مع تعقد الأوضاع الأمنية في ليبيا بدخولها في خِضم صراع سياسي ومسلح فاقمته التدخلات الخارجية لا سيما الإقليمية منها، بدأ القادة السياسيون والعسكريون في نظام القذافي، والمعروفين بمواقفهم المناوئة لثورة فبراير/شباط 2011 بالعودة إلى المشهد الليبي من جديد،

حيث أصدر النائب العام الليبي قرار الإفراج عن عدد من رموز نظام القذافي، في خطوة قد تفسح المجال أمام عودة أنصار القذافي إلى النشاط مرة أخرى داخل البلاد بعد غياب لسنوات.

الجزء الأول

إلى المشهد الليبي مجددًا

إخلاء سبيل رموز من نظام القذافي قرار أقره النائب العام في العاصمة طرابلس، وتم بموجبه الإفراج عنهم بعد سنوات من السجن على خلفية حالتهم الصحية، كما جاء تقرير من قسم الإفراج الصحي بمكتب النائب العام، قال بشأنه مدير مكتب التحقيقات بمكتب النائب العام الليبي الصديق الصور إن التقرير تولى إعداده مجموعة من الأطباء أكدوا أن حالة دوردة ورفاقه الصحية حرجة ويتعذر علاجهم داخل السجن، وعليه يتوجب الإفراج عنهم بناءً على هذا التقرير.  

وأثارت قضية الإفراجات الصحية عن مسؤولين سابقين في ليبيا ردودًا متباينة، بين من اعتبرها خطوة مهمة نحو المصالحة ولم الشمل، ومن يرفضون قرار الإفراج بحجة ارتكاب النظام السابق جرائم إبان حكم القذافي، وبالنسبة للبعض الآخر كان قرار الإفراج عن هؤلاء مفاجئًا لكنه لم يكن صدفة، وليس بسبب الوضع الصحي للمتهمين كما يدعي المسؤولون.

وتكمن حساسية الموضوع في الثقل السياسي والعسكري للشخصيات المفرج عنها، فأبو زيد دوردة (74 عامًا) آخر رئيس لجهاز الأمن الخارجي في النظام السابق،

ومن أهم الشخصيات التي شكلت أركان حكم القذافي إبان عهده الذي امتد لأكثر من 40 عامًا، إذ تولى العديد من المناصب القيادية منذ عام 1970، أهمها وزيرًا للخارجية ومندوبًا عن ليبيا في الأمم المتحدة ورئيسًا للوزراء، قبل أن تنتهي سلسلة مناصبه برئاسة جهاز الأمن الخارجي عند سقوط النظام.

وفي سبتمبر/أيلول عام 2011 قبض على دوردة في منزله بمنطقة الرحيبات غرب البلاد، وقدم للمحاكمة بعد سجنه ليواجه تهمًا منها إهدار المال العام وسوء التصرف فيه وقمع ثورة فبراير، لتصدر محكمة استئناف طرابلس في يوليو/تموز من عام 2015 حكمًا بالإعدام رميًا بالرصاص بحقه وحق عدد آخر من رموز حكم القذافي.

وتكمن حساسية الموضوع في الثقل السياسي والعسكري للشخصيات المفرج عنها، فأبو زيد دوردة (74 عامًا) آخر رئيس لجهاز الأمن الخارجي في النظام السابق، ومن أهم الشخصيات التي شكلت أركان حكم القذافي إبان عهده الذي امتد لأكثر من 40 عامًا، إذ تولى العديد من المناصب القيادية منذ عام 1970، أهمها وزيرًا للخارجية ومندوبًا عن ليبيا في الأمم المتحدة ورئيسًا للوزراء، قبل أن تنتهي سلسلة مناصبه برئاسة جهاز الأمن الخارجي عند سقوط النظام.

وفي سبتمبر/أيلول عام 2011 قبض على دوردة في منزله بمنطقة الرحيبات غرب البلاد، وقدم للمحاكمة بعد سجنه ليواجه تهمًا منها إهدار المال العام وسوء التصرف فيه وقمع ثورة فبراير، لتصدر محكمة استئناف طرابلس في يوليو/تموز من عام 2015 حكمًا بالإعدام رميًا بالرصاص بحقه وحق عدد آخر من رموز حكم القذافي.

الإفراج شمل أيضًا عددًا من المسؤولين البارزين الذين يُطلق عليهم أنصار القذافي” ومجموعة من الضباط السامين، على رأسهم الضابط في الشؤون الإدارية بإدارة الاستخبارات العسكرية  عبد الحميد عمار أوحيدة، وهو من الشخصيات العسكرية التي لم تبرز بشكل كبير إبان حكم القذافي إلا في العقد الأخير من عمر النظام، إذ تولى منذ عام 2009 منصب مساعد مدير إدارة الاستخبارات العسكرية، وعقب الثورة صدر بحقه حكمًا بالإعدام على خلفية تورطه بأعمال قمع للمتظاهرين.

