بقلم مروان المعشر
الحلول المستدامة لمطالب المحتجين سوف تستوجب عقدا اجتماعيا جديدا، وليس إصلاحات رمزية ضربت عاصفتان شديدتان العالم العربي في العقد الماضي.
ففي سنة 2011، وخلال ما كان يسمى في بادئ الأمر “بالربيع العربي“، أدت الانتفاضات الشعبية إلى استبداد الحكام في جميع أنحاء المنطقة. كما تراجعت الآمال في أن تعلن هذه الحركات الاحتجاجية السلمية عن عصر جديد من الديمقراطية في الشرق الأوسط.
وباستثناء تونس، انتهى الأمر في البلدان التي شهدت الربيع العربي باندلاع اضطرابات أو حروب أهلية مميتة.
الجزء الثاني
الموجات الصادمة
حاولت العديد من حكومات الشرق الأوسط معالجة مشكلة تشويه العقد الاجتماعي القديم من خلال إدخال إصلاحات اقتصادية دون إرفاقها بتغييرات سياسية. وعلى الرغم من أن هذه الإصلاحات كانت تهدف بشكل كبير إلى مساعدة الأنظمة على إحكام قبضتها على السلط، إلا أن بعضها، كان يمكن أن يعود بالنفع على المواطنين.
لكن من دون الإشراف على التحولات الاقتصادية، ستعود الجهود التي تم التخطيط لها بشكل جيد؛ على غرار خصخصة الصناعات التي تديرها الدولة، وتحرير أنظمة التجارة، والاندماج في الاقتصاد العالمي، بالنفع على النخب بدلاً من السكان.
علاوة على ذلك، سيتفشّى الفساد داخل الدولة في ظل غياب هيئات المراقبة مناسبة. وفي الواقع، ربطت معظم شعوب الشرق الأوسط الإصلاحات الاقتصادية في بداية هذا القرن بارتفاع ثروة النخبة بدلاً من تحسين أوضاعهم.
لذلك، انخفض ترتيب العديد من دول الشرق الأوسط في مؤشر مدركات الفساد لمنظمة الشفافية الدولية بشكل كبير. فقد تراجع الأردن من المرتبة 43 (من 133 دولة) سنة 2003 إلى المرتبة 50 (من أصل 178) سنة 2010. وخلال نفس الفترة، انخفض ترتيب مصر من المرتبة 70 إلى المرتبة 98، في حين تراجعت تونس من المرتبة 39 إلى المرتبة 59.
في بعض الحالات، كان كسر العقد الاجتماعي القديم بمثابة حمل يصعب على المجتمعات أن تتحمله. وعلى الرغم من أن هذا العقد الاجتماعي لم يكن بأي حال من الأحوال العامل الوحيد الذي أدى إلى اندلاع شرارة الانتفاضات العربية سنة 2011، إلا أنه ساهم في انهيار العديد من الأنظمة، لا سيما في البلدان التي كانت المؤسسات فيها ضعيفة بالفعل.
كان الرئيس التونسي، زين العابدين بن علي والرئيس المصري، حسني مبارك أول الرؤساء الذين تمت الإطاحة بهم. وفي كل من ليبيا، وسوريا، واليمن، حيث لم تكن الأنظمة مهتمة ببناء مؤسسات راسخة، غمرت المظاهرات شوارع هذه الدول الضعيفة ما أدى إلى انهيار النظام القائم، واندلاع حروب أهلية.
وفي البحرين، فتحت المظاهرات المناهضة للحكومة الباب أمام ظهور حركات التمرد ما أثار غضب النظام الملكي على الرغم من أنه لم يشكل له أي تهديد يُذكر. والجدير بالذكر أن الأنظمة الملكية في الأردن والمغرب واجهت موجة من الاحتجاجات المتواصلة لكنها نجت نسبيا من الاضطرابات.
في دول الخليج، كان لدى الأنظمة حل في متناول اليد. فعلى المدى القصير على الأقل؛ قاموا بضخ الأموال من أجل تهدئة الرأي العام. كما وعد العاهل السعودي الملك عبد الله بتقديم حزمة مساعدات بقيمة 130 مليار دولار شملت تقديم رواتب أعلى ومنح سكن للسعوديين القاطنين هناك.
