بشكل عام يتوزع الإعلاميون وواجهات الإعلام في ليبيا على أطراف الصراع السياسي والاجتماعي ومشتاقات الصراع من الاقتتال الأهلي، وتتحصل ثمنا لذلك على دعم مشروط، يفرض على كثير من الصحفيين والإعلاميين التبعية للممول المحلي والأجنبي.
أنتجت هذه التبعية خطابا متطرفا في اتجاه دعم الصراع وتبريره وتحويل الواجهات الإعلامية إلى إدارات لدعم الاقتتال والانقسام وتبريره ليس فقط بتأويل الوقائع، وإنما باختلاق الكثير من الوقائع المزورة، بل واستئجار من يخرج كشهود عيان وذلك منذ الأشهر الأولى لأحداث فبراير.
وسوّق الإعلام المصطلحات والأوصاف التي تنزع على الخصوم الشرعية مثل: الثورة المضادة، والإرهاب، والانقلاب، والمنتهية ولايته، وقادت واجهات إعلام كل طرف حملات لإسقاط شرعية الأطراف المقابلة، ولتحقيق ذلك تم استضافة قانونيين ورجال دين منحازين لكل طرف تفننوا في نزع شرعيات خصومهم وتثبيت شرعية من يؤيدون حتى رأينا وقرأنا عبر تلك الواجهات فتاوى دينية وقانونية متناقضة في مخرجاتها رغم بنائها على نفس القواعد الأصولية والقانونية.
الجزء الثاني
رابعا: البيانات الرسمية وكشف الفساد
تعود صحفيو (بي بي سي) على البحث عن مصادر مستقلة قبل نقل البيانات الحكومية في بريطانيا، فبيان الحكومة عن تراجع معدلات البطالة لا تحتفي الشبكة الإعلامية بل تدققه عن مصادر مستقلة فقد يكون التراجع هو جزئي في شهر محدد بينما الحساب الكلي للمعدلات يشي بزيادتها أو بقائها على حالها، ويدرك صحفيو الشبكة أن الحكومات تسعى للتأثير على وعي الناس لصالحها مما يعزز فرص الحزب الذي تنتمي إليه في الانتخابات التالية.
وفي ليبيا التي تعيش صراعات وانقسامات يصبح ضروريا التدقيق في البيانات الرسمية عن الحكومات والأحزاب والمجموعات المسلحة وغيرها، وعدم الاحتفاء بما تصرخ به تلك الجهات على أنه حقائق دامغة، فمثلا لم يستطع الإعلام إجلاء أسباب انهيار سعر الدينار، أو نقص السيولة، أو ما الذي يحدث في الجنوب، ما الذي يتعرض له المهاجرون غير القانونيين، وكم حجم تهريب الوقود والسلع المدعومة، وما حقيقة التدخل الخارجي، وارتباطات السياسيين والمسلحين والأعيان الداخلية والخارجية.
فكل ما نتابعه في الإعلام هو نقل غير مدقق، وانحياز لتفسيرات الأطراف المتصارعة، وتأثير واضح للممولين على سياسات انتقاء الأخبار ومواضيع البرامج والضيوف والصفات التي يظهرون بها.
من المقرر في الصحافة المستقلة سعيها الدؤوب لكشف فساد السلطة والمسؤولين في أي مستوى ليس بهدف الفضح والتشهير وإثارة النزاعات والصراعات وإشعال فتيل الحروب أو لابتزاز المسؤولين، بل لحماية حق الناس العاديين في معرفة انحرافات المسؤولين المؤتمنين على رفاه وأمن الناس العاديين.
وكشف الصراع على السلطة المقولب والمغلف بمصطلحات وصفات أخلاقية ودينية ووطنية يحمي الناس من الانجرار وراء إدعاءات زعماء الحرب والصراع والانقسام في ليبيا، وتسهل على الناس العاديين إدراك عاقبة قراراتهم في دعم المتحاربين المتصارعين على السلطة والثروة والنفوذ.
كذلك يضيق على الفساد أماكن التخفي حيث يقف الإعلام له بالمرصاد بالتتبع والكشف. فلم يتحدث الإعلام الليبي عن شبهات الفساد في أداء جميع الحكومات والتشريعيات والأحزاب والأعيان والمجموعات المسلحة رغم وجود خيوط غير رفيعة وردت في تقارير دولية مثل تقارير الخبراء عن ليبيا وما تصدره ديوانات المحاسبة غربا وشرقا، ناهيك عن بيانات متتالية للمنظمات المالية الدولية، وتقارير عديدة تتحدث عن شبهات فساد، على العكس نجد الإعلام ومن يديره في ليبيا منخرط في عديد الحالات في تأييد وتبرير الفساد للأطراف التي تدعمه أو يتحالف معها جهويا أو مناطقيا أو أيدولوجيا.
خامسا: مفهوم تدقيق السياقات
للحقائق (الأخبار) أي كان تناولها في النشرات أو البرامج بأنواعها سياقات نسميها في الصحافة خلفيات الأخبار، ورغم إهمالها في العموم في الإعلام الليبي، إلا أن ما يحدث عند إضافتها للمادة الصحفية هو محاولة إعادة تفسير الأخبار بما يخدم الغايات السياسة والاجتماعية المرتبطة بالصراع، في حين أن الوظيفة الأخلاقية للإعلام تلزم المحررين والصحفيين بضرورة ربط خلفيات الأخبار بزاوية التناول التي تخضع عند اختيارها لعدد من المعايير الموضوعية مثل؛ الحداثة، وتأثيرها على كثيرين من الناس العاديين، والقرب والبعد.
