بقلم المهدي ثابت
لا يزال الحل في ليبيا بعيد المنال. فالأزمة متفاقمة سياسيا وعسكريا واقتصاديا والتدخل الدولي على أشدّه وخارطة الطريق الأممية أضاعت الطريق. والأوضاع في البلاد مرشحة لكل الاحتمالات.
الحالة في الشرق تزداد سوءا، والمنطقة الغربية مرشحة للاشتعال في كل وقت، والجنوب أضحى مقاطعة خارج اهتمام الدولة وسيطرتها.
فهل تتغلب لغة العقل والحكمة على كل المؤامرات ؟
أم تدخل البلاد في فصل جديد من الصراع الدامي نعرف بدايته ولا نعرف نهايته؟. إن صراع الثورة والثورة المضادة على أشده ولا أحد يعرف مصير البلاد.
فهل سينتصر الحل السياسي أم أن الخيار العسكري سيكون الخيار الأخير والذي قد يكون مدمّرا.
الجزء الأول
لم تبلغ حالة الصراع بين الثورة والثورة المضادة ما بلغته اليوم من حدة ووضوح. فالمعادلة أضحت كاملة الجلاء:
ـ إما حكم مدني يقطع مع حكم العسكر ويؤسس لدولة الدستور والقانون والمؤسسات،
ـ أو دولة العسكر والاستبداد التي تفصل نموذج الحكم والدستور على مقاسها بما يضمن هيمنتها ودوامها على حساب الموروث الثوري، بما يحمل من قيم ومبادئ وأهداف.
إن الصراع القائم في البلاد ليس فقط مجرد صراع بين قوتين في الداخل تختلفان في المنطلقات والمنهج بل هو صراع دولي غايته النهائية السيطرة على مقدرات البلاد من ثروات واستثمارات.
وللانصاف فإن الثورة المضادة التي يقودها خليفة حفتر تحت شعار الكرامة هي من كرّست التدخل الدولي السافر في الصراع القائم. بينما يفتقر الطرف المقابل المتمثل في خط الثورة للطرف الدولي القوي الذي يسنده في صراعه.
وهذا ما جعل من الكرامة على ضعفها طرفا رئيسيا في المعادلة لا يمكن تجاوزه. إذ ليس من السهل استشراف مستقبل الصراع في البلاد ما لم يقع تفكيك تناقضات الساحة الداخلية وطبيعة التدخل الدولي والاقليمي من خلال التأثير على الأطراف الرئيسية الثلاث وهي: حكومة الوفاق الوطني وتيار الثورة وتنظيم الكرامة.
حكومة الوفاق: واقع الضّعف والتبعيّة
رغم الاعتراف الدولي الذي تحظى به هذه الحكومة تظل على أرض الواقع في حالة ضعف شديد. فهي ليست لها القدرة على التدخل الفعلي لفض النزاعات لصالح الاستقرار في البلاد.
بل إنها عاجزة حتى أن تكون طرفا محايدا في الصراع القائم لأنها واقعة تحت ضغوط شديدة مسلطة عليها من أطراف إقليمية ودولية متنفذة سياسيا وعسكريا وأمنيا في البلاد. وليس في الشرق فقط، بل في المنطقة الغربية ايضا حيث الثقل الديمغرافي والعسكري والاقتصادي وحيث العاصمة بما تمثله من أهمية إستراتيجية.
إن مواقف السراج تظهر بوضوح أنه اقرب إلى الأطراف المتحالفة مع فرنسا والإمارات ومصر. وهذه الدول بالنسبة للمراقب للشأن الليبي يدرك مدى نفوذها القوي جدا في البلاد وهو ما لا يستطيع السراج تجاوزه. وهذا ما ألّب عليه تيارا عريضا في الشارع، وكذلك كل القوى السياسية المحسوبة على خط فبراير.
والحديث اليوم عن إعداد واستعداد لاقتحام العاصمة طرابلس من المدن المحسوبة على الثورة يبقى أمرا قائما رغم التوجه الدولي المصر على ضرورة بقاء العاصمة آمنة، ذلك أن تيار الثورة بدأ يشعر فعلا أن مصير الثورة والثوار في خطر أمام تغوّل المشاريع الأجنبية في البلاد وخصوصا المشروع الإماراتي المصري المدعوم بقوة من فرنسا.
تيار فبراير : غياب المشروع وتخبّط الأداء
لا يزال تيار ثورة 17فبراير هو التيار الأقوى في البلاد رغم غياب الوحدة داخل مكوناته بفعل غياب المشروع السياسي والحقوقي الذي يجمعه تحت مظلة واحدة. لقد ظل هذا التيار طيلة السنوات الماضية (من بعد عملية فجر ليبيا سنة 2014) يتعاطى مع الأحداث والمتغيرات بردات الأفعال بعكس المشروع المضاد (تيار الكرامة) الذي كان يتحرك وفق خطط ورؤى مدروسة تشرف عليها غرف عمليات أجنبية، وهو ما مكنه من التمدد خصوصا في شرق البلاد وجنوبها وفي بعض مناطق المنطقة الغربية.
