بقلم فتحي محمد
ترددت كثيرا فى التعليق على طرح قطيط الاقتصادى، ولكن من باب التعريف بحجم المخاطر وتزايد الإشارات والإيماءات حول مشروع المؤسسات المالية العالمية الكبري فى ليبيا،
وبعد تصريح بورس جونسون الأخير والذى تطرق فية الى إستعداد المستثمرين الإنجليز الى تحويل سرت الى دبى جديده، رأيت لزاما أن أوضح ولو على قدر مختصر ترابط الأحداث والحوادث وتناغم الإشارات والتسريبات فضلا عن الأدوات والتحركات من كل الأطراف وفى كل الإتجاهات لخدمة غاية واحده وهدف وحيد.
الطرح لم يكن يحمل أى دلالة إقتصادية ولكنه مفعم بالنزعة التجارية البراغماتية والتى ضمنها مشاريع وأفكار وأحلام المؤسسات المالية العالمية الكبري وفى إطار حملة إنتخابية ودعاية شخصية،
بالضبط كما فعل محمود جبريل فى الاسبوع الليبي فى واشنطن عندما قدم نفسه على أنه الخبير لما تطمح له هذه المؤسسات وهو القادر على تحقيق أحلامها.
غزل وأطماع من أجل تحقيق طموحات، تحدث قطيط فى مستهل حديثه عن أن هناك أزمة مفتعله، نتفق معه فى ما يقول ولكنه لم ولن يستطيع أن يحدد لنا من الذى افتعل الأزمة ولماذا إفتعلها ؟؟ فالفعل لابد له من فاعل والفاعل لابد له من دوافع، فمن هو الفاعل وما هى دوافعه.
قال بأن مشروعه مبنى على شيئين، البنوك والمحفظة الليبية للاستثمار. السيطرة على الأدوات المالية للدولة الليبية هو مشروع المؤسسات المالية العالمية الكبري وهو الهدف الرئيسي لكل التحركات التى قامت بها مجموعة البلدربيرج فى نهاية 2011 وما قام ويقوم به البنك الدولى وصندوق النقد الدولى فى صناعة الأزمة وتقديم الحلول وهو ما أصبح واضحا بعد العرض الذى تقدم به البنك الدولى للاستثمار للشركة العامة للكهرباء ومن خلال التفاهمات التى يقوم بها البنك مع حكومة السراج من أجل الدخول فى مشروع إعادة الاعمار.
تحدث عن إعادة هيكلة المصارف وتحويل النظام البنكى من نظام خدمى الى نظام استثمارى، العرض يحمل فى طياته الكثير من الخداع والتعمية لان مصطلح إعادة هيكلة لا ينقل طبيعة وحقيقة المقصود وقد ذكرها فى نهاية الحوار عندما قال بأنه تحاور مع الصديق الكبير فى نهاية 2012 من أجل هيكلة البنك المركزى.
الهيكلة فى تعريف وفهم ومشروع المؤسسات المالية العالمية الكبري تعني الخصخصة وهو بيع أصول هذه البنوك لمستثمرين أجانب ممن لديهم القدرة على ضخ السيولة الكافية لمعالجة التشوهات فى النظام البنكى.
الأزمة التى ذكرها فى بداية الحوار مصطنعه من نفس الأدوات التى تقدم الحلول عن طريق الخصخصة وهو الهدف الاستراتيجى للمؤسسات المالية العالمية الكبري منذ تدخل النيتو فى ليبيا عام 2011.
تحويل البنوك وبعد عملية الهيكلة ( الخصخصة ) الى بنوك إستثمارية يشكل خطرا كبيرا على كل مكونات الاقتصاد الليبي ويجعل من البنوك أدوات إستثمارية منافسة ومتحكمة فى فرص الإستثمار وتجعل فرص الإستثمار الخاص شبه معدومة فى ظل المنافسة غير المتكافئة للبنوك ذات القدرة المالية الهائلة فى السيطرة على كل الأنشطة الإقتصادية وعن طريق الإقراض بفوائد ربوية يتحول القطاع الخاص تحت رحمة البنوك وخادما لها.