الليبيون (الناس العاديون) لا يعرفون على وجه الدقة ما طبيعة الصراع في الجنوب، وهل هو حادث أم قديم، وهل هو عرقي أو قبلي أو أيدولوجي، وهل هناك عوامل متعلقة بالصراع على منافذ تهريب البشر والوقود والسلع والسلاح، وهل هناك تأثرات خارجية على ذلك الصراع، فالإعلام يستخدم في اشتباكات الجنوب بناء على الخلفية التي تحكمها والجهة التي يتبعها.
سادسا: تدعيم التمدن مقابل التوحش
هنا نستثني من حديثنا عن التوجيه بأن نؤكد أن حماية الحياة المدنية من واجبات الإعلام ولعل من أخطر ما يواجه الحالة الليبية هو ضمور مظاهر التمدن في ليبيا بسبب استمرار الصراع وانتشار الفساد وتوسع الهوى بين طبقتين فقيرة تزداد فقرا وغنية تفحش في الثراء مع تآكل سريع للطبقة الوسطى، وهذا يؤثر في تحديد أولويات الطبقتين فالكبيرة الفقيرة تسقط من أولوياتها ما كان مرتبطا بالطبقة الوسطى، فتتخلى عن مظاهر المدنية في السكن والمواصلات والتعليم والهوايات وغيرها، وينتشر وجود أبنائها في المجموعات المسلحة التي تديرها طبقة استغنت من الحروب الأهلية المستمرة.
وهنا يصبح لزاما على الإعلام التوسع في تغطية النشاطات غير السياسية مثل الرياضة، ونشاطات الجامعات ومراكز البحوث، والمدارس، النشاطات الاجتماعية التقليدية مثل الزواج، والموالد وغيرها التي تعمق وعي الناس بأهمية التمدن وتشجعهم على المشاركة فيه، وممارسة الحياة في نشاطات مختلفة.
سابعا: مساحات لصناع الحياة
من توابع العناية بالحياة المدنية، الالتفات للنشاطات الأهلية سواء من الجمعيات، أو الأفراد التي تعزز قيم الحياة، وتحافظ على مدنية الناس العاديين، وتوجد لهم بمختلف فئاتهم وأعمارهم مساحات مستمرة لممارسة الهوايات وتعلم المهارات وتحقيق تواصل مع مختلفين يتمكنوا من التعايش.
لأن السلطة في الدولة الحديثة أساسها اجتماعي، وتنبع من اتفاق أو تعاقد بين الشعب ومن يحكم فإن حماية تمدن المجتمع وإعادة ربط نسيجه، ينعكس إصلاحا على المتصارعين الذين تضيق أمامهم مساحات المناورة كلما زاد وعي الناس العاديين (الرأي العام – الشعب).
وهنا يظهر دور الإعلام في العناية بصناع الحياة والتعايش، فنرى تناولا لكل ما يتعلق بالحياة ومدنيتها سواء في الأخبار أو الصحافة المتأنية.
ثامنا: مبادرات عالم الأعمال المستقل
رغم تشوه وتشويه سمعة قطاع الأعمال الخاص لأسباب تتعلق بموقف النظام السابق من القطاع الخاص، وكذلك نمط الدولة الريعية الذي نشأ فيه كثير ممن يسمون تجوزا رجال أعمال، إلا أن وسط كل ذلك توجد مشاريع وشركات وشخصيات اختارت بناء أعمالها بعيدا عن ريعية الدولة، والولاءات الجهوية والقبلية والمناطقية والأيدولوجية والسياسية، يلتزم الإعلام بإبراز المبادرات الجادة والنافعة ليس بهدف الدعاية لها بل بوصفها مساع أثمرت نجاحا لم يعتمد على منظومة الفساد.
ختام:
باختصار الإعلام في ليبيا مثّل أحد تمظهرات الصراع والانقسام، ومع الوقت أصبح من ماكنيزمات استمرار الأزمة، وتحول إلى مشوش وليس موضحا، وساتر وليس كاشفا، ومزور وليس ناقلا مدققا للحقائق، ناهيك عن ترويج مصطلحات وتأويلات وأسماء ومجموعات ومناطق عمقت من أزمة ليبيا.
لكن لاتزال هناك فرصة أن ينشأ إعلام مسؤول سواء من الموجود حاليا أو آخر جديد يتحرر من أي تبعية تفرض عليه سياسات وأجندات، بل يبدأ وفق إمكاناته ويركز على التقنيات والتكنولوجيا زهيدة الثمن، ويتوسع لاحقا ربما بتحالفات مع ممولين لا يشترطون، أو تحصيل دعم من الدولة وليس السلطة. المهم أن يبدأ الإعلام في التغير وتأسيس مؤسسات إعلامية تلتزم المعايير المهنية والإدارية، وتخضع نفسها للمراقبة وتعزز قواعد الحوكمة والشفافية.
قد يراه كثيرون حلما بعيدا، لكن أشير إلى أن الإعلام الأمريكي مثلا بدأ منقسما مؤيدا للصراع واستمر أكثر من قرن على هذا النحو حتى برز في النصف الثاني من القرن التاسع عشر إعلام مستقل كان جديدا وصغيرا لكنه بمرور السنين بات خطا رئيسيا في الإعلام الامريكي، وكان له دور بارز في كشف فساد حكومي، وفضائع الحروب الأميركية وغيرها.
***
اسماعيل القريتلي ـ إعلامي وكاتب ليبي
___________________