لماذا يبدو من المرجح أن الانتخابات في ليبيا ستؤدي إلى عدم الاستقرار بدل السلام
بقلم عماد الدين زهري المنتصر
تعد الدعوة للانتخابات علامة على الديمرقراطية النابضة بالحياة ولكن الاندفاع الحالي نحو إجراء انتخابات خلال بضعة شهور من الآن ـ وهو مقترح مصدره كل من أمراء الحرب المدعومين من الإمارات تم تقديمه إلى الأمم المتحدة ـ هذا الاندفاع لتحقيق المقترح سيضع الشعب الليبي أمام مستقبل مفعم بالتمييز العنصري وعدم الإستقرار.
الخطر يكمن في الطريقة التي ستقام بها الإنتخابات لأن القانون الحالي يرجح كفة المصوتين من الأقلية على حساب الأغلبية وسيحرم بشكل كبير مناطق شاسعة يقطنها مواطنون ليبيون، وفي المقابل سيسمح لعناصر متطرفة وموالية لنظام الدكتاتور القذافي، الذين لا يتمتعون بشعبية ديمقراطية للفوز بحصة غير .متناسبة في البرلمان
على الرغم من وجود عيوب كثيرة فإن المجموعات الحزبية من داخل وخارج ليبيا دعت أيضا إلى إجراء الإنتخابات كسبيل للهروب من عملية الحوار المرعية من الأمم المتحدة والتي فشلت ـ حتى الآن ـ في توفير الأمن والإستقرار والحكومة الشرعية في البلاد، وهؤلاء يأملون من دعمهم لعقد الانتخابات تحقيق المزيد من التأثير في الاوضاع الراهنة.
السيد فايز السراج، بوصفه رئيسا لحكومة الوفاق المدعومة من المجتمع الدولي الفاشلة، دعا إلى إجراء الإنتخابات في مارس المقبل فيما دعا ”العارف النايض” إلى انتخابات في غضون الأشهر القليلة القادمة، وهو (البارون) الذي يسعى للرئاسة والمدعوم بقوة من الإمارات. غير الليبيين متلهفون أيضا للإنتخابات.
البعثة الأممية في ليبيا أجرت محادثات سرية مع اللاعبين الرئيسيين في ليبيا من بينهم سياسيين من مدينة مصراتة فيما إستضاف الرئيس الفرنسي الجديد إيمانويل ماكرون إجتماعا خلال الشهر الماضي بين ” أمير الحرب ” خليفة حفتر والسراج نتج عنه بيان دعا لإجراء إنتخابات سريعة.
في بلد لا تستطيع فيه الأطراف التوافق على توفير الكهرباء لمواطنيها فأنه يبدو من المشكوك فيه أن يتم عقد إنتخابات تجلب السلام والإستقرار للبلاد.
أن السبب وراء هذا الإندفاع نحو إجراء الإنتخابات بسيط، وهو أن النخب السياسية الحالية ترغب في الحفاظ على مواقعها المتقدمة على المرشحين الآخرين، وذلك الأمر سيتم بشكل أفضل لكونهم يشغلون مناصب عليا حاليا.
الماكينات السياسية للمترشحين للرئاسة مثل محمود جبريل والعارف النايض وعلي زيدان تعمل منذ مدة وبشكل فاعل على تجميع الثروة من رحم المناخ الموبوء بالفاسد، وقد شرعوا بالفعل في بناء شراكات سياسية منذ عدوة سنوات.
هناك الكثير من الأسباب المماثلة التي سمحت لهم أصلا بالوصول إلى مراكز السلطة، فهؤلاء تحصلوا على قوة دفع قوية سياسية ستمكنهم من الفوز في انتخابات قادمة، بالإظافة لذلك فهم متحدون في تصوراتهم وبالكيفية التي ستؤثر على جهود حفتر للوصول للرئاسة عبر صناديق الإقتراع. فحفتر حاليا مشتت بالعمليات العسكرية وهو أقل قدرة على مصارعة هذه النخب التي تحاول الإحتفاظ بمواقعها في مراكز السلطة.
ولكن الاندفاع في إنتخابات تقود إلى مرحلة من السلام والإستقرار، يتطلب امتلاك قدر من الشرعية لكي يستندوا عليها في خوض الانتخابات.
العمليات الإنتخابية الحالية في ليبيا تم تطويرها من قبل نفس الأطراف التي تتحفز لعقدها، وذلك استعدادا للوصول إلى مراكز السلطة ولكنهم قد يحققوا ذلك بأي وسيلة إلا الشرعية.