بالإضافة إلى ذلك، كان معاون رئيس أركان الدفاع الجوي لشؤون الطيران  عبد الكريم الكاديكي  الذي حُكم عليه بالسجن لمدة 12 سنة وحرمانه من الحقوق المدنية، والكاديكي من الشخصيات العسكرية التي تعد في الصف الثالث من حيث الأهمية في نظام القذافي، إلا أنه تولى إبان اندلاع الثورة رئاسة أركان الدفاع الجوي، مما جعله هدفًا للمحاكمات بسبب مشاركته في قمع الثورة.

وتحتضن السجون الليبية في طرابلس ما يقارب 30 شخصية بارزة في عهد القذافي صدرت بحقهم أحكام قضائية متفاوتة عام 2015، أبرزهم أمين اللجنة الشعبية العامة (رئيس وزراء) البغدادي المحمودي  ورئيس جهاز الاستخبارات في نظام القذافي وصهره عبد الله السنوسي.

بين المصالحة الوطنية والثورة المضادة

الإفراج مثّل حلقة جديدة في مسلسل تواتر الأحداث وتداخلها في ليبيا، حيث يرى البعض أن هذه الخطوة تعد تتويجًا لجهود الثورة المضادة، فضلًا عن كونها سببًا في تعميق الخلافات داخل المدن الليبية التي تشهد حربًا طاحنة تتنازعها جماعات مسلحة متصارعة في ظل فوضى ودون حكومة مركزية، رغم كل الجهود الدولية المبذولة لتحقيق الاستقرار والمصالحة الوطنية.

ووسط تساؤلات عن تأثيرات ذلك، لاقى القرار ترحيبًا من جانب اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان بليبيا التي أكدت أنه يعزز ويوطد جسور وأسس الحوار والمصالحة الوطنية، وقالت في بيان لها مثل هذه المبادرات سوف تسهم بشكل كبير في دعم جهود المصالحة الوطنية الشاملة والتوافق الاجتماعي والوطني وطي صفحة الماضي واستشراف آفاق المستقبل لبناء الوطن ولم شمل أبنائه“.

هذا الأمر أكده أيضًا محامي سيف القذافي  خالد الغويل  بالقول إنه بعد المبادرة الفرنسية كل الأطراف السياسية الآن تسعى للمصالحة الشعبية، وذلك لن يتحقق إلا من خلال الإفراج عن المسجونين غير المتورطين في أي حوادث دموية.

ترجع أسباب دعم رجالات النظام السابق للمشير حفتر إلى تمكينهم من قانون العفو عن مرتكبي الجرائم خلال انتفاضة 2011

في المقابل يرى آخرون أن القرار سياسي ويأتي في إطار الثورة المضادة، فالقرار يعطي مؤشرًا خطيرًا على قيام المتنفذين في السلطة بإعادة تمكين رجال النظام السابق من جديد، ما يعني فشل المرحلة الانتقالية لما بعد الثورة، فربما يعود أنصار القذافي إلى السلطة من خلال تحالفات استراتيجية ودعم للمشير حفتر.

وترجع أسباب دعم رجالات النظام السابق للمشير حفتر إلى تمكينهم من قانون العفو عن مرتكبي الجرائم خلال انتفاضة 2011 الذي أصدره مجلس النواب الليبي في طبرق في 28 من مايو/أيار 2015، بهدف إعادة المنفيين في تونس ومصر، ومن شأنه – بحسب المؤيدين له العمل على رأب الصدع وتحقيق المصالحة الوطنية الشاملة في ليبيا.

وكانت قوى الثورة في ليبيا قد نجحت في إقرار قانون العزل السياسي عام 2013 عن طريق المؤتمر الوطني العام قبل أن يلغيه مجلس النواب الليبي عام 2014، ويقر على أنقاضه قانونًا للمصالحة الوطنية والعفو العام، يقضي بالإفراج عن كل السجناء السياسيين المتورطين بجرائم مرتكبة بعد 15 من فبراير/شباط 2011، مع استثناء بعض القضايا الجنائية وأخرى تتعلق بالإرهاب، بذريعة تنفيذ قانون العفو.

وجاء هذا القانون لخدمة أنصار النظام السابق، فقد جاء بالتزامن مع إصدار حكم بالإعدام رميًا بالرصاص على سيف الإسلام القذافي، الأمر الذي دفع كتيبة أبو بكر الصديق التابعة للقوات المنبثقة عن مجلس نواب طبرق التي يقودها اللواء المتقاعد خليفة لإطلاق سراح سيف الإسلام معمر القذافي، بعد اعتقاله منذ أكثر من أعوام، الأمر الذي لا يراه البعض أنه يمت بصلة إلى الإجراءات القانونية“.

______________

مواد ذات علاقة