بقلم مصطفي عبدالوهاب الساقزلي

الذين شهدوا عن كثب تلك التضحيات، والثمن الباهظ، للصراعات المسلحة في العالم يدركون بحق أن الحوار هو في نهاية المطاف السبيل الوحيد لإيقاف الحروب وبناء السلام. وهذا ينطبق على أجزاء كبيرة من عالمنا العربي أكثر من غيره.

فلهذا يسعدني هنا أن أقدم للقراء العرب الترجمة العربية لكتاب السيد (جوناثان باول) وهو كتاب قيم يدور موضوعه حول “الحوار مع الجماعات المسلحة”.

إن جوناثان باول كدبلوماسي عريق ومفاوض متميز ووسيط معروف يكتب عن تجارب عاشها بصورة مباشرة وشارك فيها من خلال الحوار مع جماعات مسلحة وإرهابية للوصول الى قناعات مشتركة حيال تحقيق سلام حقيقي ودائم بين أطراف النزاع.

كما أن الدروس والعبر التي استخلصها من هذه التجارب الحوارية تبين لنا بما لا يدع مجاﻻ للشك أن الحوار هو الذي أقنع الكثير من الجماعات المسلحة المعاصرة في العالم التي وصم بعضها بأنه إرهابي أن تتبنى الوسائل السلمية، وتتخلى عن العنف، وتنخرط في العملية السياسية لفض النزاعات.

وهذا، بالنسبة لنا كمسلمين، ليس مجرد واقعية مفرطة، بل وسيلة ناجعة مجدية. فالمجادلة بالتي هي أحسن والمناظرة والحوار المباشر مع من نخلتف معهم، مهما اشتد الخلاف واحتد النزاع، إن هي إلا آليات أصلية في تراثنا حثنا عليها القرآن الكريم والسنة النبوية، وهي من أصول ثقافتا الغنية وتاريخنا وحضارتنا الزاخرة.

قص علينا القران حوارا بالحجج والبراهين بين الله الخالق وإبليس المتمرد. وقص علينا حوارات عدة بين الانبياء والفراعنة والطغاة المستبدين كانت كلها حوارات ومحاجات عقلانية ومنطقية تدار بالعرف والمنطق السليم، وجها لوجه، في جو من الموضوعية والشفافية الكاملة.

وأشهر الحوارات مع مجموعات التطرف العنيف في تراثنا الاسلامي تلك التي جرت بين الصحابي حبر الأمة عبدالله بن عباس، رضي الله عنه، وبين أول مجموعة إرهابية متطرفة ظهرت في الاسلام، وهم الخوارج.

وقد نجح عبدالله ابن عباس من خلال مناظرات مفتوحة معهم في إقناع وانسحاب أكثر من ربع اتباعهم وإدراكهم لخطأ منهجهم وتطرفه وبعده عن سماحة ووسطية اﻹسلام.

إن الحوار مع المجموعات المسلحة والمتطرفة حوار لا مفر وﻻ مناص منه. وهو حوار معقد وصعب ولكن ﻻ بد منه اليوم قبل أي وقت آخر. وهو في أمس الحاجة الى فكر وهمة الصحابي الجليل عبدالله بن عباس وحكمته.

إن الحوار المباشر الصادق هو فرصة للتعامل مع الأسباب الحقيقية التي تدفع بأناس راشدين عقلاء إلى منزلق الغلو والعنف والتطرف. ومعالجة هذه الأسباب من جذورها، سواء كانت فكرية بتجفيف منابع هذا الفكر، أو كانت سياسية أو إقتصادية أو إجتماعية أو حتى نفسية ـ بإطلاق خطط لوضع المعالجات لها.

وإن الحوار الصادق والصبر عليه هو المنطلق الى إزالة سوء الفهم الموجود لدى طرفي النزاع، ومن ثم فإن تقريب وجهات النظر يؤدي الى إيجاد حلول عملية لفض النزاعات وبناء السلام وجلب الاستقرار والرفاه.

في ظل ما مرت وتمر به منطقتنا من زلازل، بعد ثورات الربيع العربي، وانتشار السلاح بين الشباب، ليس هناك من بديل عن إطلاق حوارات صادقة وجادة لاستيعاب المسلحين واقناعهم بان يكونوا جزءً من التغيير وبناء الدولة.