النظم الحالية للإنتخابات في ليبيا تم إقرارها في مارس من العام 2014 وذلك في إنتخابات مجلس النواب، وكان من المفترض أن تكون تلك النظم تطورا لقانون إنتخابات العام 2012 إلا أن بعض الفقرات كانت تخدم رغبات المجموعات المهمشة مثل الإسلاميين وذلك من خلال ضمان تمثيل لهم على الرغم من نيلهم حفنة من الأصوات
يبقى أن واحد من أهم المخاوف هو أن الأصوات تحسب بشكل مختلف وباعتماد معايير القبلية والمناطقية، ووفقا لمكتب مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان فإن فكرة، أن يملك صوت الفرد الواحد نفس القوة الفاعلة لأي صوت آخر، هي أمر أساسي لحفظ الديموقراطية بالإضافة إلى ذلك فإن طريقة تخصيص الأصوات في الدوائر الانتخابية ينبغي ألا تضر عملية توزيع الناخبين بموضوعية.
بالرغم من الدعم الأممي لتحقيق الانتخابات، فأن النظام الإنتخابي الحالي في ليبيا قد أخفق في تحقيق تلك القيمة الديمقراطية ، فقانون الانتخابات الحالي يشوه عملية التوزيع العادل للناخبين وذلك من خلال رسم الحدود الانتخابية إستنادا إلى اعتبارات المناطقية والقبلية أكثر من الاستناد إلى التمثيل النسبي للكثافة السكانية.
هذا الامر سيظهر خلال عملية توزيع المقاعد البرلمانية والتي ستكون بشكل لا يتجانس مع العوامل الديموغرافية في مناطق معينة دون غيرها.
النظام الإنتخابي الليبي أصبح ضحية الصراعات المناطقية والجهوية، فالبلاد مقسّمة تقليديا إلى 3 أقاليم (برقة وطرابلس وفزان) وبالرغم من وحشية نظام القذافي إزاء كل أقاليم البلاد إلا أن إقليمي برقة وفزان كانا مستهدفتان بالتهميش بشكل خاص.
العامل القبلي يظل أقوى في مناطق الشرق والجنوب الليبي، وبفضل قانون الإنتخابات فإن هاتين المنطقتين قد حصلتا على دعم مبطن خلال مرحلة ما بعد القذافي، وبالتالي أصبح لكل منهما تمثيل أكبر في البرلمان وبشكل جوهري لا يمكن تصوره.
إقليم طرابلس وعلى الرغم من كونه الأكثر كثافة سكانيا حيث يقطنه ثلثي الشعب الليبي، قبل بترتيب (غير عادل) حصلت به طرابلس على نسبة 52% من التمثيل تجنبا لبلقنة ليبيا.
ومن الأمثلة الفضيعة على ذلك حصول مدينة مصراتة على 8 مقاعد فقط في البرلمان وعدد سكانها 450 ألف نسمة في حين تلقت بلدة سبها في فزان وسكانها 96 ألفا 9 مقاعد ” .
عند النظر إلى ما رصده تقرير أعده مركز كارتر عام 2012 عن قوانين الإنتخابات الليبية التي لا تزال تشكل الأساس لقانون الإنتخابات الحالي فأن النظام الحالي قد حقق مصالح سياسية إلا أنه فشل في الوفاء بإلتزامات ليبيا بموجب القانون الدولي العام لضمان المساواة في الإقتراع عن طريق التصويت لكل ناخب والتصويت على قدم من المساواة.
وفي نهاية المطاف فإن النتائج تعني أن الناخبين في الجزء الشرقي من ليبيا يحصلون على ثلاثة أضعاف تمثيل المواطنين الغربيين ، ويرتفع هذا العدد إلى ست أضعاف في فزان الجنوبية.
