلب عسكري وبتوظيف الدين كما أشرنا، إذ ما معنى أن يقول ‏سفير ليبيا السابق في الإمارات إن حفتر يحارب في ‎طرابلس من أجل أن يعم دين محمد الحقيقي !

أليس في ذلك ما يكفر ثلاثة ملايين ليبي يقطن العاصمة ؟

يبدو أن لعب ورقة الدين من عارف النايض، التي في التيار المدخلي ما يفسرها، ناهيك عن لعب دور إقليمي في ليبيا، سوف لن يمنح ورقة الترشح لعارف النايض ليفوز بمنصب سياسي قيادي ولو في الشرق الليبي فما بالك والإمارات ومحورها ترشحان الرجل لقيادة ليبيا بأكملها، خاصة مع ترنح قوات حفتر.

خاتمة:

بعيدا عن رفع السلاح، ونظرا لموضوعية الطرح الفبرايري الذي ابتعد عن التوظيف الديني للمصطلحات، وشخصنة المشاريع السياسية، فإن الطرح الفبرايري يبقى  طرحا عمليا للخروج من الأزمة، قبل الأزمة نفسها التي حركها المغامرون، طرح يقبل بالجميع شرط عدم لعب دور الأحقية، أو دور ذراع محلية لجسم أجنبي.

هذا الطرح بات معلوما للمواطن البسيط الذي أصبح مطحونا بدوامة التوظيف الديني والسياسي التي أثبتت ضيق أفقها، للقضاء على حلم إقامة الدولة الوطنية المدنية التي قدم لأجلها النفس والنفيس، وهو الحلم الذي وإن لم يئن أوانه، فإنه يراه قريبا.

***

مختار غميض ـ صحفي تونسي

_____________

مواد ذات علاقة