بقلم المهدي ثابت
ليس من السهل تفكيك المشهد الليبي بمختلف تجلياته ذلك ان الازمة طالت وتشابكت عقُدها، وهو ما اصبح يهدد كيان الدولة في وجودها.
وتبقى الارادة الليبية المخلصة هي صاحبة الاولوية في اخراج البلاد من المازق الهيكلي الذي تردت فيه اجتماعا واقتصادا وأمنا وسياسة .
وما لم تتوحد القوى الخيّرة في البلاد في اطار تكتل سياسي يحمل مشروعا سياسيا وحقوقيا يعبر عن قيم الثورة واهدافها، ويكون مخاطبا كفؤا للقوى الدولية والاقليمية، فان ليبيا سيفرض عليها حلا دوليا لن يكون معبرا عن مصالح قوى الثورة المؤتمنة على دماء الشهداء وعلى مبادئ فبراير.
مقدمة
إن الأزمة في ليبيا لا تتمثل فقط في صراع عسكري وسياسي بين قوى تختلف في المرجعيات الفكرية والولاءات السياسية . وإنما تتجاوز ذلك إلى تصدعات عميقة في تركيبتها الاجتماعية وبنيتها الاقتصادية، إلى جانب بروز تيارات دينية تدين بالولاء والتقليد لمرجعيات تخالف المذهب المالكي الذي استوطن في ربوع البلاد من قرون خلت وهو ما يهدد حالة الوحدة والانسجام التي تميز الروح الدينية للغالبية العامة من الليبيين.
إن تفكيك وجوه الأزمة الليبية يضعنا أمام التحديات الكبرى المطروحة على الليبيين لإنقاذ بلادهم من الوضع الخطير الذي يهدد بانهيار البلاد مما سيحولها إلى دولة فاشلة مهددة بالتقسيم أو إلى حالة اللاّدولة.
فمن المؤكد أن في البلاد قوى خيرة ووطنية تسعى إلى مواجهة هذه التحديات الخطيرة التي يستوجب فهمها تفكيكا منهجيا دقيقا يجعل المشهد واضحا وجليا في مختلف مستوياته ويحدد طبيعة المخاطر التي تهدد المشروع الوطني بعد سبع سنوات من الثورة. مما يقتضي تفكيك مظاهر الازمة في مختلف مستوياتها السياسية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية.
مظاهر الأزمة في المستوى السياسي
من أسباب استفحال الأزمة السياسية في البلاد غياب المشاريع السياسية والحقوقية الواقعية القادرة على تشخيص الواقع الداخلي والدولي تشخيصا يساهم بجد في إيجاد سبل لإنقاذ البلاد من حالة التفكك والتأزم التي تعصف بها.
إن الجميع يعلم أن الثورة الليبية كانت ثورة بلا رأس قادر على ترويض مختلف الأطراف التي شاركت في الثورة بما يقلل من حجم الخلافات بينها، وأن ثوارها بلا مشروع حقيقي يؤسس لما بعد الثورة أي لمرحلة بناء الدولة الجديدة.
فبمجرد سقوط نظام القذافي دخلت البلاد في حالة من التجاذب السياسي الحاد بين تيارات تختلف في مرجعياتها الفكرية وفي أولوياتها السياسية.
هذه الخلافات استفحلت مع الزمن وغابت المشتركات بين رفقاء الأمس وبلغت الخلافات حد الاقتتال بالسلاح كما جرى في عملية فجر ليبيا. وهذا ما مكن للقوى الإقليمية والدولية لمزيد التوغل في النسيج السياسي الداخلي إلى أن تحولت الساحة الليبية إلى ساحة صراع دولي بأدوات داخلية.
ويمكن توصيف الوضع الداخلي في البلاد كالتالي:
البلاد الآن تدار بحكومتين الأولى في الشرق وأفرزتها انتخابات البرلمان سنة 2014. والأخرى في الغرب وهي نتاج اتفاق الصخيرات سنة 2015 وتحظى بالإعتراف الدولي.
وإذا كانت الحكومة الأولى صورية وليس لها وجود ونفوذ واقعي على الأرض باعتبار أن مناطق سيطرتها تدار من طرف الجنرال خليفة حفتر الحاكم الحقيقي للمنطقة، فإن الحكومة الثانية أي حكومة الوفاق الوطني مرتهنة لموازين قوى داخلية وخارجية ولا تملك من مصادر القوة والسلطة ما يمكنها من فرض سيطرتها على العاصمة وعلى مختلف المناطق الأخرى.
هذه الحالة تعكس الضعف الذي عليه الدولة وهو ما يجعل البلاد في حالة شبه مفككة.
فالدولة المركزية لا امتداد حقيقي لها في الداخل وعاجزة عن تقديم الخدمات الضرورية لمواطنيها سواء في مستوى الأمن أو في بقية المستويات .
هذا الوضع يستشعره المواطن في حياته اليومية وهو ما جعله يكفر بالطبقة السياسية ويبحث عن مصادر تأمين الذات في ظل شعوره بغياب الدولة .
في ظل هذا الواقع تعددت مراكز القوى في البلاد. فالميليشيات، عمليا، هي من تدير الأمن في ظل غياب مؤسسة أمنية وعسكرية منضبطة للدولة .
كما أن الأطراف السياسية تستقوى على بعضها بهذه الميليشيات وتستقوي أيضا بها على الدولة.
هذا الواقع زاد في تعميق الخلافات حتى داخل الجسم الواحد بحيث لا تجد تيارا سياسيا متمكنا يمكنه فرض إرادته ورؤيته على بقية الأطراف بما يساهم في الضغط للوصول إلى توافقات عامة تقرب الحل.
