إعداد وحدة تحليل السياسات
مقدمة: بعد أشهر قليلة من تسلم مهماته، طرح رئيس بعثة منظمة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، غسان سلامة، خريطةَ طريق لحل الأزمة السياسية والمؤسساتية في ليبيا، تحت مسمى “خطة العمل من أجل ليبيا“.
وبصرف النظر عن الدواعي الحقيقية التي دفعته إلى تسريع تقديم خطته التي تبناها فيما بعد مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، فإن هذه الخطة تحولت إلى عامل جديد للجدل والخلاف، في بلد يشهد شروخًا اجتماعية متعددة، وتشظيًّا سياسيًّا ومؤسساتيًّا، وانفلاتًا أمنيًّا، ومصاعب اقتصادية ومالية تنذر بالأسوأ.
وعلى الرغم من أن خريطة الطريق المطروحة تضمنت سلسلة من الخطوات والإجراءات الأمنية والتشريعية والسياسية، تشفع بتنظيم انتخابات رئاسية وبرلمانية، فإن معظم ردود أفعال الفرقاء والفاعلين والمهتمين في ليبيا ظلّت تدور حول الانتخابات، بين مؤيد ومعارض ومتحفظ ومشكك، لتتحول محورًا جديدًا للخلاف والتنازع.
الجزء الأول
خريطة طريق في واقع معقد
لا يبدو طرح خريطة الطريق خارجا عن سياق الفشل المتكرر الذي انتهت إليه المبادرات الدولية والإقليمية والمحلية جميعها، بما فيها الحوار الأخير الذي دار في تونس، بين وفدي مجلس النواب والمجلس الأعلي للدولة برعاية بعثة الأمم المتحدة ، إذ فشلت حكومة الوفاق الوطني في نيل ثقة أعضاء مجلس النواب، كما فشلت في بسط سلطتها على الأرض في أغلب المناطق.
وبعد سنتين من توقيع اتفاق الصخيرات، يراوح الانقسام السياسي والمؤسساتي مكانه، من خلال ثلاثة أجسام تنفيذية:
المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني، المعترف به دوليا، برئاسة فايز السراج، في طرابلس
والحكومة الليبية المؤقتة برئاسة عبدالله الثني في البيضاء،
وحكومة الإنقاذ الوطني التي لا زالت تذكر بوجودها، بين حين وآخر، من خلال الاشتباكات المتكررة التي تشهدها العاصمة طرابلس وجوارها بين كتائب محسوبة عليها وأخرى محسوبة على حكومة الوفاق، ومن خلال ظهور رئيسها خليفة الغويل في بعض المناسبات،
أما على الصعيد الأمني والعسكري، فقد ظل المشهد الكتائبي والميليشياوي السمة الغالبة، وظلت بنود الاتفاق التي تنص على نزع السلاح ودمج الكتائب في الأجهزة الرسمية وتوحيد المؤسسة العسكرية مجرد أمنيات.
وفي هذا الخضم، تتفاقم الأزمة الاقتصادية والمالية كل يوم، وتتدهور قيمة الدينار الليبي إلى مستويات دنيا، وترتفع الأسعار، وتشح السيولة، وتغيب أي حلول عملية للأزمة في ظل انعكاس التشظي السياسي على المصرف المركزي الذي انشطر كذلك إلى مؤسستين ومحافظين يتنازعان الشرعية، في كل من طرابلس والبيضاء.
وفي المحصلة، وبعد سنتين من توقيع الاتفاق السياسي في الصخيرات والأمال العريضة التي علقت عليه حينها في رتق المشهد المؤسساتي المنقسم وحلحلة المختنقات الأمنية والاقتصادية والاجتماعية، يبدو ما أنجز في هذا الاتجاه متواضعا جدا، ويكاد يقتصر على صور رئيس المجلس الرئاسي فايز السراج والوفود التي توافقه في الزيارات واللقاءات الرسمية، إضافة إلى إعلان بعض الكتائب المسلحة ولاءها لوزارتي الداخلية والدفاع، من دون مؤشرات عل تحول إعلانات الولاء إلى انضباط وتراتبية مؤسساتية حقيقية.
وعلى أرضية الفشل، متعدد الأوجه، أطلق رئيس بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، غسان سلامة، “خطة العمل من أجل ليبيا“.