إن حالة الفرقة والضعف الذي يعرفها تيار الثورة لها أسبابها المتعددة. ومن أهم تلك الأسباب:
ـ غياب الشخصية الكاريزمية الجامعة التي تحمل مشروعا واقعيا يراعي معطيات الداخل والخارج والقادرة على التجميع والتوفيق بين مختلف الفرقاء داخل هذا التيار.
ـ والسبب الثاني، والأهم في حالة الفرقة، هو توغّل الأجندات الأجنبية داخل هذا التيار ومحاولة جر بعض مكوناته إلى مربعات أخرى قد تصل إلى حد العداء مع ثورة فبراير.
إن كل القوى الأجنبية التي تتحرك داخل الساحة الليبية تدرك أهمية تيار الثورة ولذلك تعمل على إضعافه وتدجينه، وقد تمكنت من ذلك إلى حد معين. كما أن حكومة الوفاق بقيادة السراج تسعى جاهدة إلى استيعاب قيادات تراها مؤثرة في هذا التيار وذلك في محاولة منها لإضعافه قدر الإمكان ليستقر لها الأمر في المنطقة الغربية حيث الوجود القوي للتنظيمات السياسية والعسكرية المحسوبة على الثورة.
ولكن يبقى هذا التيار قادرا على لملمة صفوفه وتجاوز خلافاته متى أسس لنفسه مشروعا سياسيا يخاطب به الداخل والخارج.
الكرامة: مشروع العسكرة والثّورة المضادّة
يعلم الجميع أن هذا المشروع ولد في ليبيا مباشرة بعد الانقلاب العسكري على الشرعية في مصر سنة 2013. وانتقل مباشرة إلى الشرق قرب الحدود المصرية. ومن هناك بدأ العمل الفعلي عبر التعاون الاستخباراتي والعسكري مع الجارة الشرقية التي ترى في الثورة الليبية خطرا يهدد كيان حكم العسكر في البلاد.
إن الكرامة هي مشروع إماراتي مصري بامتياز لا علاقة له بمحاربة الإرهاب بل الغاية وأد الثورة الليبية وإحلال حكم العسكر مكانها. لقد وفرت دولتا مصر والإمارات كل الأسباب الضرورية من سلاح ومال واستخبارات وإعلام لهذا التنظيم طيلة السنوات الأربعة الفائتة ومكنته من السيطرة على المنطقة الشرقية من البلاد.
لقد تمكن مشروع الكرامة إلى حد الآن من تصفية كل ثوار المنطقة الشرقية ومنع فيها الإحتفال بثورة فبراير. وهو يسعى الآن إلى التمدد داخل المنطقة الغربية برعاية إماراتية مصرية فرنسية.
إن تنظيم الكرامة بسيطرته على الهلال النفطي الشريان الرئيس للاقتصاد بالبلاد يظل يمسك بأهم ورقة تفاوضية على الإطلاق في الداخل والخارج وتجعل منه رقما رئيسا في معادلتي الحرب والسلم. وسنوضح ذلك أكثر عند حديثنا عن معركة الهلال النفطي الأخيرة.
وأيضا لا بد من الإشارة إلى أن هذا التنظيم استغل حالة الفرقة الداخلية لتيار الثورة وغياب المشروع الاستراتيجي ليوطد لنفسه موطئ قدم في المنطقة الغربية . ويطمح عبر الضغط على حكومة السراج من الإمارات وفرنسا لفرض أجندة سياسية تصب في مصلحته في النهاية.
ومن ذلك إجراء انتخابات رئاسية وتشريعية قبل إقرار الدستور.
ومن المفارقات السياسية العجيبة في ليبيا أن مشروع الكرامة لا يعترف بالإتفاق السياسي ولا يعترف بحكومة السراج ولا بالمجلس الأعلى للدولة. ورغم ذلك نجد السراج يهادن هذا التنظيم بل لم يندد بأي جريمة من جرائمه في حق الليبيين، رغم أنها موثقة لدى محكمة الجنايات الدولية ولدى منظمات حقوق الإنسان.
وهذا يدلّ على أن السراج قراره مرتهن لدى قوى إقليمية ودولية تشتغل ضد مصلحة ليبيا ومصلحة الثورة وأيضا لدى كتائب عسكرية مسيطرة على العاصمة طرابلس وهواها ليس مع فبراير.
***
المهدي ثابت ـ باحث بمركز الدراسات الاستراتيجية والديبلوماسية
___________