وقال وبالحرف الواحد “ مشروع الاسكان يفتح مجال كبير للاقتصاد ” هذه العبارة يوضح فيها الجانب التطبيقى للبنوك الاستثمارية واهتمامها بالقطاع الاسكانى المباشر وهو ما يذكرنا بأزمة الرهن العقاري التى صنعتها البنوك فى الولايات المتحدة والتى أدت الى فقدان عدد كبير من الامريكيين بيوتهم. وفى الحقيقة فإن مشروع الاسكان يفتح مجالا للسيطرة على مقدرات المواطن ومدخراته وهى عملية معقدة بين دخل المواطن وقيمة الاقساط المترتبة عليه. وفى حال فقدان المواطن القدرة على سداد الأقساط داخل منظومة متكاملة من السيطرة الاقتصادية تجعله عرضة لفقدان مسكنه وهو ما نراه شائعا فى الدول ذات الانظمة الراسمالية المتوحشه.
يعتبر نظام القروض الإسكانية من أفضل وأسهل الوسائل التى تستعملها المؤسسات المالية العالمية للسيطرة على مواطنى الدول وخنق مقدراتهم المالية وتحويلها فى جيوب الفوائد الربوية المركبة.
وقال ” بدلا من أن تكون دولة تعيش فى الظلام ” طرح الانتقال الى الطاقة النظيفة، حسب ما ورد فى دراسات مؤسسات الطاقة العالمية فإن العالم لن ينتقل الي الطاقه المتجدده بكل أنواعها قبل العام 2050 فإن الحديث عن طاقة نظيفة قابلة للتصدير غير قابل للنقاش قبل 20 سنة من الان.
وفى الحقيقة فإن السيطرة على مشاريع الطاقة المتجدده هى جزء من مشاريع المؤسسات المالية العالمية الكبرى فى ليبيا ولكنها من المشاريع الاستراتيجية والمؤجلة الى الوقت الذى ترسم فيه هذه المؤسسات الخط الفاصل ما بين الطاقة الاحفورية والطاقة النظيفة.
ومن جهة أخرى تحدث عن رغبة الشركات النفطية المتعددة الجنسيات والمملوكة للمؤسسات المالية العالمية الكبرى فى استثمار 120 مليار فى قطاع النفط خلال ( 20/15) سنة قادمة من أجل الوصول بالانتاج النفطى الى معدل ما بين 2 الي 3 ملايين برميل فى اليوم، وهذا يفسر الاحتياطات المؤكدة للنفط الليبي والتى تسيل لعاب شركات النفط وهو رد صريح على من أنكر بأن التدخل الدولى فى الشأن الليبي كان من دوافعه السيطرة على النفط الليبي.
وقد قال صراحة “من يستثمر عندك 120 مليار لن يسمح لقطر ولا الامارات ولا مصر أن تأتيك ” ومن الذى سمح لهذه الدول ان تتدخل فى الشأن الليبي يا أحمق ؟
وقال “لماذا لا تتحول ليبيا الى سوق حرة ” … “لماذا عندنا جمارك فى ليبيا” .. “لماذا عندنا ضرائب فى ليبيا ” … “نأتى بالشركات وبدون دفع ضرائب حتى يقوموا بتوظيف المواطن الليبي“. هذه هى أخطر قضية تحدث عنها هذا المدعو اقطيط، تحويل بلد بأكمله الى سوق حرة هو فقدان الدولة للسيطرة على أدواتها الاقتصادية وجعلها كلأ مباح لكل من هب ودب مما يعرض سيادتها وفى كل المجالات عرضة لخطر الجريمة المنظمة ومافيا غسيل الاموال وتجارة الممنوعات وبكل أنواعها.
