بقلم مريم الحامدي
إنّ الثورة الليبية كانت ثورة استرجاع كرامة مهدورة وثورة بلد منهوبة ثرواته وليس ثورة جوع أو طلب تشغيل على غرار الثورة التونسية والثورة المصرية اللتين سبقتاها.
الجزء الأول
وبمناسبة الذكرى الثامنة لثورة فبراير المجيدة سنحاول في هذه الورقة أن نتعرف على ظروف انطلاقة هذه الثورة وانتصارها وعلى فترة الاستقرار والأمل التي عقبت سقوط النظام ثم إلى المنعرج نحو الفوضى وما تلاها من اتفاق في مدينة الصخيرات المغربية ثم إلى آفاق هذه الثورة في تحقيق أهدافها التاريخية.
مقدمة:
لم يكن أكثر المتفائلين في العالم يتوقع أن تقع ثورة في ليبيا بالنظر إلى طبيعة النظام الاستبدادي الممسك بكل شيء في البلاد . إذ تصحرت الحياة السياسية والفكرية ودُمر التعليم وُوظفت المكونات الاجتماعية لضرب بعضها بعضا وجعل من أجهزة الأمن أداة لعد أنفاس الناس.
هذا الواقع المفرغ من القوى السياسية التي يمكن أن تصنع رأيا عاما معارضا للسلطة جعل الأمل في قيام ثورة يتنزل في إطار الأحلام والفكر الطوباوي الجامح .
فالنظام كان ذكيا في التعامل مع أي ظاهرة يشتم منها رائحة الرفض لخياراته. ولكن الخطأ الكبير الذي وقع فيه نظام القذافي هو قناعته بأنّ توفير المنزل والسيارة للمواطن، وتمكينه من دخل يكفيه، بقطع النظر عن مصدر هذا الدخل، وكيفية الحصول عليه سيجعل هذا المواطن المفرغ من الوعي السياسي، لا يجنح إلى التمرد على الواقع القائم.
ولكن لم يكن يتصور البتة أن مشكلة المواطن الليبي ليست مشكلة جوع بل هي مسألة إحساس بالكرامة المهدورة وغياب الحد الأدنى من القدرة على التعبير عما يخالج النفوس من نقمة على واقع البلاد المتأزم على كل المستويات .
فالتعليم منهار والبنية التحتية محطمة والخدمات الصحية في وضع كارثي في بلد غني بموارده الطبيعية وهو يرى دولا أخرى أقل دخلا من بلاده قطعت أشواطا مهمة في النمو على كل الصعد.
والسبب الآخر الذي زاد من نقمة الناس المكبوتة يتمثل في مراقبة هذا الشعب لأبناء القذافي والمقربين منه وقد جعلوا من البلاد مزرعة خاصة بهم يتصرفون في خيراتها دون حسيب أو رقيب.
أولا: الثورة من البداية إلى سقوط النظام
انطلقت الثورة بالتحديد يوم 15 فبراير في المنطقة الشرقية من ليبيا بمناسبة ذكرى 17 فبراير التي سقط فيها ضحايا من بنغازي نتيجة التظاهر أمام القنصلية الايطالية على خلفية التنديد بالصور المسيئة إلى الرسول الكريم في إحدى الصحف الايطالية سنة 2015 .
تحرّكت أغلب المدن الشرقية (بنغازي .البيضاء .درنة. طبرق) في وقت واحد وعمتها مظاهرات كبرى سرعان ما تداعى أمامها النظام إذ لم يصمد سوى أربعة أيام تمكن إثرها المتظاهرون من السيطرة على المراكز الأمنية والثكنات العسكرية في المنطقة الشرقية .
كان ذلك يوم 19 فبراير لتنطلق في ذات الليلة مظاهرات كبرى في أغلب مدن الغرب الليبي وخاصة العاصمة طرابلس وتصدت لها قوات الأمن بالرصاص الحي وسقط ليلتها عديد الضحايا وتواصلت المظاهرات يومي 20 و21 فبراير وكان التعامل معها وحشيّا وسيطر المتظاهرون على بعض المدن مثل زوارة بالساحل الغربي والزنتان وجادو ونالوت بجبل نفوسة بينما تواصلت المظاهرات في بقية المدن على غرار مصراته والزاوية وغريان.
وسرعان ما تطورت الأمور أمام قمع النظام للمظاهرات بالرصاص الحي فتسلحت اغلب المدن وتعسكرت الثورة وفتحت جبهات قتال على حدود بنغازي وفي جبل نفوسة وفي مصراته بينما كانت تنفذ عمليات نوعية ضد الأجهزة الأمنية في طرابلس.
خيضت أكبر المعارك في مصراته وفي جبهة البريقة بالشرق الليبي وفي جبل نفوسة خاصة في الزنتان وغريان. وسيطر ثوار مصراته على المدينة وتقدم ثوار الجبل إلى سهل الجفارة ووصل ثوار الشرق إلى الموانئ النفطية .
