بقلم سليم الحكيمي

في ذكراها السابعة، وباستثناء المدن الموجودة في الشرق الليبي التي تقع تحت هيمنة قوات اللواء خليفة حفتر والتي تعتبر موئل قوته، خرجت الجماهير الليبية في شكل استثنائي هذه المرة يوم 17 فبراير 2018  في ميدان الشهداء بالعاصمة طرابلس، اكبر ميادين البلاد.

في الجزء الأول من هذه المقالة تطرقت إلى أدوار بعض الأطراف الرئيسية في الصراع السياسي والعسكري ثم تناولت المقالة مواقف بعض الدول ودوافعها في التدخل في المشهد السياسي الليبي، وخاصة ايطاليا وبريطانيا وفرنسا بالإظافة إلى خطوط التأثير لبعض دول المنطقة من خلال شخصيات مثل خليفةحفتر. في هذا الجزء نركز على دور الولايات المتحدة.

***

رؤية امريكية للمنطقة وآفاق الحل الاممي

لا تملك فرنسا ضوءا اخضر من امريكا لادارة الملف. ورغم قوتها العسكرية كدولة، لم يكن تدخلها العسكري في مالي موفقا. وزمن الثورة الليبية توقفت المعركة، ووقعت حينها المطالبة بتدخل امريكي.

ترك “باراك اوباما”حبل المسار على غارب الفوضى، وسمح بهامش للتدخل الاوربي في المنطقة، و لكن ليس للقوات الاوربية عسكريا. إذ لم  لم تكن ايضا للولايات المتحدة خطة عملية في ليبيا.

وبقيت أوربا تنتظر سياسة واضحة وترقبت القرار الامريكي الذي فقد رسم سياسة في ليبيا ولكنه لم يطبقها بعد. وكان الوجود الامريكي الاكبر ديبلوماسيا بمبعوثين لم تستطع ان تقنع بهم امريكا الجميع.

ولكن بعد انتهاء الازمة الخليجية القطرية السعودية، استيقنت الولايات المتحدة من ضرورة اتخاذ قرار، إذ تفيد المعلومات انها الادارة الاميركية اصدرت تعليمات لحفتر بعدم التصريح مجددا بنيته اقتحام العاصمة طرابلس.

في المقابل، بقيت ايطاليا ردْحا تعتقد ان امريكا نفضت يدها من ليبيا، وبلغت ذروة اليقين حين خاطب الرئيس الامريكي “دونالد ترامب” “باولو لجنتلوني” رئيس الوزراء الايطالي بقوله: ” ليبيا ليست من شاني”.

في حين ان المجلة الامريكية الشهيرة فورين أفيرهقد اصدرت عددها الاول حين وصل ترامب الى السلطة بعنوان “زمن ترامب ”، تحدث عن خطر عدم عناية امريكا بليبيا.

وطالبت المجلة الخارجية الامريكية ، بالعودة الحقيقية الى الملف الليبي واعتبرت ، ان أهم جريرة استراتيجية ارتكبتها امريكا، هو تركها البلد المحترب لعواصف الاقليم المتربص ، غير منتبهة الى اهمية التنازع على الثروة النفطية و الهجرة غير الشرعية وتدفق السلاح ونصحته “ترامب” بالحضور بقوة في المنطقة، محذرة اياه من مغبة انزلاق البلد الى حالة من الصراع تسمى الانفلات التام الذي يمكن ان يقوّي جذور التطرف في المنطقة، ويقوض الاستقرار في الجزائر والمغرب، وينشئ دولة امازيغية في الغرب الليبي، وينهك الاقتصاد التونسي، وينثر السلاح في السّاحل والصحراء حيث تنتشر 20 مليون قطعة منه.

إذ ليس للغرب جيوش قادرة على النزول في الصحراء .بالتالي ليست لها القدرة على حسم الصراع بين الاطراف على الارض. لتتجلى الرؤية الامريكية في الاستقرار السياسي في المنطقة متجنبة الهوَس الايديولوجي الذي وقع التعامل به مع الازمة المصرية المنتهي بعدم الاعتراف بشرعية رئيس مدني منتخب محمد مرسي ، والقبول بانقلاب 3 جويلية 2013 للجنرال السيسي.

فالاقليم المغاربي يرجف ومقبل على التفكيك ، وحتى الخليح العربي القوة المتوازنة، صار بدوره منقسما متداعي الاركان آيلا للفرقة.

ولم تبق بقايا الاستقرار الا في منطقة شمال افريقيا التي تبدو الرغبة فيها واضحة في انهاء الصراع بنظرة اكثر عقلانية.

وغالب الرأي ينزع الى اجراء انتخابات سنة 2018 في ليبيا باشراف امريكي. تقابله رغبة اروبية في تهدئة الامور، فلو استطاعت اوروبا ذلك ، لأمكن اعتمادها على الغاز الافريقي و الاستغناء عن الغاز الروسي، وبالتالي عدم خضوعها لابتزاز بوتين في ملف اوكرانيا. مما يعزز التعهد الامريكي مع الدول الاوربية بعدم التواجد الروسي في شمال افريقيا، المنطقة المحمية بالقوات الفرنسية وقوات “الافريكوم” التي تصل البحر الاحمر ومصر، و بقوات مغربية من ايام استقلال المغرب.

