بقلم علي عبد اللطيف اللافي
عرف المشهد الحزبي في ليبيا ما بعد انتخابات جوان 2014، تغيرات كبيرة على اعتبار ترتبات الصراع، وقد كانت التغييرات نوعية نتاج الأحداث والمنعطفات التي عرفتها الحياة السياسية بعد أمضاء اتفاق الصخيرات في صائفة 2015 وكل ذلك أفضى في النهاية الى حكومتي طبرق وطرابلس.
إلا أنه ونتاج تواصل الخلافات والصراعات العسكرية والاختلاف في تحييد بُنود الاتفاق السياسي وتطورات الأسابيع الماضية وطنيا وإقليميا ودوليا وتهاوي خياري “القذافي2” و”سيسي ليبيا”، بدا واضحا وجود ملامح عديدة لإعادة تشكّل ذلك المشهد،
خاصّة في ظل استعدادات مختلف الأحزاب والقبائل للاستحقاقات الانتخابات التشريعية والرئاسية ونتاج الموقف من تطورات موضوع التنظيمات الإرهابية في ليبيا والتي يُراد إعادة توطينها في الجنوب الليبي بعد ضرب بنيتها التنظيمية الرئيسية وسحقها في سرت منذ صائفة من طرف قوات البناين المرصوص 2016،
ورغم غلبة البُعد القبلي وعقليتي “الغنيمة” و”الغلبة” وتواصل التأثر بمنطق ترذيل الأحزاب عبر الاستحضار الفعلي لقول الملك إدريس أن “الأحزاب رأسها في الخارج وذيلها في ليبيا” أو تواصل مؤثرات محاولات القذافي تكريس منطق “من تحزب خان”، فإن المشهد الحزب الليبي سيعرف تحولات نوعية وتقلبات في الاصطفافات خاصة عندما ستتوضح خارطة المترشحين للرئاسيات القادمة لو كتب لها أن تجرى في نهاية السنة الحالية أو منتصف السنة المقبلة…
فأيّ مشهد يُمكن تصوّره قبل تلك الانتخابات التي تعمل البعثة الأممية الرابعة على إنجازها على ضوء جولة أخرى للحوار في شهر أغسطس/أوت المقبل؟
اولا: الليبراليون
يتشكل الليبراليون في ليبيا في تنظيمات وأحزاب هي أقرب للصورية باستثناء بعض الأحزاب التي لها حضور سياسي واعلامي وبإمكانها أن تكون مستقبلا قُوى سياسية فاعلة:
أ– حزب “تحالف القوى الوطنية”
لا يزال محمود جبريل زعيما له رغم انتخاب أمين عام له، وهو أهم الأحزاب العربية التي أثبتت طابعها الليبرالي، وقد تأسس سنة 2012 واستطاع الفوز في انتخابات 2012 وأيضا 2014، وقد عقد مؤتمر انتخابي له بتونس في 2017، له حضور في أغلب المدن الليبية وله قدرات مادية ولوجستية وارتباطات كبيرة في المحاور العربية وعلاقات مع أحزاب مصرية وتونسية وأوروبية،
مستقبله مرتبط بتطور الأوضاع الإقليمية وقدرته على بناء علاقة تنافسية وائتلافية مستقبلا مع التيار الإسلامي في ليبيا، وقد تم الحديث في الأسابيع الماضية أن جبريل لجأ الى ابراز مسميات ليبيرالية جديدة مرتبطة به نتاج فقدان حزبه للعوامل المؤثرة في المشهد السياسي وقد عقد الحزب اجتماع مع ما يسمى بــ”التكتل المدني الديمقراطي”(بقيادة الدكتور محمد سعد) ….
