بقلم عبد الله كمال
بعد هجوم «الجيش الوطني الليبي» بقيادة خليفة حفتر على العاصمة الليبية طرابلس في بداية أبريل (نسيان) الماضي، دخلت الأزمة في ليبيا فصلاً جديدًا من التأزم.
الجزء الثاني
صراع الثروة والنفوذ بين روما وباريس
جذور الصراع الفرنسي الايطالي في ليبيا حول الثروة والنفوذ لا تتوقّف عند الصراع المحموم على حقول النفط بين شركتيْ «إيني» الإيطالية و«توتال» الفرنسيّة أو التصريحات الناريّة بين الطرفين حول أحقّية كلّ منهما في إدارة الملفّ الليبي.
بل يمكن إرجاعها أوائل القرن الماضي خلال الفترة الاستعماريّة حين كانت ليبيا تحت الاحتلال الإيطالي بينما كانت فرنسا تحتلّ الجارة تشاد والمغرب العربي،
ففي خضمّ الصراع الأوروبي الذي سبق الحرب العالمية الثانية، وقّع وزير الخارجية الفرنسي لافال اتفاقية مع الزعيم الإيطالي موسوليني يقضي بالتنازل له عن شريط «آوزو» الغني باليورانيوم والواقع جنوب ليبيا، وقد كان الفرنسيون يطمحون من خلال هذا التنازل أن يقنعوا موسوليني بدعم معسكر الحلفاء ضد هتلر.
جنود ليبيون في شريط «آوزو»
لكن حتّى بعد استقلال ليبيا، بقي تأثير الدولتيْن على مستعمراتهما السابقة للحفاظ على مصالحهما قائمًا، فحرب ليبيا مع تشاد المعروفة بحرب «التويوتا» التي قادها القذافي إثر الانقلاب العسكري الذي أطاح بالرئيس التشادي تمبلباي سنة 1975.
والذي كانت له اتفاقيات خاصة مع الجانب الليبي يقضي بالسماح لليبيا باستغلال الإقليم وإدارته، شهدت تدخّل الفرنسيين بعُنف لصالح النظام الجديد في تشاد من أجل الحفاظ على مصالحهم الاستراتيجية في مستعمرتهم السابقة.
فقد كانت فرنسا هي من اكتشفت المخزون الهائل من اليورانيوم في شريط «آوزو» سنة 1957، وانتهت الحرب بانتصار ساحق للتشاديين، ولهزيمة كبيرة لليبيا، والتي –للمفارقة– شهدت أَسر العديد من الليبيين من بينهم، خليفة حفتر، الذي سيقود ميليشياته بعد 30 سنة ضد العاصمة طرابلس، لكن هذه المرة بدعم من الفرنسيين.
«نصر سريع» في ليبيا.. رهان ماكرون الخاسر
أشعل الوزير الأوّل الإيطالي أزمة بين بلاده وفرنسا بعد تصريحاته التي قال فيها إنّ سياسات فرنسا اتجاه إفريقيا «قد أعاقت تقدّم الدول الافريقية وتسبّبت في زيادة معدّل الهجرة» وقد كان هذا التصريح النادر من مسؤول أوروبيّ أحد المؤشّرات على وصول الاستراتيجيّة الفرنسيّة في إفريقيا إلى أفق مسدود، خصوصًا مع تراجعها الشديد مؤخّرًا مقابل صعود التنين الصينيّ.
وفي حين تبلغ المبادلات التجارية بين فرنسا وإفريقيا أكثر من 5 مليار يورو، إلاّ أن الساحة الاقتصاديّة في إفريقيا عرفت تغيّرًا في ميزان القوى وتراجعًا للوجود الاقتصادي الفرنسي بشكل واسع، إذ اصبحت تلجأ الكثير من البلدان الافريقية –التي كانت إلى وقت قريب حكرًا على الشركات الفرنسيّة كـ «توتال» و«أريفا» وغيرها– إلى الشركاء الصينيين بدل الفرنسيّين.
وهو ما أدّى بفرنسا إلى مراجعة استراتيجيّتها ومقاربتها اتجاه جيرانها الجنوبيّين من أجل إعادة بعث وجودها ونفوذها التاريخي في أفريقيا، منذ العهد الاستعماريّ.
ففي الوقت الذي استثمرت فيه الصين أكثر من 38 مليار دولار في أفريقيا في سنة 2016 وحدها، لم تستمثر فرنسا أكثر من 7 مليار دولار. بعد مجيء الرئيس ماكرون إلى السلطة في سنة 2017، رأى أنّ ليبيا من الممكن أن تكون «نصرًا سريعًا» يستطيع من خلاله تدشين عودة فرنسا إلى منطقة الساحل بقوّة، من أجل حماية أوروبا من موجة الهجرة غير الشرعية و«الإرهاب»، بالإضافة إلى التهام حصّة من ثروات ليبيا النفطيّة الهائلة.
مباشرة بعد وصول ماكرون إلى قصر الإيليزيه، عمل على تأكيد حضور بلاده في الملفّ الليبي بقوّة، وأرسل من خلال لقائه بكلّ من حفتر والسرّاج ورعايته للّقاء التاريخيّ بين الخصمين المتحاربين، رسالةً لمنافسيه التقليديّين في ليبيا – وفي مقدّمتهم إيطاليا – بأنّ فرنسا لن تتراجع عن هذا الدور.
