بقلم سعيد رمضان بن عمر

في الوقت الذي يسابق فيه المخلصون من أبناء هذا الوطن الزمن كي يعيدوا بناء المؤسسات والهيئات التي هي مرتكزات أي دولة حديثة بعد أن طال العبث كل مظهر من مظاهر الدولة وجعل ليبيا تصنف دولياً دولة فاشلة بسبب انقسام بل تشظي الأجسام التنفيذية والتشريعية..

في هذه الحالة العامة من الفوضى والتشظي والانقسام تتعالى أصوات للنيل من آخر مؤسسة ظلت صامدة في وجه رياح عاتية، ولصوص عتاة حاولوا النيل منها وتخريبها، لتلحق بركب الخراب والدمار الذي طال كل شيء

رفقا بالمؤسسات السيادية

ونقصد هنا الأصوات والشعارات التي تنادي بــ الزحفعلى إدارة البنك المركزي. وهذه الدعاوى والشعارات لا يمكن وصفها بالعفوية التي نتجت عن وعي وإدراك بحقيقة الأمور من الشارع الليبي. بل على العكس من ذلك، هذه دعاوى تقف وراءها جهات وأشخاص وجماعات قدموا مصالحهم الضيقة على مصالح الوطن، وآثروا مكاسبهم الوقتية ولو كان ذلك جثة الوطن.

ويعد مصرف ليبيا المركزي بشهادة أكبر المنظمات والمؤسسات الدولية المعتبرة هو ثالث المؤسسات السيادية بالإضافة إلى المؤسسة الوطنية للنفط وهيئة الإستثمار الخارجية مازالت تسعى للحفاظ على هيكل الدولة وعلى شخصيتها المعنوية في العالم.

حملات هدفها الفتنة

فمذ مدة استعرت في البلاد حملة تشويه وتضليل للرأي العام تشيع أن البنك المركزي هو سبب بلاء ليبيا، وسبب كل مشاكلها وتأخرها. وهو من وراء معاناة المواطن، ومن وراء أزمة السيولة.. الخ.

وهؤلاء يعلمون في قرارة أنفسهم وفي ضمائرهم، التي عٌطلت أو أسكتوها، أن المركزي بريء من كل هذه التهم والسلبيات.

ليس دفاعا عن الأشخاص ولكن حرصا على المؤسسات

ولا ندعي هنا أن البنك المركزي يؤدي عمله في أفضل صورة، فإننا بذلك نجانب الحقيقة ونقفز على واقع مؤلم بائس يحاصر البنك المركزي من كل مكان.. من تهديد وخطف وجماعات مسلحة تمارس تعنتها جهارا نهارا، وتستبيح كل المحرمات، ولا تتردد في ارتكاب أي موبقات.

تختطف المسؤولين تحت تهديد السلاح في المصرف المركزي وغيره من المصارف لإرغام الإدارة على تمرير إجراءات غير مشروعة.

كيف يمكن للمصرف المركزي وهو أعلى مؤسسة مالية أن يمارس عمله بشكل نموذجي وسط غابةمن الانفلات والفوضى واندلاع شراهة غير مسبوقة في التكسب والسطو على المال العام.

أكثر من 30 مليار دينار خارج المصارف الليبية يكتنزها أصحاب رؤوس الأموال حتى جفت المصارف وكان لكثير من التجار مصاصي الدماء الدور الأبرز في هذه الوضعية المتردية التي طالت المواطنين البسطاء في قوتهم وعلاجهم وأبسط تكاليف حياتهم.

فلم يحرك ضمائرهم مشاهد آلاف الليبيين رجالا ونساء شيوخا طاعنين في السن بل وحتى معاقين أمام المصارف ينتظرون جزءا ً من رواتبهم وسط حالة من الغلاء الفاحش.

حبل الإفتراء قصير

لقد تسابقت للأسف الجهات التنفيذية والتشريعية لتضخيم رواتبهم وتعزيز مزاياهم دون أدنى اعتبار للواقع المالي المتردي.