فضلا عن ذلك، قدمت حكومات أخرى في الخليج عروضا مماثلة، وذلك بفضل ارتفاع أسعار النفط. وفي شباط / فبراير سنة 2011، منحت الحكومة الكويتية لكل مواطن 1000 دينار كويتي (حوالي 3560 دولار) وأطعمة أساسية مجانية لمدة تتجاوز السنة. أما في عُمان، فقد وفرت الحكومة 30 ألف وظيفة إضافية ورفعت من قيمة من المنح الجامعية بنسبة 40 بالمئة.
في الأردن، رد الملك عبد الله على الاحتجاجات من خلال إقرار جملة من الإصلاحات التي ساهمت بشكل مؤقت في درء شعور الاستياء. علاوة على ذلك، ساعدت حزمة المساعدات التي تم جمعها من مختلف دول الخليج والتي بلغت قيمتها خمسة مليارات دولار البلاد على امتصاص الضغط من الشارع.
في المقابل، لم يكن ذلك كافيا لقمع المعارضة حتى اندلعت العاصفة سنة 2014.
كان من المفترض أن تكون انتفاضات سنة 2011 قد قدمت درسا لحكومات الشرق الأوسط مفاده أن الاهتمام الجاد بالحوكمة قد طال انتظاره. في المقابل، بمجرد أن يتم احتواء الضغط، تعود الحكومات إلى عاداتها القديمة على الفور.
فقد عادوا مجددا إلى الاستبداد من خلال ظهور العنف والمعاناة التي برزت في كل من ليبيا وسوريا واليمن، بالإضافة إلى صعود الإسلاميين في مصر، الأمر الذي أدى إلى إحباط عزيمة المواطنين القاطنين في دول أخرى من مواصلة المواجهات مع الدولة.
في آب/ أغسطس سنة 2014، انخفض سعر النفط، الذي وصل إلى أكثر من 140 دولارا للبرميل سنة 2008، إلى أقل من 100 دولار للبرميل. أما خلال سنة 2016، وصل سعر البرميل إلى مستوى متدني بلغ 30 دولارًا للبرميل قبل أن يتعافى سعره ليصل إلى حوالي 70 دولارًا للبرميل، وهو السعر مازال عليه إلى اليوم.
وتجدر الإشارة إلى أنه يجب على المملكة العربية السعودية، إبقاء سعر النفط فوق مستوى 85 – 87 دولار للبرميل بهدف الحفاظ على ميزانية متوازنة وتمويل المساعدات السخية لحكومات إقليمية أخرى.
لذلك، يعني انخفاض سعر النفط أن الحكومة اضطرت إلى تغيير عاداتها في الإنفاق بشكل كبير لتجنب التدين.
علاوة على ذلك، اضطرت دول أخرى على غرار الكويت والإمارات العربية المتحدة، إلى تقليص مساعداتها الإقليمية. وفي جميع أنحاء الشرق الأوسط، لم يعد بوسع منتجي النفط تحمل تكاليف الدولة التي توفر الرفاهية لمواطنيها، ولم يعد بإمكان الدول المستوردة للنفط الاعتماد على المنح التي تمنحها الدول المنتجة للنفط أو على التحويلات المالية التي يقدمها مواطنوها العاملين في تلك الدول لتمويل أنظمة رعاياهم.
أدت نهاية عصر ارتفاع أسعار النفط إلى اندلاع موجة جديدة من الاحتجاجات. فخلال سنة 2018، ارتفعت الأصوات المطالبة بالتغيير في المملكة العربية السعودية. علاوة على ذلك، شهد الأردن احتجاجات في الشوارع لأول مرة منذ الربيع العربي. ويوضح هذان البلدان بشكل خاص تداعيات نهاية الربيع العربي في المنطقة.