المناطق الاقتصادية الحرة تحدد فى كل الدول بجغرافيا وقوانين صارمة منعا لكل المخاطر ولأهداف إقتصادية محددة ضمن خارطة واضحة المعالم. النظام الجمركى والضريبي فى كل الدول هى من أدوات الحماية للاقتصاد الوطنى وتحويل السوق المحلى الى أدوات تفتقر الى أبسط أدوات الحماية أمام شركات عملاقة ورؤوس أموال كبيرة تحول المواطن الى مجرد موظف بسيط يتقاضى مرتب يدفع جزء كبير منه للقروض التى وعدهم بها اقطيط وما تبقى منه فيذهب الى أنماط الاستهلاك المصاحب لهذه الشركات الوافدة وأما البقية الباقية فمصيرهم مجهول.
وفى حالة تتسم بقدر كبير من عدم الانسانية قال اقطيط “إن الجيل الذى دخل الحرب من الصعب معالجته“. عدم معالجة هذه الشريحة هو منطق يتمتع بدرجة عالية من عدم الانسانية وعدم تقدير العواقب والمخاطر والتى يمكن أن تترتب على ذلك .. مخاطر إجتماعية وأمنية وسلوكية كبيرة.
المنطق والعقل هو الذى يقول بأن هؤلاء هم من أهم الفئات للمعالجة النفسية والسلوكية حتى لا يتحولوا الى قنابل موقوتة تعيق أى خطط للتنمية والبناء.
والملفت للنظر بأن الشريحة الاكبر الداعمة لقطيط هى التى استثناها فى عبارته. استثمار مبلغ وقدره 20 مليار (خارج ليبيا) على شراء أسهم فى مؤسسات تعليمية وصحية ومن دون الاشارة الى أن الاهتمام بالتعليم والصحة فى الداخل هى أهم قضية لاى مشروع حقيقي يراعى الرغبة الحقيقية فى إحداث حالة تغيير مجتمعى حقيقي.
الاستثمار الكثيف فى تنمية الموارد البشرية هى الحد الفاصل ما بين المشاريع الحقيقية وما بين العروض التجارية والتى قد تدغدغ عواطف البعض ومن غير ادراك لتطبيقاتها وعواقب إهمالها. التحول الى الانتاج قضية وضع أمامها كل العقبات وأشار اليها بأنها قضية صعبة المنال فى الحالة الليبية. هذا الكلام مخالف للواقع ومناف لكل أدوات التقدم التكنولوجى المتوفرة فى عالم اليوم.
التحول للانتاج فى بلد يتمتع بإمكانية للاستثمار الكثيف وسعر طاقة رخيص وعدد سكان قليل ويتمتع بقوة بشرية شابة وبموقع جغرافى مميز. كل هذه العناصر تجعل من تحويل الاقتصاد الليبي الى إقتصاد إنتاجى أيسر وأسهل من أى اقتصاد ناشىء فى المنطقة. الاقتصاد لا يمكن له أن ينتقل الى العالمية الا بعنصري الانتاج والتنافسية وأى مشروع أو رؤية لا تنطلق من هذين العنصرين هى مجرد أراء فى مهب الريح، ويجعل منها مفردات قابلة للتوظيف فى أى اتجاه ما عدا الاقتصاد.
المشاريع التى تسعى المؤسسات المالية الكبرى من السيطرة عليها وعلى فترات زمنية متفاوتة هى :
– مشروع السكة الحديدية ما بين ليبيا وجنوب أفريقيا
– مشروع الطاقة الشمسية
– مشروع استثمار الاحواض المائية العملاقة فى الجنوب الليبي
– مشروع خصخصة القطاع النفطى
– مشروع خصخصة القطاع المالي بما فى ذلك مصرف ليبيا المركزي
كل ما تم طرحه فى دعوى قطيط الاقتصادية يصب فى مصلحة مشروع المؤسسات المالية العالمية الكبرى وبتحويل الاقتصاد الليبي الى إقتصاد خدمي لمشاريع المؤسسات واستثمارتها ومن غير ان يستفيد المواطن الليبي من مقدرات ومقومات الثروة الليبية.. القادمون من تخوم واشنطن هم أدوات للرأسمالية المتوحشة.
__________
المصدر: صفحات التواصل الاجتماعي (فيسبوك)