في الجزء الأول خلصنا إلى أن الاتفاق السياسي لم يدخل حيز التنفيذ ولم يصدر في شكل تشريع وطني (تعديل دستوري)، ثم ناقشنا متى ينتهي الاتفاق السياسي؟ وخلصنا إلى عدة نقاط مهمة، وفي هذا الجزء نقدم المقترحات التالية:
الخاتمة/ المقترحات
ـ مخطئ من يعتقد أنه يمكن للاتفاق السياسي أن يمضي قُدما بدون مجلس النواب، بكل الانتقادات الموجهة إليه والخلل والانقسام والعجز وسوء الإدارة والتفريط في المسؤولية وحتى شبهة الفساد التي لاحقته وتلاحقه. فلا يمكن للاتفاق السياسي أن يظهر للوجود فعليا إلا بتعديل دستوري صادر عن مجلس النواب. وعليه فإنه لكي يكون الاتفاق السياسي منجزا ونافذا فإن الحقيقة المرّة التي يجب مواجهتها أنه يجب أن يكون للبلاد مجلس تشريعي يعمل ويصدر حزمة التشريعات المطلوبة لولادة المؤسسات المنبثقة عن الاتفاق السياسي بما فيها حكومة الوفاق الوطني ومجلس الدولة الذي يفترض أن يعاد تشكيله بصورة صحيحة وفقا للاتفاق السياسي.
ـ إن حالة العجز والانقسام التي طالت مجلس النواب لا تعفيه من المسؤولية ولا تعفي أعضاءه، بل هو يتحمل جزءا كبيرا من مسؤولية إخفاق المسار الديمقراطي. كما وأن انتهاء ولايته يجب أن تكون مدعاة لأن يكون مجلس النواب حريصا على تسليم السلطة لا التشبث بها أو السعي لتجديدها. فدوره هو في المساهمة في إيجاد مخرج للبلاد والسعي لتسليم السلطة إلى هيئة تشريعية منتخبة مؤقتة أو دائمة.
ـ لذا فإن الخطوة الاساسية هي إصلاح هذا الجسد العاجز من خلال حزمة من الإجراءات الجدية والشجاعة وبمساعدة دولية بما فيها تغيير رئاسته وإعادة انتخابها، وعودة المقاطعين، والفصل في مسألة مقره المؤقت ومكان انعقاده، وفي المجمل كل التدابير التي من شأنها إعادة الحياة لهذا الجسم المنتخب، لأنه لا يمكن للاتفاق السياسي أن يكون إلا من خلال التشريعات التي هي من اختصاص مجلس النواب دون غيره.
ـ ستظل الهيئات المنبثقة عن الاتفاق السياسي غير فعالة لحاجتها الماسة للتشريعات اللازمة، كما وأن مجلس الدولة ذاته لايمكنه أن يعمل إلا من خلال الشراكة مع مجلس النواب، ذلك أن أهم أعماله لا تتحقق إلا بالتوافق مع مجلس النواب، بما فيها المعضلة الدستورية (المادة 23/1).
ـ أما حكومة الوفاق الوطني، فتعلم جيدا أن موضوع التفويض الذي يذيّل وزاراتها لا أساس له، وإن الحكومة لكي تكون سلطة تنفيذية بحاجة لنيل ثقة السلطة التشريعية، كما وأنها تخضع للمراقبة والمحاسبة من قبلها. ولعل خير مثال على ذلك عدم تمكن حسم موضوع محافظ مصرف ليبيا المركزي (م 8 من الاتفاق السياسي/ مجلس النواب) وتأثير ذلك على الحالة الإقتصادية للمواطن، وعدم القيام بتعيين بديل عن نائب رئيس المجلس الرئاسي المستقيل “السيد / موسى الكوني” والتي تتطلب استنادا للإتفاق السياسي (م 5/1 ) أن يقوم مجلس النواب بالتشاور مع مجلس الدولة للتوافق على بديل خلال عشرة ايام من خلو منصبه على أن يعتمد ذلك من مجلس النواب. إن في عدم استبدال نائب الرئيس المستقيل ما يجعل من إصدار قرارات المجلس الرئاسي التي تتطلب إجماعا مخالفة لبنود الاتفاق السياسي.
ـ لذا، ليس من النجاعة خوض حرب معلنة مع مجلس النواب، ولا تقزيمه وتحجيمه في شخص رئيسه، ولا محاولة شق صفه واستمالة أعضائه، ولا الاستهانة به والتحجج بعدم الارتهان إليه. بل النجاعة هي في انقاذ مجلس النواب، وتقويته وتنظيمه والتعاون معه في تجاوز العقبات. وإن نعت مجلس النواب بالمعطل والعاجز ينطبق على المجلس الرئاسي المنقسم والعاجز عن الاجتماع و إصدار قرارته “بالإجماع” وفقا لما يتطلبه الاتفاق السياسي الذي انشأه. فالمركب واحد ويسير بالجميع عكس التيار.