ب– حزب الجبهة الوطنية
هو حزب ليبرالي تأسس سنة 2012، وهو حزب له القدرة على استرجاع اشعاعه التاريخي بإعتباره امتداد للجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا التي تأسست في 07 أكتوبر 1981، ويقوده حاليا الدكتور “عبد الله الرفادي” و”الدكتورة فيروز النعاس” والذين تم انتخابهما في المؤتمر الخير للحزب (تم عقده بداية السنة الحالية)، ويُصنف حزب الجبهة الوطنية مع الأحزاب الليبرالية والتقدمية ويطالب بحكومة ديمقراطية ومدىً معيناً من اللامركزية، معارضاً في الوقت نفسه النظام الفيدرالي، وهو حزب مرشح لأدوار سياسية مستقبلية واستقطاب الناخب الليبية في الجهتين الشرقية والغربية…
ت– تجمع الوطنيين الأحرار
هو تجمع سياسي ليبرالي رغم أنه يضم بعض المكونات الأقرب للمحافظة، وهو تكتل سياسي ظهر بداية سنة 2017 بعد تقييم ونقاشات بين فاعلين سياسيين ليبيين بقيادة رئيس الوزراء الأسبق عمر حاسي، وله حضور سياسي في بعض المدن الغربية كما أن بعض قياداته فاعلين في مجموعة العمل الدولية …
ث– حزب الليبيين الأحرار
حزب يتكون من عدد من اطياف المجتمع الليبي، ويرأسه المحامي محمد إبراهيم العلاقي ويعمل على قيام دولة المؤسسات الدستورية وسيادة القانون وعلى اقتصاد وطني حر، ومن بين أعضاء الحزب “فتحي البعجة” و”سعد المريمي” و”أنور فكيني” والمحامية “نيفين عبد الحميد” و”عبد السلام قديمش”، وهو من الأحزاب التي قد تمثل مفاجأة في الأحزاب الليبرالية خلال السنوات القادمة…
ج– حزب تيار الوسط
وهو حزب أسسه الدكتور علي الترهوني والذي ترأس هيئة الستين وقد كان من بين الحاضرين في اجتماع باريس.
ح– حزب التغيير
هو حزب ليبرالي بقيادة جمعة القماطي وقد شهد انقساما سنة 2014 نتاج اصطفاف عددا من قياداته مع عملية الكرامة بقيادة اللواء المتقاعد خليفة حفتر…
د– أحزاب ليبرالية أخرى
من بين حوالي أكثر من 70 حزبا ليبراليا يوجد أكثر من 15 حزبا ليبيا ذا توجهات ليبرالية ووسطية على غرار أحزاب “التجمع الوطني الليبي” (قابلت قيادته نائبة سلامة للشؤون السياسية) و”حزب الاستقلال المحافظ” و”حزب الوسط الليبي” و”حزب شباب ليبيا” و”حزب الوفاق الليبي” و”حزب التنمية والرخاء الديمقراطي”….
ثانيا: الإسلاميون
واقعيا وفي ظل ما يحصل في تونس ومصر واليمن وسوريا، ونتاج تطورات الساحة الليبية بين 2013 و2014، وما حف بفعل التيار الاسلامي الليبي بين سنتي 2015 و2018 سيبقى التناغم بين الاخوان وبقية مكونات التيار الإسلامي أمرا لا مفر منه، ذلك أن الإسلاميين في ليبيا ينقسمون إلى تيارات وأحزاب وجماعات تبدو غير مُتجانسة في الغالب،
والإسلاميون الليبيون على تناغم مُتفاوت مع الأطروحات السياسية لــ”حزب العدالة والبناء” بما في ذلك بعض الأحزاب المُقنّنة والصغرى، أما التيارات السلفية فهي مُتنوّعة التركيبة مختلفة الرؤى في موقفها وانسحب بعضها من الساحة بعد تورط بعض فصائلها في الإرهاب اختيارا منها أو عبر اختراقها وتوظيفها من أطراف داخلية وخارجية،
