بقلم د. عمرو حمزاوي

بدأت النقاشات السوسيولوجية والسياسية حول الدول الفاشلة والضعيفة في تسعينات القرن العشرين، فالنظام الدولي الراهن يتوقع من الدول ذات السيادة أن تضطلع على الأقل ببعض الوظائف الأساسية..

مثل ضمان أمن مواطنيها ورفاهيتهم وتمكينهم من التمتع بحرياتهم وحقوقهم الأصيلة كمواطنين وأيضاً تسهيل الأداء السلس للنظام الدولي نفسه.

الدول التي لا تلبي هذه المعايير يرمز إليها بنطاق واسع من المفاهيم كالدولة الضعيفة والهشة والفاشلة والمنهارة.

تطورت كذلك قائمة الوظائف التي تحتاج الدولة القيام بها، من التركيز على دور الدولة في إنشاء سلطة سياسية في رقعة جغرافية معينة لها حدود واضحة وسكان دائمين.

وكذلك احتكار الحكومة لأدوات العنف الشرعي وتمتعها باعتراف دولي إلى الوظائف المركبة المرتبطة بإنتاج جملة واسعة من السلع السياسية والعامة للأشخاص الذين يعيشون ضمن حدود الدولة.

وقد شدد بعض الباحثين على أن تراتبية السلع السياسية والعامة التي وجدت الدولة لتوفيرها هي:

ـ الأمن والأمن الإنساني

ـ مدونات القوانين والإجراءات التي تشكل معًا حكم القانون والنظام القضائي المستقر

ـ وصون الحقوق المدنية والحريات

ـ وتوفير الرعاية الصحية ومؤسسات التعليم العامة والبنى التحتية الأساسية

ـ وخلق إطار مالي ومؤسّسي ناجع يستطيع المواطنون في إطاره أن يسعوا إلى الترقي الاجتماعي والاقتصادي.

الدول القوية تلبي كل هذه المتطلبات وتبرم معنويا عقدا اجتماعيا مع المواطنين تكتسب بموجبه الشرعية في مقابل توفير السلع السياسية والعامة.

الدولة الضعيفة

أما الدول الضعيفة أو الفاشلة فتتسم بـ:

ـ انهيار القانون والنظام العام حيث تفقد مؤسسات الدولة احتكارها لشرعية استخدام العنف

ـ وتكون غير قادرة على حماية مواطنيها أو

ـ تستخدم أدوات العنف الشرعي لقمع المواطنين وإرهابهم.

تتسم الدول الضعيفة والفاشلة أيضا بـ:

ـ قدرة ضعيفة أو متلاشية لتلبية حاجات المواطنين ورغباتهم

ـ والعجز عن توفير الخدمات العامة الأساسية

ـ والعجز عن ضمان رفاه المواطنين

ـ والإخفاق في دعم النشاط الاقتصادي

كما أنها وعلى المستوى الدولي ..

ـ تفقد المصداقية وينظر إليها كمصدر لتهديد الأمن والاستقرار العالميين.

الدولة المنهارة

أما الدولة المنهارة فهي:

ـ صيغة متطرفة من صيغ الدول الضعيفة والفاشلة

وتتميّز

ـ بوجود فراغ في السلطة حيث تصبح الدولة مجرد بقايا وجود جغرافي

ـ ويحصل المواطنون على السلع السياسية والعامة من خلال وسائط خاصة

ـ ويصير الأمن موازيا للقوة

العديد من الأسباب يمكن مناقشتها حين تفسير ضعف وهشاشة الدولة ومن ثم فشلها؛

ـ التوترات الإثنية،

ـ والصراع على الموارد الطبيعية،

ـ والفشل السياسي وفشل الحوكمة،

ـ والخلل والتصدعات في نموذج الدولة ـ الأمة نفسه.

تفشل الدول أيضا حين تحضر قيادة مدمرة لتماسك المؤسسات وقدرتها على الاضطلاع بالوظائف الأساسية.

فرغم أن التوترات والصراعات تفسر انهيار الدولة وفشلها، إلا أن أخطاء القيادة قد تدمر دولا قابلة للبقاء والاستمرار.

والحال أن سلسلة القرارات التي يتخذها الحكام والنخب الحاكمة هي التي تفرغ بالتدريج مؤسسات وقدرات الدولة من مضمونها وتفصل الدولة عن المجتمع وتولد حركات معارضة عنيفة وتشعل الحروب الأهلية.

وفي بلاد العرب، يتنامى ضعف الدولة الوطنية وتتآكل شرعيتها المجتمعية. الدولة الوطنية بات وجودها مهددا في بعض البلدان، وكاد يفقد المعنى والمضمون في بلدان أخرى ويتوارى مشروعها التحديثي في بلدان ثالثة.

في العديد من الحالات العربية أخفقت الدولة الوطنية إما في إنجاز مهمة دمج قوى وكيانات المجتمع في إطار حكم القانون ومواطنة الحقوق المتساوية وبشيء من التوزيع العادل للثروة أو في تحقيق الأهداف التنموية وتقديم الخدمات الرئيسية التي وعدت بها في قطاعات حيوية كالتعليم وفرص العمل والصحة والضمانات الاجتماعية أو في المهمتين معا.

الكثير من ظواهر وتحديات السياسة العربية اليوم يرتبط مباشرة وعضويا بإخفاق الدولة الوطنية، من غياب الأمن وتأجج التوترات الأثنية والصراعات المذهبية والمحاصصات الطائفية والحروب الأهلية إلى تردي المرافق العامة وغياب فرص التنمية المستدامة.

في بلاد العرب، تتفتت مؤسسات الدولة الوطنية أو تتراجع قدراتها لتعجز عن فرض حكم القانون وتعميم مبدأ مواطنة الحقوق المتساوية وتهميش الكيانات الأولية المذهبية والعرقية والقبلية والطائفية كمهمات تحديثية مركزية لا وجود للدولة دونها.

وتهيمن قيادات ونخب حاكمة توظف المتبقي من أدوات الدولة إما للتوزيع غير العادل للموارد العامة على المواطنين أو للسيطرة الأمنية على المجتمع وتهديد المواطنين بالقمع حال الامتناع عن تقديم فروض الولاء والطاعة للحكام.

***

د. عمرو حمزاوي ـ عالم سياسة، ناشط حقوقي، ومفكر مصري. وأستاذ السياسة العامة بالجامعة الأمريكية في القاهرة وعضو سابق بمجلس الشعب المصري عن انتخابات 2012.

___________

مواد ذات علاقة