ـ إن دعم المجتمع الدولي لا يكون لمؤسسة دون غيرها، ولا في تقوية مؤسسة على حساب أخرى. بل دعم الاتفاق السياسي يكون من خلال كل المؤسسات التي يقوم عليها. إن مسلك “فرق تسد” الذي تقوم به بعض الدول ذات المصلحة الخاصة في المنطقة والذي تنجر نحوه بعض المؤسسات هو معول هدم للاتفاق السياسي بأيادي ليبية.
ـ إنه وطالما أن المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة ورئيس بعثتها للدعم في ليبيا بصدد تقديم خطة جديدة للأزمة الليبية، فإنه وقد فشل الاتفاق السياسي في تحقيق أهدافه، حين تحول من اتفاق للحل إلى “اتفاق اطار” لحلول أخرى مأمولة، ومن اتفاق نهائي جامد إلى اتفاق “متعين التعديل“، وخرج من أحضان راعيه الأساسي وهو الأمم المتحدة إلى رعاة دول أجنبية ذات مصالح متنافرة، فقد آن الآوان للتعامل بجدية مع الاتفاق السياسي بإتخاذ حزمة من الإجراءات خاصة التشريعية ووضعه في إطاره الصحيح وعدم الإستهزاء ببنوده والتعامل في إطار الواقع بدلا من إطار القانون، أو الإعلان عن فشله بشجاعة.
إذ لا يمكن الاستمرار في إدارة الأزمة الليبية من خلال مؤسسات الأمر الواقع وبالمخالفة للاتفاق السياسي ذاته. فنحن أمام مجلس تشريعي عاجز ومهمل ومنقسم ومختزل في شخص واحد وغير قادر على حسم موقفه من الاتفاق السياسي لمدة سنتين، وحكومة وفاق وطني تلعب في ملعب واسع من صنع المجتمع الدولي، وهي في الحقيقة نتاج هذا الاتفاق.
فإن كان ساريا وفقا لما ورد فيه من أحكام سرت وعملت. وإن كان غير سار فإن عملها كطواحين الهواء لا يجد ما يسندها قانونا، ومجلس أعلى للدولة سجل سابقة خرق الاتفاق السياسي وسد كل المنافذ لتصحيح إجراءات تشكيله وفقا للاتفاق السياسي، كما وأن دوره يرتبط ارتباطا وثيقا بمجلس النواب، وعليه لا قدرة له على العمل دون رديفه.
ـ إن الفراغ القائم اليوم بسبب فشل الاتفاق السياسي وخروقاته المتكررة، وعدم ولادة مؤسساته بإجراءات سليمة، وخرق بنوده بشكل مستمر، فاقم من معاناة الليبيين. بل شهدت الساحة الليبية مؤخرا تدخلات دولية سافرة في شؤونها وتجاوزا لها وعدم احترام لمؤسساتها الواهنة، ومطالبات فردية وتهافتا على السلطة بشكل علني بكل الطرق بما فيها تأليب الرأي العام واستغلال حالة المواطن الإقتصادية، وباستخدام طرق خارج الإعلان الدستوري والاتفاق السياسي وهي علامات على ضعف وهوان الاتفاق السياسي ومؤسساته.
لذا، فإن كانت النوايا الدولية خالصة لرفع معاناة الشعب الليبي المتفاقمه والمحافظة على وحدته، وإن كانت هناك جدية لأن تكون ليبيا مصدر استقرار وليس مصدر قلاقل لجيرانها ولحوض البحر المتوسط، وإن كانت هناك رغبة في وضع حد لتفاقم الهجرة غير النظامية ورفع معاناة المهاجرين واللاجئين، ومكافحة الإرهاب، فإنه حان الوقت للتعامل بجدية ونجاعة مع الاتفاق السياسي وإيجاد آلية حقيقية لإدخال التعديلات اللازمة عليه التي تجعله قابلا للتطبيق ورفعه من الإطار السياسي إلى المنزلة القانونية، وتفادي تأسيس مؤسسات الواقع وعدم القبول بها، وعدم السماح بالإخلال ببنوده والتقيد بها، والعمل على ربط مؤسساته المتوجب تأسيسها تأسيسا صحيحا وصحيا بما يكفل قدرتها على العمل والدفع بها جميعا للخروج بليبيا من هذا النفق المظلم. وإلا فإنه ورحمة بالشعب الليبي يتعين إنسانيا وأخلاقيا إعلان فشل الاتفاق السياسي والبحث عن حلول أخرى قد يكون من بينها إجراء انتخابات وحل المؤسسات المنبثقة عن الاتفاق السياسي وتجديد العملية الديمقراطية التي ضاعت بين أقدام مؤسسات الأمر الواقع.
***
د. عزة كامل المقهور ـ محامية وقانونية وعضو لجنة فبراير للتعديلات الدستورية
__________