بقلم د. محمد عبدالحفيظ الشيخ

تبحث هذه الدراسة في مدى إمكانية معالجة أزمة النزوح والتهجير في ليبيا بالاعتماد على عملية المصالحة الوطنية، باعتبارها مقاربة لمعالجة التركة التي خلفها النظام السابق.

الجزء السادس والأخير

سادسا: السيناريوهات المحتملة لأزمة النازحين في ليبيا

ومن خلال استقراء معطيات الوضع القائم سنحاول تقديم بعض المشاهد الأقرب حدوثا والأكثر ترجيحا لمشكلة النازحين في ليبيا من خلال السيناريوهات التالية:

السيناريو الأول: تحقيق المصالحة وعودة النازحين

ويرتبط هذا السيناريو بعدة متغيرات أهمها: استقرار الوضع الأمني في ليبيا بشكل عام وفي المناطق التي جرى النزوح منها بشكل خاص، وتوافر الخدمات الأساسية على أقل تقدير من مياه صالحة للشرب وكهرباء ووقود وافتتاح المدارس والمستشفيات، فالنازح المستقر في المدن التي نزح إليها لا يفكر في العودة إلى منطقته الأصلية إلا بعد عودة مستلزمات الحياة الرئيسية، ولهذا فإن هذا السيناريو يتعلق بطبيعة الجهود التي يمكن أن تبذلها الحكومة الليبية بالتعاون مع الجهات المعنية لحل هذه الأزمة.

غير أن هذا السيناريو لا يمكن أن يتحقق بسهولة إلا إذا توافرت جملة من الشروط في مقدمتها وجود نية حقيقية في حل هذه الأزمة من قبل الحكومة، مع تكليف إدارة هذا الملف إلى جهات متخصصة نزيهة بشكل كامل، وإبعاد الفاسدين والإنتهازيين عنه. لكن التجربة الليبية في إدارة مثل هذه الأزمات غالبا ما تعرضت لإخفاقات عديدة، وعليه فإن عودة النازحين السريعة قد تكون صعبة المنال في الوقت الراهن.

السيناريو الثاني: تعثر المصالحة ومن ثم تطاول حل أزمة النزوح (الراجح)

من المستبعد فيما يبدو على الأقل في المدى المنظور حلحلة أزمة النازحين واللاجئين في ليبيا قبل أن يصل الفرقاء الليبيين في الوقت الراهن إلى مصالحة حقيقية تفضي إلى شراكة، وقبل أن يراجع كل طرف منهما (أهدافه، ومواقفه، ومشروعه السياسي، وآليات عمله) بما يسمح بتقارب وطني حقيقي ولو بالحد الأدنى، وبإعادة الثقة بين الأطراف المتنازعة والحد من التدخلات الخارجية السلبية الإقليمية والدولية.

لذلك، ينطلق هذا السيناريو من فروض تتصل بطبيعة دينامية عمل الحكومة الليبية وبطء إجراءاتها في إدارة الدولة، فضلا عن تعثر إدارة الأزمات الطارئة، فقد مضى على أزمة النزوح أكثر من سبع سنوات (منذ2011)، ولم تكن الحكومات الليبية المتعاقبة بأي شكل من الأشكال موفقة في إدارتها، بالرغم من نجاحها في التخفيف من حدة المشكلة، وبالمحصلة العامة يرجح أن تطول أزمة النازحين ووجودهم في المناطق الحالية، بسبب ضعف قدرة الحكومة على إدارة هذه الملفات الشائكة، لا بل يرجح أن تبرز إعداد جديدة من النازحين بسبب الاقتتال الداخلي المستمر الذي يحدث بين الفينة والأخرى.

السيناريو الثالث: القائم على استمرار الوضع على ما هو عليه

يرى هذا السيناريو أن الوضع القائم سوف يستمر لفترة قادمة ويبقى دون تغيير، وذلك لأسباب عديدة، تتمثل في ضعف الدعم الحكومي للنازحين وعدم قيام وزارة النازحين والمهجرين بدورها تجاه المشلكة لقلة المخصصات المقدمة لها والناتجة عن انخفاض الموازنة المالية في ليبيا بسبب تدني أسعار النفط في الأسواق العالمية واعتماد الاقتصاد الليبي عليه بصورة رئيسية، إضافة إلى قلة المساعدات التي تقدمها المنظمات الدولية وعدم قدرتها على سد الحاجة المتزايدة للنازحين.

خاتمة:

يبقى النزوح الداخل أحد القضايا الشائكة والمعقدة، بسبب التحديات المستمرة التي تواجه من يعيشون في أوضاع نزوح مطوّل في ليبيا. إضافة إلى حالات النزوح الأخيرة والمستمرة والمستقبلية على الأرجح/ سيبقى النزوح الطويل الأمد وضعا إشكاليا على نحو استثنائي.

لابد من تحديد حقيقة مفادها أن أزمة النازحين في ليبيا هي نتيجة التداعيات السياسية التي ألقت بظلالها على الاحتياجات الإنسانية للمواطنين، وفي ظل غياب اتفاق ينتج عنه سلطة مركزية واحدة، في هذه الحالة سوف تستمر المعاناة غير المبررة للنازحين داخليا، وستضيف أيضا المواطنين المستقرين حاليا وتضاعف من حجم معاناتهم أيضا.

وعليه، ينبغي التأكيد على أهمية المصالحة الوطنية الجادة التي تستجيب للمطالب الشعبية ودورها في تحقيق والمحافظة على الأمن المجتمعي، كمقاربة لإعادة تنظيم التفاعلات والسلوكيات وفق مبادئ ثقافية قيمية جديدة تتماشى وطبيعة مطالب هذه المرحلة والمعطيات السياسية والاجتماعية الجديدة.

غير أن هذه الأهمية للمصالحة الوطنية تبقى في حاجة ماسة إلى توفر شروط ضرورية على رأسها القدر على بناء توافق اجتماعي عادل وحقيقي بحيث تكون مُلزمة لكل الأطراف لما فيها فواعل المرحلة السابقة تفاديا لأي اضطرابات وانحرافها عن مسارها.

وبذلك فإن عملية المصلحة الوطنية الحقيقية سوف تنعكس إيجابا على النازحين داخليا وعلى عمليات بناء الدولة وعلى احتمالات التعايش المجتمعي والسياسي. وهو ما يعني إن إنهاء أزمة النازحين في ليبيا ونازحي مدينة تاورغاء على وجه الخصوص، يرتبط بنجاح المصالحة الوطنية وقدرتها على بناء توافق اجتماعي عادل وإدارة التنوع الاجتماعي.

لذلك، يبقى من الضروري جدا الاهتمام بحل الإشكالات التي أدت إلى حدوث أزمة النزوح حلا جذريا وذا أثر واضح وكبير في حياة هؤلاء النازحين، أي استلهام الحلول المستدامة حتى لا تتكرر هذه الأزمة وذلك نسبة إلى آثارها الوخيمة التي تتركها في المجتعات عبر الزمن.

***

د. محمد عبدالحفيظ الشيخ رئيس قسم العلوم السياسية، جامعة الجفرة ـ ليبيا

***

نشر البحث في مجلة الدراسات الأفريقية وحوض النيل : العدد الرابع كانون الأول – ديسمبر “2018” وهي دورية علمية محكمة تصدر عن المركز الديمقراطي العربي “ألمانيا –برلين” . وتُعنى المجلة بالدراسات والبحوث والأوراق البحثية عمومًا في مجالات العلوم السياسية والعلاقات الدولية وكافة القضايا المتعلقة بالقارة الأفريقية ودول حوض النيل.

____________

مواد ذات علاقة