بقلم محمد عمران كشادة
إن موقع ليبيا الاستراتيجي، والثروة النفطية الهائلة التي تزخر بها ، يجعلها في محل اهتمام كل الدول الكبرى، والقوى الصاعدة، والمصالح السياسية والاقتصادية في عالم مضطرب تفرض نفسها.
روسيا لديها مصالح في ليبيا ولا يمكن أن تفرط فيها، وهي مصالح تضع روسيا دائما في حالة صدام مع الدول الغربية، في لعبة السياسة الدولية والمصالح، لا نتوقع أن يكون هناك توافق في المواقف والرؤى أو تعاون بين روسيا والغرب تجاه ليبيا ، خاصة في ظل كل المؤشرات التي تنبئ بعودة الحرب الباردة بين روسيا والغرب، وسيكون السؤال المهم ..
الجزء الثاني
2 / الصراع الدولي على ليبيا بين روسيا والغرب
إن نظرة متمعنة وبواقعية لما يجري من صراع في سوريا والمشرق العربي، تجعلنا على يقين بان حروب النفط والغاز التي تفجرت هناك ، وعدم استقرار العراق رغم مرور أكثر 15 عام على غزوه وإسقاط نظام صدام، والتغول الإيراني على الدول العربية الذي سمح له بان يتمدد .
كل ذلك يجعلنا نرى بوضوح مواقع حروب ومعارك المستقبل، أينما وجد النفط والغاز ، وجدت الصراعات وتفجرت الحروب، إن ما حدث في سوريا يمكن أن يصل إلى منطقتنا في شمال إفريقيا والمغرب العربي ، ثروات هائلة من النفط والغاز في ليبيا والجزائر، والقرب الجغرافي من أوروبا ميزة إستراتيجية كبرى .
إن روسيا باعتبارها أكبر مصدر للغاز الطبيعي في العالم تمكنت من فرض عنصر تهديد إضافي على دول غرب أوروبا ودول حلف شمال الأطلسي، بسبب اعتماد تلك الدول على الغاز الروسي، إذ تستورد الدول الأوروبية نحو 80% من الغاز الطبيعي من روسيا لوحدها، عبر خط الأنابيب الشمالي المعروف باسم “نورث ستريم” الذي يربط بين حقول الغاز الطبيعي شمال روسيا وألمانيا عبر بحر البلطيق، فيما تحصل باقي الدول الأوروبية على الغاز الروسي من خلال أنابيب الغاز الممتدة من روسيا وعبر أوكرانيا إلى الدول الأوروبية.
سعت الدول الأوروبية إلى تنويع مصادرها للحصول على الغاز الطبيعي، والتقليل من اعتمادها على الغاز الروسي إلى حده الأدنى، لتتحرر من التهديد الروسي بقطع موارد الدول الأوروبية من الغاز الطبيعي في حال وقوع صراع شامل مع روسيا.
هذا ما دفع الدول الأوروبية لتترجم رغبتها بالتخلص من الاعتماد على الغاز الروسي، بتدشين مشروع لنقل الغاز الطبيعي من بحر قزوين عبر أذربيجان، وعلى طول امتداد الأراضي التركية مروراً برومانيا وبلغاريا والمجر، ووصولاً إلى الحدود النمساوية، وذلك بتمويل أوروبي مشترك وبدعم أمريكي، إذ أطلق عليه اسم “خط أنابيب نابوكو“.
أدرك الروس بأن تنويع مصادر الغاز الطبيعي والاستغناء عن الغاز الروسي، بات هدفاً استراتيجياً للأوروبيين والأمريكيين، إذ لم يبق أمام الأوروبيين من خيارات سوى الحصول على الغاز الإيراني بعد رفع العقوبات الاقتصادية عنها، والحصول على الغاز القطري الطبيعي عبر مد أنبوب عبر السعودية وربطه بأنبوب الغاز العربي الذي أنشئ في عام 2003م ليتم نقل الغاز المصري من العريش إلى الأردن وسوريا وربطه بمشروع “نابوكو” لتصدير الغاز إلى أوروبا. والخيار الثاني هو الحصول على الغاز القطري المسال ونقله بالسفن إلى الموانئ الأوروبية.