تاريخا كانت ليبيا عصية على التقسيم ، فقد اراد مشروع “بيفنسفورزا ” السري بين وزير خارجية بريطانيا  قبل الاستقلال  لتقسيمها  بين 3 اقاليم تتولى بموجبه  بريطانيا ادارة الشرق وايطاليا طرابلس الغرب و فرنسا فزّان.

لكن ظهرت مظاهرات بدعم بريطاني تدعو الى استقلال ليبيا، ووحدتها الترابية ودعت الى استقلالها. وانتهى الصراع بين الدولة العثمانية وايطاليا حول ليبيا بمنحها حكما ذاتيا في معاهدة ” اوشي لوزان”.

 ليبيا تفتح على خمس دول، هي بوابة افريقيا والاقرب الى اوربا وتجمع خطوطا وتناقضات جيوستراتيجية. وهذه التناقضات احدثت  توازنا في التاريخ الليبي، ولذلك هي كانت اوّل الدول التي كتبت دستورها ونالت استقلالها، وانتهت التناقضات الدولية  بشانها الى استقرارها، والاشكالية اليوم كيفية المحافظة على المصالح الوطنية دون الاضرار بمصالح الغير وسط صعوبة المعادلة الديمقراطية والسياسية.  

ويرى البعض حلا في الديمقراطية التوافقية التي كتب عنها “ارين ليش فورت” سنة 2009. تتشكل فيه لجنة من الحكومة ومن اصحاب المصالح وتقوم بتعاقدات بين الشركات الخاصة الليبية والاجنبية، لان عمق الصراع جيوستراتيجي واقتصادي حول بلد يرشح بالثروات كانت في الارض كِفاتا تكفي الجميع.

ترسم فيه المصالح الخاصة في العملية السياسية في الاطار المحلي، و تضمن فيه استقلالية مصرف ليبيا المركزي، ثم يتم التوجه بعد ذلك اما الى فدرالية اوحكم محلي. فالفدرالية جزء من الديمقراطية التوافقية التي يمكن ان تتجاوز فكرة الفصل بين السلطات لتعيد ترميم البلد وتصميم السياسة لاعادة الامن والاسقرار و اخلال السلام مع دور أممي لهيكلة المؤسسات الهامة كالتعليم والامن والصحة وضمان دولة مدنية حلم بها الثائرون في 17 فبراير 2011، تحترم حقوق الانسان ويتشكل جيشها تحت راية واحدة.

وتضمن مصالح الجميع وفق دستور توافقي. ورغم جريمة بنغازي التي قامت بها قوات موالية لحفتر فان مؤشرات استقرار نسبي تلوح في البلاد، والاقتناع بالحلّ السيّاسي بدل الحل العسكري صار يفرض نفسه تهيأت فيه مليون امرأة ليبية للانتخابات القادمة من بين 4.2 مليون ليبي يحق لهم التصويت .

الا ان ثغرة الاتفاق بين “السرّاج” و”حفتر” تضمّنت وقف وطلاق النار، ولكنها لم تحوِ وقف مكافحة الارهاب الذي يمكن ان يؤوّل على هوى سياسي جانح، وهنا الثغرة الكبرى و مربط الفرس

فتحت ذريعة “مكافحة الارهاب” نعت حفتر كل مخالفيه بالارهاب وسوغ السحق والقتل متورطا في قضايا كبرى وصفتها تقارير حقوقية بجرائم ضد الانسانية.

ليس العجز الحالي ناتجا عن ضعف الافراد بل لعجز الدولة ذاتها التي تطوّح بسفينتها التناقضات الدولية. فحفتر والسراج ليسا هما فقط من يتواجد في الساحة. بل تمرح في البلد الكثير من الكيانات الاخرى تحاول الحصول على كل الادوات لفرض ارادتها. وتتنوع بين تيارت اسلامية او فدرالية و راغبين في  مشروع “الصخيرات” وراغبين عنه .

بينما يبدو المعادون له غير قادرين على صياغة رؤية وطنية حقيقية بسبب تشتت المصالح. إذ ان كل منهم يتبع اطرافا دولية واقليمية، و ان لم ينجح المسار ستكون العواقب وخيمة.

لا يمكن للدولة واحدة ان تمسك بكل مجاميع الملف الليبي المترامي الذي صعب على الحافي والمنتعِل. بل هي بلد يمكن ان يستظل بخيمة الوفاق العربي ولا ينجح الا بالاتفاقات وليس بدولة منفردة. فقد اثبتت المشاريع المجاورة والمنقلبة على الديمقراطية، انتهاءها بالقوم الى فوضى لا سراة لهم ،ورفعت منسوب الهجرة ودفق الدم.

_ ____________

مواد ذات علاقة