ذلك اللقاء الذي أراد ماكرون أن يصوّره باعتباره رعاية فرنسيّة لـ«مصالحة تاريخيّة» بين الفرقاء التاريخيّين، وفي حين أراد ماكرون أن يدشّن بهذه الخطوة الرمزية –التي أثبتت فشلها الذريع فيما بعد– عودة فرنسا التاريخيّة إلى الساحة الدوليّة، كان قد أشعل غضب روما التي رأت في هذه الخطوة كسرًا لجهودها، خصوصًا أن رهان ماكرون على حفتر قد كان السبب الرئيس في إفشال مؤتمر باليرمو المنعقد في إيطاليا، والذي كان ينتظر منه الإيطاليون أن يكون بداية لحلّ الأزمة الليبية.
وقد تعرّض ماكرون للانتقادات جمّة جراء استراتيجيّة بلاده خلال الأزمة الليبيّة الحاليّة، إذ أحبطت فرنسا قرارًا من الاتحاد الأوروبي يشجب فيه الاعتداء المسلّح من قوّات حفتر على العاصمة الليبية طرابلس.
وانتقدت الكثير من وسائل الاعلام الأوروبيّة والعالمية ما وصفته بـ«لعبة فرنسا المزدوجة»، إذ عوّلت من جهة على حفتر من أجل وقف الجماعات المسلّحة المتطرّفة، فدعمته بالسلاح والدبلوماسيّة، ليستخدم هذا الدعم في إحراجها دوليًا بعد هجومه على طرابلس.
تعويل فرنسا على حفتر وقوّاته يرجع إلى سنة 2015، إذ رأوا فيه حليفًا قويًّا يمكن الاعتماد عليه من أجل إعادة شيء من النظام إلى الساحة الليبية الملتهبة منذ سقوط نظام القذّافي سنة 2011، من أجل إيقاف الجماعات الاسلاميّة المسلّحة ووقف قوارب الهجرّة السريّة التي تقصد شمال البحر المتوسّط حسب الرواية الفرنسية.
لكن هذا الدعم لم يكن بدون عواقب، إذ أثار حفيظة حكومة الوفاق الوطني المعترف بها دوليًّا، وكان فايز السرّاج قد صرّح خلال الأزمة الحاليّة بأن الدعم غير المتوازن من طرف فرنسا لحفتر هو الذي شجّعه على الخروج على المسار السياسي ودفعه للهجوم على طرابلس»، وكانت حكومة السرّاج قد أعلنت تجميد التعاون الأمني مع فرنسا على خلفية هجوم حفتر على طرابلس.
وقد كشفت وفاة ثلاثة عملاء سرّيين فرنسيين في ليبيا سنة 2016 عن وجود فرنسيّ عسكريّ لوجيستي كثيف غير معلن في الساحة الفرنسية من أجل دعم خليفة حفتر.
ورغم قرار منع بيع الاسلحة الذي أقرّت «الأمم المتّحدة» من أجل حضّ الفرقاء الليبيين على الجلوس إلى مائدة الحوار والوصول إلى حلّ للأزمة، إلاّ أن حفتر لم يتورّع في الإعلان أكثر من مرّة حصوله على سلاح من فرنسا، بالإضافة إلى السعودية والإمارات ومصر.
لكن بعيدًا عن البُعد الأمني أو المتعلّق بالهجرة السريّة من ليبيا إلى أوروبا، فإنّ الكثير من المحلّلين يسلّطون الضوء على حرب باردة بين الأوروبيين تجري في الأراضي الليبيّة وسباق شديد على الموارد النفطيّة الكبيرة التي تحظى بها ليبيا.
وتعدّ ليبيا صاحبة أكبر احتياطي نفطي في أفريقيا، وقد خرج هذا الصراع للنور بين الإيطاليين والفرنسيين من خلال حرب التصريحات بين الطرفين، إذ هاجم مسؤولون وسياسيّون إيطاليّون التدخّل الفرنسي في الملفّ الليبي الذي يعتبرون حكرًا على إيطاليا، بسبب معرفتها بالتركيبة السياسية والاجتماعيّة والقبليّة لليبيا –حسب الرواية الايطالية–، بينما يؤكّد المراقبون على أنّ السباق الحقيقي هو حول حقول النفط التي تتقاسمها .
هل تضغط فرنسا على الحراك الجزائري بالورقة الليبيّة؟
وعند الحديث على التواجد الفرنسي في ليبيا وفي الشمال الافريقي بشكل عام، لا يمكن إغفال الغريم التاريخي المتمثّل في الجزائر، والتي تشهد منذ فبراير الماضي انتفاضة شعبيّة أسقطت الرئيس عبد العزيز بوتفليقة الذي استمرّ في الحكم 20 سنة، وكانت وسائل إعلام ومحلّلون قد ربطوا بين تحرّكات حفتر والحراك الشعبي في الجزائر، إذ اعتبروا الخطوة «غير بريئة»، والتي من شأنها إشعال الحدود الشرقية للجزائر وإدخال الجيش الجزائري في وضعيّة تأهّب، في الوقت الذي يسيطر الجيش فعليًّا على مقاليد الحكم منذ استقالة بوتفليقة.
حفتر كان قد هدّد الجزائر في سبتمبر (أيلول) 2018 بنقل الحرب إلى الداخل الجزائري حسب قوله، قبل أن يعتذر أحد المقرّبين منه على هذا التصريح، ممّا أعطى إشارة على حجم التوتّر في العلاقة بين حفتر والجزائر.
الجزائر اتّخذت رسميًّا موقفًا حياديًا بين الأطراف المتنازعة في ليبيا وعملت على دعم جهود الوساطة الأممية للوصول إلى حلّ سياسي من خلال التفاوض.
وكان بيان للخارجية الجزائرية قد دعى الأطراف الليبية إلى «التعقّل»، واعتبرت أن التصعيد العسكري يعيق مسار التسويّة».
***
عبد الله كمال ـ مدون وكاتب صحافي جزائري
________
ساسة بوست