بالنسبة لجميع أخطاء نظام الإنتخابات الأمريكية، هنالك مخاوف حقيقية إذا سُمح لولاية تينيسي مثلا بإرسال 27 ممثلا إلى الكونغرس و9 ممثلين فقط لولاية ماساتشوستس. ولكن على الرغم من وجود أحجام سكانية مماثلة، فإن ذلك النظام الإنتخابي هو ما تريده الأمم المتحدة في ليبيا، أما الرئيس الفرنسي وغيره من اللاعبين الرئيسيين فهم يريدون من الشعب الليبي تبني النظام الحالي في الانتخابات المقبلة من دون أي حديث عن إصلاح مشاكل ذلك النظام الانتخابي. الأمر الثاني الذي يجعلنا نتحفظ على قوانين ليبيا الانتخابية الحالية هو الطريقة التي يتم بها إنتخاب ممثلي كل دائرة انتخابية، ففي الولايات المتحدة، الناخبون لا يملكون سوى ممثل واحد عن منطقتهم ويمكنهم الإقتراع لمرشح واحد. أما في ليبيا فهناك مقاطعات وممثلون متعددون ووسيتقدم للإنتخابات عدد من المترشحين، ولكن لا يمكن لكل مواطن أن يصوت إلا لمرشح واحد. وبالتالي فأن وجود مرشح ديموقراطي وصاحب شعبية كبيرة (على سبيل المثال يكسب 80 %من الأصوات ) يمكنه شغل مقعد واحد فقط في دائرة انتخابية لديها ثلاثة مقاعد شاغرة.
المرشحون الأقل شعبية والذين قد يكونون قد حصلوا على حصص من المرشح الأول فسيأخذون المقاعد المتبقية. هذه هي الطريقة التي يصل بها المرشحون الهامشيون إلى البرلمان، وبالتالي يخنقون الإرادة الديمقراطية للشعب. ومن خلال هذه الثغرة يتمكن المرشحون المتطرفون بسهولة من إيجاد طريقهم إلى مراكز السلطة.
على سبيل المثال عقيلة صالح ، رئيس مجلس النواب ـ سلطة حكم بديلة كانت تشكل تحديا لسلطة الجيش في شرق ليبيا ـ هذا الرجل هو من مؤيدي نظام القذافي، وقد إنتخب في يونيو من عام 2014 بـ913 صوتا فقط.
ان أنظمة الانتخاب المختلفة لها دور في إضعاف قيمة المساواة بين الناخبين، وقد خلص تقرير مركز كارتر إلى أنه في 50 من 73 دائرة إنتخابية سُمح للناخبين بالإدلاء بأصواتهم مرتين بدلا من مرة واحد في إنتهاك صارخ للمعايير الدولية التي تتطلب حق الإقتراع على قدم المساواة.
ونظرا لإنتشار سياسات تعتمد القبلية والمناطقية فقد أدى ذلك إلى مزيد من الإنحراف في التوازن بين الناخبين، مما منح بعض المناطق تأثيرا أكبر.
الدستور المقترح مؤخرا لم يعالج أي من هذه العيوب لأنه ليس هناك أي دافع لهيئة صياغة الدستور لتغيير أي شيء حيث أن إختيارها تم من قبل ذات النظام المعيب وأعضائها مدينون لهذه العيوب لأنها مكنتهم من تولي مراكزهم، ولكن قبل أن تتمكن ليبيا من إجراء إنتخابات جديدة ينبغي معالجة هذا الخلل لأن إجراء الإنتخابات في ظل نظام التصويت الحالي ومن دون دستور مصادق عليه سيوفر للسياسيين قشرة من الشرعية من دون وجود ضوابط دستورية أو ضمانات أو أدوات للتقييم والتوازن.
في الشرق الأوسط هذه وصفة للعودة السريعة إلى الحكم الإستبدادي.
بالإضافة إلى معالجة هذه المشاكل في قانون الإنتخابات الليبي فالحاجة ماسة إلى مزيد من الوقت للسماح لمرشحين إضافيين مؤيدين للديموقراطية لتقديم أنفسهم بشكل جيد وفعال، فهم عادة ما تكون مواردهم محدودة للغاية. أما السياسيين الليبيين الذين يطالبون بإجراء إنتخابات، معظمهم لهم صلات مع قوى خارجية أقليمية مثل مصر و روسيا والإمارات.
بالرغم من أن طرح هذا الأمر قد يبدو من قبيل التناقض، حيث أن إجراء الإنتخابات في ليبيا في الوقت الحالي سيتيح للمؤسسات المناهضة للديمقراطية أن تتجذر، وقد يبدو أن قرار إلغاء الإنتخابات جذريا هو قرار شديد الوقع، ولكن بالنظر إلى مجموعة اللوائح الحالية التي تحرم الملايين من الليبيين من حقهم وتمهد طريق السلطة أما المجموعات الهامشية، فإن العودة إلى هذا الأمر سيكون أفضل لجميع الليبيين ومنطقة البحر المتوسط ككل.
***
عماد الدين زهري المنتصر هو مؤلف ومحلل سياسي متخصص في الشرق الأوسط والدراسات الإسلامية. وهو عضو مؤسس في مجلس الشؤون العامة الأميركية الليبية واللجنة الدائمة مع ليبيا.
______________