ويتمثل البلد الأول، في المملكة العربية السعودية، التي تعد مثالا لبلد منتِج للنفط لم يعد بإمكانه أن يوفر الرفاهية. أما البلد الثاني، فهي المملكة الأردنية، التي تعد مثالا لبلد مستورد للنفط لم يعد يعتمد على أموال النفط من الخارج بهدف تغذية نظام اقتصادي وسياسي غير فعال.
تغيير المقاربات
في المملكة السعودية، ترافقت نهاية الأسعار المرتفعة للبترول مع انتقال السلطة إلى جيل جديد من الحكام، من أبرزهم ولي العهد محمد بن سلمان، المعروف اختصارا بعبارة مبس. وكانت المراجعات الإقتصادية مطروحة في المملكة حتى قبل أن يتمكن الشاب محمد بن سلمان، الذي لا يزال في العقد الرابع من عمره، من تصدر المشهد السياسي.
بداية من سنة 2015، واجهت المملكة عجزا كبيرا في الموازنة، وهو ما كان يعني أنها لم تعد قادرة على تحمل نظام الإنفاق الحكومي السخي على الداخل والخارج. وفي 2017، وصل العجز في الميزانية إلى 61 مليار دولار، أي ما يعادل 9.2 بالمائة من الناتج القومي الخام.
ومن المنتظر أن توجه البلاد تواصل هذا العجز إلى حدود 2023 على الأقل، وكنتيجة لذلك قررت الحكومة السعودية وقف الدعم الحكومي وسمحت برفع أسعار الخدمات.
كما أن التدخلات الإقليمية للمملكة في سوريا واليمن وغيرها، سلطت المزيد من الضغط على الإقتصاد المتعثر. إذ أن الحرب اليمنية بمفردها تشير التقديرات إلى أنها تكلف خزينة المملكة ما بين 6 و7 مليار دولار شهريا.
تعاملت الحكومة السعودية مع هذا الواقع الجديد من خلال حزمة ضعيفة من الإصلاحات، التي من غير المنتظر أن تصحح الأوضاع بشكل كامل. وفي محاولة لإنعاش إقتصادها الذي يشهد ركودا، أعلنت الحكومة عن ميزانية مرتفعة بشكل مبالغ فيه لسنة 2018، دون أن تقدم تفسيرات منطقية حول الكيفية التي تعتزم بها توفير تلك الموارد.
وقد أوقفت الحكومة السعودية دعمها التقليدي للأردن لمدة ثلاث سنوات، وهي لم تعد قادرة على دعم نظام عبد الفتاح السيسي في مصر، بمبالغ تقدر بعشرات مليارات الدولارات التي تدفع سنويا، في إطار برنامج أطلقه السعوديون بعد أن تمكن السيسي من الإطاحة بالحكومة الإسلامية في مصر في 2013.
كما شرعت السعودية في برنامج إصلاحات اجتماعية مثيرة للإعجاب، تتضمن السماح للنساء بقيادة السيارة، وإعادة فتح دور السينما، وتحجيم نفوذ وصلاحيات الشرطة الدينية، في إطار جهود تهدف على الأرجح إلى إرضاء الجيل الجديد من الشباب السعودي، وصرف اهتمامه عن المطالبة بالإصلاحات السياسية.
وسمحت هذه الإصلاحات الاجتماعية لمحمد بن سلمان بكسب شعبية هامة، في صفوف الشباب السعودي. إلا أن معدلات البطالة في المملكة لا تزال مرتفعة: فقد وصلت لحوالي 35 بالمائة في سنة 2017.
والسؤال الآن هل سيقبل الجيل الجديد بالإجراءات التقشفية وفقدان الإمتيازات وبرامج الدعم الحكومي، دون أن تكون لهذا الجيل كلمة في كيفية إدارة شؤون البلاد، في مقابل هذه الإجراءات؟
***
مروان المعشر ـ شغل منصب وزير الخارجية ونائب رئيس وزراء الأردن، وهو نائب رئيس قسم الدراسات في مؤسسة كارنيجي للسلام الدولي
***
المقال الأصلي باللغة الإنجليزية نشر بموقع فورين أفيرز (ترجمة نون بوست)
___________