لقد ردت روسيا على مشروع خط الأنابيب الأوروبي بتدشين خط أنابيب روسي منافس، أطلقت عليه اسم “ساوث ستريم“؛ لنقل الغاز من الحقول الروسية الجنوبية عبر البحر الأسود مروراً بالأراضي البلغارية ورومانيا والمجر، ووصولاً إلى الحدود النمساوية، وبذلك تكون روسيا قد جعلت مشروع خط الإمدادات الأوروبي “نابوكو” غير ذي جدوى اقتصادية تذكر، وتجاوزت المسافة دون الحاجة لمرور خطوط الغاز عبر الأراضي التركية.
وكان لروسيا رد سريع ومتواز على مشروع خط نابوكو، فوقعت اتفاقية مع كازخستان وتركمانستان لإنشاء خط إمداد على طول ساحل بحر قزوين في مايو عام 2007م يصل الى الأراضي الروسية ، محبطة بذلك الخطط الأوروبية.
لمواجهة الإستراتيجية الأميركية بنت روسيا أيضاً إستراتيجية مضادة طويلة الأمد، تهدف لتطويق الخط الأميركي لنقل غاز قزوين إلى أوروبا عبر تجفيف منابعه وقطع خطوط عبوره جغرافياً، بالاعتماد على ثلاثة محاور(قانونية–اقتصادية–عسكرية) :
القانونية: تعريف حوض قزوين على أنه بحيرة متجددة بمياه أنهار الفولجا، وبناء على ذلك فالقانون الدولي يعطيها الحق بتقاسم مياهه وثرواته بالتساوي بين الدول المحيطة به، ما جعل من المستحيل، ليس فقط إنشاء خط أنابيب الغاز عبر حوض قزوين، بل حتى تطوير تركمانستان أو أذربيجان لأية حقول غاز على سواحله في ظل هذا التعريف، إلى أن يتم الاعتراف به كبحر.
الاقتصادية: في خطوة صنفت في خانة “الأسلوب الاحتكاري” أقدمت روسيا على شراء كامل الغاز المنتج في أواسط آسيا وبالتالي ضمان بيعه عن طريقها وعبر أنابيبها العابرة للقارات، فإضافة إلى كونها تمتلك أكبر احتياطي للغاز في العالم حيث تمتلك 47 % وتعتبر المنتج الأكبر لهذه السلعة الإستراتيجية 29 % دخلت روسيا في عقود شراء غاز طويلة المدى من معظم حكومات الدول المفترض منها ضخ الغاز في خط أنابيب نابوكو،
فقامت روسيا بشراء أكثر من 50 مليار متر مكعب في عقود طويلة الأجل من تركمنستان التي تنتج حالياً نحو 80 مليار متر مكعب سنوياً، مع التزام معلن “أنه حتى ولو بعد تطوير حقولها الغازية ووجود فائض في الغاز المنتج عن تلبية تعهداتها لروسيا والصين فلن تبيع الغاز لخط أنابيب نابوكو”.
وارتبطت أذربيجان مع روسيا بعقود بيع طويلة المدى، حيث وقع البلدان في حزيران 2009م ، اتفاقاً لشراء حصة كبيرة من الغاز الأذري، من دون تعهد الأخيرة ببيع الغاز لمشروع نابوكو إذا وجد فائضا لديها.
وأقدمت روسيا كذلك على شراء كامل إنتاج أوزباكستان من الغاز التي تمتلك منه احتياطي قدره 1.8 مليار متر مكعب، في عقد طويل الأجل ينتهي في عام 2018م.