أطروحات “خطة العمل“
حددت “خطة العمل من أجل ليبيا” سقفا زمنيا لا يتجاوز سنة واحدة، أي أيلول \ سبتمبر 2018 ، للوصول إلى نهاية المرحلة الانقالية، بانتخاب رئيس وبرلمان. وتنص الخطة على سلسلة طويلة ومعقدة من الإجراءات السياسية والأمنية والتشريعية لتمهيد الأرضية لإجراء الانتخابات.
وتتمثل الإجراءات التشريعية في إدخال جملة من التعديلات على اتفاق الصخيرات، وتشمل، خصوصا، تركيبة المجلس الرئاسي والحكومة، ووضع المؤسسة العسكرية وقيادتها، وطرح مسودة مشروع الدستور على مجلس النواب للتصديق عليها، ثم عرضها على الاستفتاء، وأصدار قانون منظم للانتخابات.
أما المسار السياسي، فيتضمن عقد مؤتمر وطني، برعاية أممية، يجمع أعضاء مجلسي الدولة والنواب، ويشارك فيه “الذين تم استبعادهم والذين همشوا أنفسهم والأطراف التي تحجم عن الانضمام إلى العملية السياسية“.
ويجري خلال هذا المؤتمر اختيار أعضاء المؤسسات التنفيذية التي إعيد تشكيلها على أساس توافقي، وتقديم مقترحات إلى هيئة صياغة مشروع الدستور لتعديل المسودّة التي أنجزتها.
كما تشمل الإجراءات السياسية تكثيف جهود المصالحة المحلية، في حين تتمثل الإجراءات الأمنية، أساسا، في تقديم مبادرة لتوحيد الجيش، وإقامة حوار مع الجماعات المسلحة بهدف إدماج أفرادها في العملية السياسية والحياة المدنية، واتخاذ قرارات حاسمة لمعالجة قضية النازحين. وبالتاوزي مع كل هذه الإجراءات، تدعو الخطة المفوضية العليا للانتخابات إلى الاستعداد الشامل لإجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، بما فيذلك تحيين سجلات الناخبين ومراكز الاقتراع وتوفير الوسائل اللوجستية.
لا شك في أن الانتخابات النزيهة لا تقتصر على فعل الإقتراع، بل هي عملية منظومية ومتكاملة ومترابطة لا تمثل فيها لحكظة الاقتراع سوى الحلقة الأخيرة، حتى في البلدان التي تمتلك تقاليد ديمقراطية راسخة واستقرارا سياسيا ومؤسستايا.
ويغدو هذا الشرط أشد إلحاحا في بلد، مثل ليبيا، يمزقه الانقسام السياسي والميليشياوي والقبلي، وتكاد تتوارى فيه مؤسسات الدولة الأمنية والعسكرية والإدارية والخدمية.
ونظريا، تبدو “خطة العمل من أجل ليبيا” متناسقة مع هذا الشرط المبدئي، وحريصة على تمهيد الطريق وتذليل الصعوبات للوصول إلى مخرجات انتخابية تحوز أقصى مقادير الشرعية الممكنة. غير أن ذلك لا يعني أن الحاصل سيكون، بالضرورة، مطابقا للحسابات النظرية.
التعديلات الصعبة
تنص “خطة العمل من أجل ليبيا” على بدء المسار بخطوتين تشريعية وسياسية، مؤكدتين، هما إدخال تعديلات على اتفاق الصخيرات تخص تركيبة المجلس الرئاسي والحكومة ووضع المؤسسة العسكرية، وعقد مؤتمر وطني جامع.
وفي إثر إعلان سلامة مبادرته، انطلق حوار، في تونس، بين وفدين ممثلين عن مجلس النواب والمجلي الأعلى للدولة، بهدف الوصول إلى توافق حول تعديل المادة المتعلقة بتركيبة السلطة التنفيذية، فتمت إحالة المقترحات إلى مجلس النواب الذي صدق عليها في وقت وجيز، قياسا على مشاريع أخرى لا زالت في الانتظار منذ اكثر من سنتين.
غير أن التصديق السريع أثار المزيد من الجدل والتحفظات والتشكيك، وتركزت أغلب الاعتراضات، ومن بينها اعتراضات المجلس الأعلى للدولة، على القدح في شرعية النصاب القانوني، ذلك أنه حضر أقل من نصف أعضاء المجلس المؤلف من 188 عضوا.