والآن تحاول الأمم المتحدة لعب هذا الدور عبر محاولتها فرض حل جبري على مختلف أطراف الصراع بقطع النظر عن مدى عدالة هذا الحل أو واقعيته وهذا بسبب حالة الضعف العامة التي تعرفها مختلف القوى السياسية في البلاد .
إن حالة التشظي هذه تهدد كيان البلد ووحدته إذ بدأت تبرز نزعات الانفصال في الشرق والجنوب والغرب. ورغم أن هذه الأصوات لازالت خافتة إلا أن تواصل الوضع على ما هو عليه سيجلب لها مزيدا من الأنصار.
الأزمة في المستوى الأمني
إن أزمة انتشار السلاح في البلاد هي أكبر تحد على الإطلاق قد تعترض أي سلطة في ليبيا مهما ملكت من أسباب القوة. هذه المعضلة هي خلف كل المشاكل الأمنية . فالسلاح اليوم هو في عهدة الكتائب والميليشيات ولا قدرة للدولة على السيطرة عليه، وهو ما جعل الدولة إلى اليوم في حالة ضعف شديد.
وقد عجزت كل الحكومات السابقة على إيجاد الآلية التي تمكنها من جمع هذا السلاح ولن تقوم للدولة قائمة ما لم تتم السيطرة على هذه الكميات المهولة من الذخائر ومن الأسلحة الخفيفة والمتوسطة والثقيلة المنتشرة في كامل أنحاء البلاد.
هذه الظاهرة تؤرق المواطن وتؤرق الحكومة وكل الطبقة السياسية وتهدد بناء الدولة المنشودة في ليبيا.
الأزمة في المستوى الاقتصادي
المعلوم أن ليبيا بلد غني بثرواته الباطنية من نفط وغيره إلا أن الوضع الاقتصادي للمواطن الليبي اليوم على غاية من التردي .
فالمقدرة الشرائية منهارة بفعل غلاء الأسعار نتيجة انهيار سعر الدينار الليبي أمام الدولار وكذلك أمام ندرة المواد الغذائية والاستهلاكية في السوق نتيجة نقص حركة التوريد التي يتحمل فيها المصرف المركزي المسؤولية الأولى قبل الحكومة فلم تعد تمنح الإعتمادات للموردين ورجال الأعمال بالعملة الصعبة.
ويعود ذلك حسب إدارة المصرف المركزي إلى ضعف منسوب البلاد من العملة الأجنبية، والذي مرجعه دائما حسب إدارة المصرف إلى التراجع الكبير في تصدير النفط الذي يمثل 90بالمائة من صادرات البلاد.
ولكن عديد الخبراء الاقتصاديين يرجعون السبب الحقيقي لأزمة العملة الصعبة للتصرف السيء فيها من إدارة المصرف المركزي . فهم يعتبرون أن الفساد المستفحل وسوء الحوكمة والتصرف هو السبب الحقيقي لأزمة المصرف المركزي في منسوب العملة الصعبة.
وهناك أيضا من يعتبر أن السيد الصديق الكبير محافظ المصرف هو الحاكم الحقيقي للبلاد وأن الأزمة مفتعلة وخلفها قوى دولية من مصلحتها استمرار الأزمة حتى تجبر الليبيين على القبول بالحل الذي يضمن مصالح هذه الدول وهو رأي فيه الكثير من الوجاهة بالنسبة للمطلع على حقيقة الأوضاع في البلاد.
ومن الملامح الأخرى للأزمة الاقتصادية الخانقة في البلاد هي النقص الحاد للسيولة في المصارف التجارية . وهذا يعود إلى سحب رجال الأعمال لودائعهم من العملة الليبية نتيجة غياب الثقة تجاه المؤسسات المصرفية التي لا تحظى بالحماية الضرورية من الدولة وكذلك بسبب توقف الاعتمادات بالعملة الصعبة لرجال الأعمال والموردين.
وهذه الأزمة لن تحل إلا باستقرار الدولة وفرض الأمن وعودة الثقة في المؤسسات. هذه الأزمة نتج عنها أن الدولة تنزل المرتبات للموظفين ولكن يستحيل عليهم سحبها بسبب ندرة العملة. والكميات القليلة منها إما توزع بالرشوة والمحسوبية أو بعد مدة تتجاوز في بعض الأحيان الثلاثة أشهر .
هذه الحال تضطر المواطن إلى سلك سبل شتى للحصول على المال منها المشروعة وغير المشروعة.
والإشكال الكبير الذي يعترض الحكومة ويجعلها عاجزة عن تقديم الخدمات الضرورية للمواطنين من صحة وتعليم وغيرها وعن بعث المشاريع الإنمائية هي رفض البنك المركزي تسييل ميزانية الدولة. فالحكومة تشتغل بدون ميزانية تمكنها من كسب ثقة المواطن وإعادة الإعتبار للدولة .
وهذا يعود حسب إدارة البنك المركزي إلى أنه لا توجد حكومة قوية ومؤسسات تضمن صرف الميزانية في أوجهها الحقيقية وأن البنك المركزي مؤتمن على أموال الليبيين وأن التجارب السابقة في ظل ضعف الدولة أثبتت أن الفساد المالي هو المهيمن على أغلب أوجه الصرف . وبالتالي لن يستفيد المواطن من أي ميزانية .
…
البقية في الجزء الثاني
***
المهدي ثابت ـ باحث في الشأن الليبي
_____________