ولم نشهد أي ممارسة لترشيد الإنفاق، بل العكس هو الذي حدث، شاهدنا اندلاع ماراثون لحصد المهايا والمزايا، وصرف الملايين على رحلات خارج الوطن، ووفود بأعداد هائلة، وصرفت مكافآت وبدالات وإقامة في أرقى الفنادق، وكأن ليبيا تعيش أفضل حالاتها، وكأن نفطها يتدفق بشكل انسيابي وليس في كل مرة تغلقه جماعة مسلحة للابتزاز.

ألاسباب الحقيقة للأزمة المالية

فكانت البداية من جضران الذي أدت جريمته بإغلاق الموانيء النفطية إلى خسائر فادحة بلغت أكثر من 140 مليار دينار، وتواصلت جرائم إغلاق حقول النفط، وكيف وقد تم مكافآة من أغلق النفط بمكافآة قدرها 75 مليون دينار.

إلى جانب فوضى تفاوت المرتبات بين الجهات والمؤسسات، كل يشرع من عنده وكل يسعى لرفع السقف إلى أقصى حد مهما كانت النتائج والحالة التي تعيشها البلد. وقد بلغ حجم المرتبات ولأول مرة في تاريخ ليبيا إلى 21 مليار دينار في بلد على حافة الإفلاس والانهيار الاقتصادي.

وفي ظل شراهة الإنفاق والتكسب واللهث خلف المصالح الشخصية البغيضة تنعدم الإيرادات والجباية وتنقطع الموارد السيادية والضرائب ورسوم الخدمات.

يغيب على البعض سهوا وربما قصدا ً أن ليبيا أوقف عنها ضخ العملات الأجنبية منذ عام 2013 م، بعد جريمة سرقة ملايين من العملة الصعبة في سرت من قبل عصابات مسلحة. فمنعت الدول الكبرى ضخ أي مبالغ بالعملة الصعبة إلى ليبيا، وتوقف الاستيراد العالمي للعملة.

إلا أن شراهة الاستنزاف من الأرصدة لم تتوقف بل تضاعفت وزادت على جميع المستويات أفراداً وجهات.

وتظل قدرات المصرف محدودة

مٌنح المصرف المركزي اعتمادات بالمليارات على أساس مستندات سليمة. لكنه لا يطلب حسن سيرة وسلوك من المستفيدين ولا يستطيع ملاحقتهم ومعرفة كيفية تصرفهم في هذه الاعتمادات.

فهذه مهمة جهات أمنية ورقابية هي التي تستطيع رصد هذه الجرائم الاقتصادية التي استفاد أصحابها من سعر الدولار الرسمي ليخففوا من معاناة الناس ويسهموا في دفع عجلة الاقتصاد.

على العكس بعضهم وربما كثير منهم تحايل وزور وتلاعب.

ان التصدي لجرائم تهريب الوقود التي تتسبب في خسائر فادحة لخزينة الدولة وغيرها مهمة جهات أمنية وشرطية ورقابية وليست مهمة المصرف المركزي.

لقد بلغ عجز الإيرادات حوالي 6.5 مليار دينار وهو نتيجة طبيعية لعجز المؤسسة الوطنية للنفط عن الوصول إلى معدلات الإنتاج والتصدير المتوقعة وهي 1.2 مليون برميل يوميا، بسبب الخروقات الأمنية المتكررة.

وصل تدني الإيرادات حداً غير مسبوق ما دفع المصرف المركزي إلى منح سلف لوزارة المالية (الدَّين العام) بلغت في الفترة من 2014 – 2017 م نحو70 مليار دينار.

يقوم المصرف المركزي بتغطية الإنفاق على أبواب الميزانية وفقاً للترتيبات المالية المعتمدة لعام 2017م، كما وردت من وزارة المالية لكافة مدن ليبيا ومناطقها دونما استثناء، على عكس ما يتم ترويجه زورا وبهتانا.