فضاقت مناطق سيطرة النظام الذي كان يتلقى ضربات قوية من طيران حلف الناتو. وقد دامت المعارك ستة أشهر تمكن خلالها الثوار من دخول عاصمة البلاد ليلة 20 أغسطس 2011 وهرب القذافي قبل ذلك بيومين إلى مدينة سرت حيث لاحقه الثوار إلى هناك وتم قتله يوم 20 أكتوبر 2011 وأعلن على إثر ذلك تحرير البلاد تحريرا كاملا من نظام القذافي
ثانيا: من المجلس الوطني الانتقالي إلى المؤتمر الوطني العام
قاد المجلس الوطني الانتقالي الذي يرأسه السيد مصطفى عبد الجليل الثورة ضد القذافي وبعد سقوط النظام شكل حكومة بقيادة السيد عبد الرحيم الكيب في نوفمبر2011.
قادت هذه الحكومة البلاد إلى حدود شهر يوليو 2012 تاريخ إجراء إنتخابات المؤتمر الوطني العام. وتعتبر حكومة الكيب أفضل حكومة بعد الثورة إذ عرفت البلاد حالة من الاستقرار والتضامن الداخلي رائعة جدا رغم تفكك أغلب مؤسسات الدولة وخاصة الجيش والشرطة وهو ما جعل الجميع يتفاءل بمستقبل زاهر للبلاد.
قدمت حكومة السيد الكيب استقالتها في شهر أغسطس 2012 لتخلفها حكومة السيد علي زيدان المنبثقة عن المؤتمر الوطني العام . ولم يدم الأمر طويلا حتى بدأت الخلافات تدب بين الكتل النيابية داخل البرلمان وانعكس ذلك على أداء الحكومة وعلى الشارع . وبلغت الأزمة ذروتها باختطاف رئيس الحكومة بتهمة سرقة المال العام .
ثم وقعت أحداث غرغور الشهيرة التي تمثلت في مظاهرة تطالب بخروج الكتائب القادمة من خارج طرابلس وسقط حوالي 13 قتيلا في هذه الأحداث وانسحبت كتائب مصراتة وبقيت كتائب الزنتان التي سيطرت على العاصمة طرابلس.
في ظل هذه الفوضى بدأ حراك “لا للتمديد” المطالب بحل المؤتمر الوطني العام وإجراء انتخابات جديدة وتم تهديد البرلمان من لواءي القعقاع والصواعق المحسوبين على مدينة الزنتان بضرورة حل نفسه أو اقتحام المقر واعتبر ذلك في حينه شكلا من أشكال الانقلاب على الشرعية الدستورية.
وفي يوم 14 فبراير 2014 أعلن خليفة حفتر عن انقلاب أبيض في العاصمة طرابلس حيث أعلن عن حل المؤتمر الوطني العام وإلغاء العمل بالإعلان الدستوري وحكم البلاد عسكريا.
وبفشل العملية فر إلى الشرق وصدرت في حقه بطاقة تفتيش من النائب العام بأمر من رئيس الحكومة السيد علي زيدان. في هذه الأثناء كانت الأوضاع تزداد سوء والصراعات داخل المؤتمر الوطني العام تتفاقم وهو ما جعله مضطرا إلى حل نفسه والدعوة إلى انتخابات تشريعية جديدة . وتم ذلك فعلا يوم 25 يونيو 2014 حيث أجريت الانتخابات البرلمانية وفازت بها قوى ما يعرف بالتيار الليبرالي المدني .
وقد كانت البلاد في هذه الفترة في حالة غليان شديدة فالقوى العسكرية والسياسية تتجاذب والوضع الحكومي كارثي من حيث الأداء وهو ما جعل السيد علي زيدان يغادر طرابلس هربا إلى ألمانيا يوم 11 أغسطس 2014 بحماية الزنتان ليخلفه على رأس الحكومة السيد عبد الله الثني وزير الدفاع الذي تمت إقالته من المؤتمر الوطني العام يوم 25 أغسطس 2014 قبل أن يسلم العهدة للبرلمان وسمي مكانه السيد أحمد امعيتيق.
ولكن المحكمة العليا حكمت لفائدة السيد عبد الله الثني ليعود إلى رئاسة الحكومة . وفي هذه الأثناء بدأ الإعداد لعملية فجر ليبيا بعد أن تأكدت غرفة ثوار ليبيا بالتحضير لمحاولة انقلابية بدعم مصري إماراتي على ثوار فبراير وعلى المؤتمر الوطني العام بالاعتماد على كتائب الزنتان.
ويرفض البرلمان الانعقاد في طرابلس ويغادر إلى مدينة طبرق في الشرق الليبي .فانطلقت عملية فجر ليبيا يوم 23 أغسطس 2014 حيث تم إخراج كتائب الزنتان من طرابلس وسيطرت غرفة ثوار ليبيا على العاصمة .
وفي فترة الحرب فر السيد عبد الله الثني بأعضاء حكومته إلى الشرق الليبي واستقر في مدينة البيضاء.
…
البقية في الجزء الثاني بدءً بـ ( ثالثا: المنعرج الكبير والانقسام)
***
مريم الحامدي ـ باحثة تونسية
______________
المصدر: مركز الدراسات الاستراتيجية و الدبلوماسية