وبالتالي فإن محدودية الغاز المتاح للتصدير عبر نابوكو لم يعد يعول عليه مما زاد من الغموض في الجهة التي يعتمد عليها في ملء أنبوب غاز نابوكو.
العسكرية: حرب الخمسة أيام في أوسيتيا الجنوبية 2008م الخوف الجورجي من العبث مع موسكو بعد تلك التجربة، وضم روسيا لجزيرة القرم عام 2013م بعد الأزمة الأوكرانية، كانتا رسائل قوة لكافة الدول السوفيتية السابقة وبخاصة الأوراسية منها والتي كانت تعول عليها واشنطن لملء نابوكو.
الأمر الذي حدا بدول أوراسيا للاستسلام للقوة الصلبة الروسية والدخول معها في اتحاد اقتصادي هو الاتحاد الأوراسي مطلع عام 2015م ، وبذلك يكون بوتين قد قطع الطريق ليس على الطموحات الأوروبية والأمريكية فقط في منطقة قزوين بل وعلى الطموحات الإيرانية للتمدد في تلك المنطقة.
من خلال النظر إلى الصراع في سوريا ، نجد أن التمسك الروسي بنظام الأسد يحقق مكاسب إستراتيجية، تتلخص في قطع الطريق على مشروع نقل الغاز القطري إلى أوروبا عبر الأراضي السورية، ومنع تركيا من الحصول على أية منافع اقتصادية من مرور الغاز القطري عبر أراضيها إلى أوروبا، كما يسمح بقاء الأسد بوصول الغاز الإيراني إلى الموانئ السورية على البحر الأبيض المتوسط، إذ تسعى روسيا لإبرام عقود مع إيران طويلة الأمد، تتمكن من خلالها روسيا من تصدير الغاز الإيراني إلى أوروبا، على غرار العقود التي أبرمتها مع تركمنستان وأذربيجان للحصول على إنتاجها من الغاز بأسعار زهيدة، وإعادة تصديرها بالأسعار العالمية للدول الأوروبية.
من جهة أخرى كان حلفاء روسيا في الشرق الأوسط يتحركون بقوة بالتوازي مع التحركات الروسية ، وقعت إيران اتفاقية مع العراق وسوريا لإنشاء ما أسمته “خط الأنابيب الإسلامي“، يتم من خلاله نقل الغاز الإيراني من ميناء عسلوجة المطل على حقل غاز الشمال، وهو أكبر حقل غاز في العالم، تتقاسمه إيران مع دولة قطر في مياه الخليج العربي، مروراً بالأراضي العراقية ووصولاً إلى سوريا، إذ أكدت إيران بأن “الأنبوب الإسلامي” سيؤمن كمية20 مليار م3 من الغاز الطبيعي سنوياً للدول الأوروبية، وهو ما لا يملك خط “نابوكو” تأمينه لأوروبا.
إن الدور الجيو سياسي لغاز روسيا واستثماراتها في قطاع الطاقة شكّل نفوذًا عالميًا، وصل إلى أوروبا، وشمال إفريقيا (ليبيا، الجزائر) فتخوّف منه المنافسون والمستهلِكون على حدٍ سواء، معتبرين أن الارتهان للغاز الروسي لا يقل تهديداً عن التمدد الجغرافي أو التهديد العسكري ، هناك مشروعات روسية لمد خط من نيجيريا إلى النيجر ثم الجزائر ومنها إلى أوروبا، كما قامت شركة غاز بروم الروسية بالاستحواذ على نصف حصة شركة إيني الإيطالية في ليبيا، وبدأت بالاستثمار في السودان.
كل ذلك ينذر بحروب غاز جديدة في شمال إفريقيا على غرار ما يجري في المشرق العربي ، وليبيا الغنية بالنفط والغاز ستكون احد أهم ساحات تلك الحروب القادمة.
***
محمد عمران كشادة ( باحث ليبي)
_______________