إن محاولة تهييج الرأي العام من قبل فئة تبحث عن وتدفعها مصالح ضيقة ضد المصرف المركزي وإدارته تدخل في دائرة إشاعة الفوضى والانفلات، ومحاولة يائسة للسيطرة على آخر حصن مؤسسي سيادي في ليبيا لا تزال المؤسسات المالية العالمية تحترمه وتعترف بإجراءاته.

وفي حالة العبث بهذه المؤسسة لا قدر الله ستكون النتائج وخيمة. ومحاولة تحميل المصرف المركزي كل مشاكل ليبيا هو افتئات وعلى الحق وافتراء على الحقيقة.

وعلى مؤسسات الدولة الإخرى واجباتها

ما الذي قدمه المجلس الرئاسي لليبيين؟

هل حل مشاكلهم الأمنية والصحية والخدمية؟

هل حل كارثة الخطف وغيرها من الكوارث الأمنية؟

هل بدأ في تجميع السلاح المنتشر؟

هل حل مشكلة الكهرباء؟

هل حل مشكلة القمامة؟

وما الذي قدمه مجلس النواب الذي عجز عن عقد جلسة متكاملة النصاب ما عدا جلسة اعتماد المزايا والمهايا؟

وما الذي قدمته الحكومات المنقسمة على نفسها للمواطن الذي يحاصر بالمشاكل والمعضلات التي تنغص عليه حياته، سوى إرهاق ميزانية الدولة بمصروفات طائلة.

ولا يمكن تغافل الربكة المالية التي أحدثها المصرف المركزي بالبيضاء المزعوم بطبعه لمليارات من الدينارات بعيدا عن الإدارة المركزية المسؤولة عن هذا الإجراء وفق ترتيبات مالية معقدة ومعايير عالمية لا يمكن تجاوزها.

فطبعت الملايين دون تغطيات حقيقية.

وأسهم هذا في إضعاف قيمة الدينار، فالمسألة ليست مسألة طباعة أوراق نقدية بل كيف تغطى هذه الأوراق ذهبا بأرصدة ثابتة.

نعم للأصلاحولا للفتنة

إن المرحلة التي تتخبط فيها ليبيا، ولا نقول تمر بها، يجب أن تتكاتف فيها جهود المخلصين من أبنائها لإنقاذها من هاوية الإفلاس التي تحوم حولها.

وحينها لن يقفز أحد من السفينة فالجميع سيغرق وستلعننا الأجيال لكوننا فرطنا في وطن كان بإمكاننا إنقاذه من براثن الضياع والفشل والانهيار.

لا أحد يصادر على الناس حقهم في التظاهر ولكن إثارة الفوضى ضد مؤسسة مالية صامدة هو عمل غير مسؤول ومدفوع من موتورين وأصحاب مصالح ومتضررين من قطع الطريق عليهم والحؤول دون ارتكابهم مزيداً من الجرائم والعبث بالمال العام.

لو كان ثمة تجاوزات فهناك جهات رقابية هي صاحبة الاختصاص الأصيل في مساءلة المصرف المركزي وإدارته وفق إجراءات متعارف عليها.

إن الليبيين الشرفاء يتطلعون إلى بصيص أمل في حوار تونس ليكون بداية لوضع حد لمعانتهم التي فاقت كل تصور وكل توقع.

إن الناس يكابدون في ليبيا فلنخلص النيات ونعزز الأمل والشعور الإيجابي وننزع حالة الإحباط ونقطع الطريق على كل من يريد تهييج الرأي العام تحت مزاعم باطلة لخدمة مصالحه ولو كان على حساب دمار وطن.

اللهم ألهمنا الصواب والسداد وإلفّ بين قلوبنا أنت مولانا ونعم النصير.

_____________

مواد ذات علاقة