الحوار مع المسلحين واستيعابهم وعدم اقصائهم، وإدماجهم في مجتمعاتهم من خلال برامج علمية وخطط تتيح لهم فرص مواصلة تعليمهم وافساح المجالات الإقتصادية، كالمشروعات الصغرى والمتوسطة، والاستيعاب السياسي، فهذه هي أسلم الطرق لتحصين الشباب من اعتناق التطرف واستخدام العنف.

الحكمة تقتضي أن نحول هذا الجيل الشاب الذي يعد الوقود المتأجج من الفكر والطاقة العنيفة نحوله بحكمة وصبر وتوعية وتثقيف وتعليم، الى طاقة وزخم في اتجاه بناء دولنا ومؤسساتنا ومجتمعاتنا واقتصاداتنا.

إن الدعوة الى اقصاء هذه التيارات واستخدام العنف والقوة بدل الحوار، لا سيما من طرف أجهزة عسكرية وأمنية قمعية غير منضبطة بالقانون وبحقوق الانسان، لمكافحة التطرف العنيف، أثبت أن مساويه أكبر وأخطر من فوائده، بل ويعطي الحجج لهذه المجموعات العنيفة لكسب المزيد من الأنصار، لأنهم يحاربون أجهزة قمعية ظالمة مستبدة لا تفهم الا القوة والمقاومة العنيفة !

من أجل ذلك تأسس البرنامج الليبي للإدماج والتنمية برؤية واضحة تؤمن بأن بناء الدول يأتي من خلال إستيعاب كافة أبنائها وتأهيلهم والارتقاء بهم ليكونوا حماة وبناة للوطن.

إن البرنامج مؤسسة تُعنى بجميع المسلحين والمجموعات التابعة لهم، دون أي تمييز.. ويسعى إلى إعادة إدماجهم وتأهيلهم وتقديم الدعم والمساندة لهم من خلال برامج التعليم والتدريب والتمكين الإقتصادي والإجتماعي والإدماج في المؤسسات الأمنية والعسكرية، ليصبحوا مواطنين فاعلين، وليساهموا في بناء الوطن بعدما ساهموا في تحريره.

وفي عام 2014 قام السيد جوناثان باول بزيارة الي طرابلس بخصوص فض النزاع الليبي، وفي إطار عمله كممثل خاص للحكومة البريطانية الى ليبيا وفي حديث لي معه اقترحت عليه ترجمة كتابه القيم هذا الى العربية ونشره على أوسع نطاق ممكن، كي يتسنى للقارىء العربي أن يتعرف على ما فيه من أفكار وتجارب وأساليب وحوارات ونماذج وتفاوضات من مختلف التجارب في معالجة المنازعات المسلحة في العالم. وقد تقبل اقتراحنا مشكورا.

ونحن في البرنامج الليبي للإدماج والتنمية نرجو أن يلاقي هذا الكتاب ما يستحقه من اهتمام وتقدير وانتشار.

والله الموفق.

***

مصطفي عبدالوهاب الساقزلي ـ المدير العام للبرنامج الليبي للإدماج والتنمية

***

المصدر: تقديم لكتاب الحوار مع الجماعات المسلحة: السبيل لإنهاء الصراعات المسلحة في العالم

___________

أحالة من المنبر:

لمزيد الفائدة ننقل هنا ملخص الحوار الذي جرى في المدينة المنورة بين الصحابي الجليل عبدالله بن عباس والمسلحين الخوارج

وهذا نص الأثر:

عن ابن عباس رضي الله عنه قال: لما خرجت الحرورية اجتمعوا في دار على حدتهم وهم ستة آلاف وأجمعوا أن يخرجوا على علي بن أبي طالب وأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم معه، قال: جعل يأتيه الرجـل فيقول: يا أمير المؤمنين إن القوم خارجون عليك، قال: دعهم حتى يخرجوا فإني لا أقاتلهم حتى يقاتلوني وسوف يفـعلون.

فلما كان ذات يوم قلت لعلي: يا أمير المؤمنين: أبرد عن الصلاة فلا تفـتـني حتى آتي القوم فأكلمهم، قال: إني أتخوفهم عليك.

قلت: كلا إن شاء الله تعالى وكنت حسن الخلق لا أوذي أحدًا.

قال: فلبست أحسن ما أقدر عليه من هذه اليمانية، قال أبو زميل: كان ابن عباس جميلاً جهيرًا.