أما التعديلات المطلوبة على المادة (8) من اتفاق الصخيرات، والمتعلقة بوضع المؤسسة العسكرية وقيادتها، فلا ينتظر أن تمر بيسر، في ظل طموح قائد عملية “الكرامة” خليفة حفتر إلى الهيمنة على المشهد السياسي والعسكري في البلاد، ورفضه أي تبعية مؤسساتية للسلطة التنفيذية العليا ممثلة في المجلس الرئاسي، إضافة إلى ارتباط فريق من النواب بحسابات قبلية ومناطقية وأجندات إقليمية، مصرية وإماراتية على وجه الخصوص، رافضة التوافق على أي مشهد سياسي وعسكري يشارك في الصف المحسوب على الثورة.
وتعزز هذه الفرضية أكثر في ظل الفشل غير المعلن للحوار الجاري في تونس بين فريقي مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة، برعاية بعثة الأمم المتحدة، ومغادرة فريق النواب من دون تحقيق إنجاز يذكر في هذا الباب.
إلى جانب التعديلات المطلوبة على اتفاق الصخيرات، تنص “خطة العمل من أجل ليبيا” على ضرورة عمل مجلس النواب والهيئة التأسيسة لصياغة مشروع الدستور، بصورة متوازية، لإدخال التنقيحات والتعديلات على المسودة المقدمة سابقا، مع الأخذ في الاعتبار الملاحظات الصادرة عن المؤتمر الوطني، ثم التصديق عليها، قبل طرحها على الاستفتاء العام.
كما يتعين على مجلس النواب، بحسب الخطة، إصدار قانون انتخابي ينظم، وفقه، الاستفتاء على الدستور والانتخابات البرلمانية والرئاسية. وكما هو الشأن بالنسبة إلى التعديلات على اتفاق الصخيرات التي تواجه بحسابات الفرقاء، فإن الخلافات على مسودة مشروع الدستور ومضامينها لا تقل عنها حدة.
ذلك أن مطالب ممثلي مختلف المكونات الاجتماعية (الأمازيع، والتبو، والطوارق، والشرق، والغرب ، والجنوب …الخ) لدسترة مطالبها الثقافية وتوزيع المؤسسات السيادية على مختلف المناطق واقتسام الثروات تسببت، طوال السنتين النقضيتين، في تعطيل عمل الهيئة وانسحاب بعض أعضائها، وإعلان بعض المكونات، مبكرا، أنها لن تعترف بالمسودة حتى إذا تم إقرارها.
وحتى بعد إحالة المسودة إلى مجلس النواب، لم تأخذ مجراها التشريعي، ولم تجد طريقها إلى التصديق، خاصة بعد صدور حكم قضائي عن محكمة استئناف البيضاء، الخاضعة لسلطات المنطقة الشرقية، يقضي بوقف إحالة المسودة إلى مجلس النواب.
وعلى الرغم من أن “خطة العمل من أجل ليبيا” توصي الهيئة التأسيسية لصياغة مشروع الدستور بمراجعة المسودة ومراعاة الملاحظات والمقترحات المنتظرة صدورها عن المؤتمر الوطني، فإن الهيئة، بتركيبتها الحالية، ستظل في وضع انقسام وتجاذب بسبب المطالب الاجتماعية والمناطقية السابق ذكرها، والتي تتفاقم ، كل يوم ، نظرا إلى مناخ عدم الثقة الذي يغذيه التشظي السياسي والقبلي وما يعلنه أكثر من طرف من رغبة في إقصاء المكونات الاجتماعية والثقافية الأخري والهيمنة على الدولة والاستئثار بالثروات.
***
المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات مؤسسة بحثية عربية للعلوم الاجتماعية والعلوم الاجتماعية التطبيقية والتأريخ الإقليمي والقضايا الجيوستراتيجية. وإضافة إلى كونه مركز أبحاث فهو يولي اهتماما لدراسة السياسات ونقدها وتقديم البدائل، سواء كانت سياسات عربية أو سياسات دولية تجاه المنطقة العربية، وسواء كانت سياسات حكومية، أو سياسات مؤسسات وأحزاب وهيئات.
______________