وعمليا يبقى التيّار الإسلامي الليبي قادرا على تجاوز اختلافاته وتناقضاته لطبيعة المرحلة الراهنة على المدى المتوسط رغم صعوبة القدرة على تشكيل تحالف إسلامي واسع، سيعمل “العدالة والبناء” على محاولة تلمس واقع سياسي متقلب يوميا وطنيا وإقليميا خاصة بعد تراجعه في انتخابات 2014، وسيحاول كحزب إسلامي ورئيسي التواصل مع كل الإسلاميين للحفاظ على امتداد شعبي في حد أدنى على الأقل للمحافظة على قاعدته الصلبة من الناخبين الموالين لخياراته العامة ولكسب رهان الانتخابات التشريعية وخاصة على مستوى الافراد كأفق مرحلي للعودة القوية في كل المحطات الانتخابية القادمة…
أ– حزب العدالة والبناء
و يعتبر عمليا الذراع السياسي لإخوان ليبيا وقد شهد خلال السنوات الماضية تباينا كبيرا بين مختلف قياداته السياسية ورغم ذلك ما زال قادرا على مفاجأة خصومه السياسيين في مواقع مختلفة والثابت أن حجمه الانتخابي قد يتقلص بسبب تغير المعطيات سواء نتيجة لأداء الحزب تجاه أنصاره ومناضليه أو بسبب تبنيه لخيار سياسي شبيه بحركة النهضة في تونس، أو نتيجة عوامل أخرى،
ولكن لا يمكن تجاهل أن الحزب قوي تنظيميا وقادر على إدارة الاختلاف داخله بل وتوظيفه إيجابيا وسياسيا كما أنه قادر خلال الأشهر القادمة على القيام بالمبادرات واكتساب الاشعاع الخارجي واحترام كل القوى الإقليمية والدولية، مع أن مصادر مطلعة تؤكد أنه قد يعمد الى عملية تشبيب لإطاراته المركزية والجهوية مه احتفاظ الرئيس الحالي للحزب محمد صوان برئاسة الحزب …
ب– حزب الوطن
وهو حزب أسسه عبد الحكيم بلحاج سنة 2012 وهو الذراع السياسي للحركة الإسلامية للتغيير (الوريث السياسي للجماعة الليبية المقاتلة) وعمليا يصعب استقراء قدرات الحزب الحالية أو خياراته المستقبلية نتاج تكتم مؤسسيه حول أجنداتهم وخياراتهم السياسية…
ت– أحزاب إسلامية أخرى
تأسست سنتي 2011 و2012 عددا من الأحزاب الإسلامية ونشطت حتى سنة 2015 الا أنها تعتبر حاليا منتهية الصلوحية نتاج انصهارها في أحزاب أخرى أو تفككها التنظيمي على غرار “حزب الإصلاح والتنمية الليبي” أو “الحزب الليبي للتنمية” أو حزب “الاصالة” (بقيادة عبدالباسط غويلة)، وهي أحزاب صغرى سيقتصر دورها حتى لو عادت للساحة بشكل او بآخر على ان تكون مسميات ضمن ائتلافات حزبية،
وبالنسبة لأحزاب أخرى ورغم وجودها القانوني أو الهيكلي لحد الآن فإنها مفككة سياسيا وتنظيما على غرار حزب الأمة الوسط، والذي تم تأسيسه من طرف أهم قيادات الحركة الإسلامية للتغيير (وريثة “الجماعة الليبية المقاتلة”) على غرار المٌفتي الأسبق للمقاتلة “سامي الساعدي”، وعمليا لم يعد أي وجود يذكر للحزب من حيث النشاط السياسي أو الإعلامي وتكتفي عناصره وقياداته بأنشطة ثقافية ودينية…)
حزب الرسالة، وهو الذراع السياسي لتنظيم إسلامي يسمى “التجمع الإسلامي” والذي عاد إعلاميا لمسرح الأحداث إثر عضوية أهم قياداته للمجلس الرئاسي الحالي، والمقصود هنا هو “محمد لعماري زايد” …
***
علي عبد اللطيف اللافي ـ كاتب ومحلل سياسي تونسي مختص في الشؤون الافريقية
__________________