قال: ثم دخلت عليهم وهم قائلون في نحر الظهيرة.

قال: فدخلت على قوم لم أر قط أشد اجتهادًا منهم، أيديهم كأنها ثفن الإبل، وجوههم معلمة من آثار السجود، عليهم قمص مرحضة، وجوههم مسهمة من السهر.

قال: فدخلت.

فقالوا: مرحبًا بك يا ابن عباس! ما جاء بك؟ وما هذه الحلة،

قال: قلت ما تعيبون علي؟ لقد رأيت على رسول الله أحسن ما يكون من هذه الحلل، ونزلت (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْق).

قالوا: فما جاء بك؟

قال: جئت أحدثكم عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن عند صهر رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم نزل الوحي، وهم أعلم بتأويله، وليس فيكم منهم أحد،

فقال بعضهم: لا تخاصموا قريشاً فإن الله تعالى يقول: (بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ)، وقال رجلان أو ثلاثة لو كلمتهم.

قال: قلت أخبروني ما تنقمون على ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وختنِه، وأول من آمن به، وأصحاب رسول الله معه؟

قالوا: ننقم عليه ثلاثاً.

قال: وما هنّ؟

قالوا: أولهن أنه حكّم الرجال في دين الله، وقد قال الله: (إِنِ الحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ)، فما شأن الرجال والحكم بعد قول الله عز وجل.

قال: قلت وماذا؟

قالوا: وقاتل ولم يَسْبِ ولم يغنم، لئن كانوا كفارًا لقد حلت له أموالهم ولئن كانوا مؤمنين لقد حرمت عليه دماؤهم.

قال: قلت وماذا؟

قالوا: محا نفسه من أمير المؤمنين. فإن لم يكن أمير المؤمنين فهو أمير الكافرين.

قال: قلت أعندكم سوى هذا؟ قالوا: حسبنا هذا.

قال: أرأيتم إن قرأت عليكم من كتاب الله المحكم، وحدثتكم من سنة نبيه صلى الله عليه وسلم ما لا تنكرون [ينقض قولكم] أترجعون؟

قالوا: نعم.

قال: قلت أما قولكم: حكّم الرجال في دين الله، فإن الله تعالى يقول: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ)، إلى قوله: (يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ). وقال في المرأة وزوجها: (وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَماً مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِّنْ أَهْلِهَا). أنشدكم الله أحكم الرجال في حقن دمائهم وأنفسهم، وإصلاح ذات بينهم أحق أم في أرنب ثمنها ربع درهم، وفي بضع امرأة. وأن تعلموا أن الله لو شاء لحكم ولم يصير ذلك إلى الرجال.

قالوا: اللهم في حقن دمائهم، وإصلاح ذات بينهم.

قال: أخرجت من هذه؟

قالوا: اللهم نعم.

قال: وأما قولكم قاتل ولم يسب ولم يغنم، أتسبون أمكم عائشة، أم تستحلون منها ما تستحلون من غيرها، فقد كفرتم، وإن زعمتم أنها ليست أم المؤمنين فقد كفرتم، وخرجتم من الإسلام، إن الله يقول: (النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ)، فأنتم مترددون بين ضلالتين، فاختاروا أيهما شئتم، أخرجت من هذه؛ فنظر بعضهم إلى بعض.

قالوا: اللهم نعم.

قال: وأما قولكم محا نفسه من أمير المؤمنين، فأنا آتيكم بما ترضون، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا قريشًا يوم الحديبية أن يكتب بينه وبينهم كتابًا فكاتب سهيل بن عمرو وأبا سفيان. فقال: اكتب يا علي هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله، فقالوا: والله لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت، ولا قاتلناك، ولكن اكتب محمد بن عبد الله. فقال: والله إني لرسول الله حقًا وإن كذبتموني، اكتب يا على: محمد بن عبد الله ، فرسول الله صلى الله عليه وسلم كان أفضل من علي رضي الله عنه وما أخرجه من النبوة حين محا نفسه. أخرجت من هذه؛ قالوا: اللهم نعم. فرجع منهم ألفان، وبقي منهم أربعة آلاف فقتلوا على ضلالة.

المصدر: http://www.islamdoor.com/k/352.htm

_____________

مواد ذات علاقة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *