بقلم محمد عمر

تعيش ليبيا حالة من التخبط السياسي منذ ثورة فبراير 2011، و رغم إجراء انتخابات برلمانية مرتين، إلا أنه لم يستطع أي فصيل أو قوة سياسية إرساء دعائم نظام سياسي حقيقي، ينجح في تشكيل مؤسسات دولة فاعلة، ما وضع ليبيا حتى الآن في خانة تصنيفات الدول الفاشلة أو الهشة سواء أكان هذا الأمر وفق المعايير الأكاديمية أو يخضع لعمليات تسيس من قبل بعض القوى الخارجية لتحقيق مصالح معينة.

وباعتبار مصر صاحبة جوار مباشر مع ليبيا، وأمنها القومي يتأثر بما يجري هناك، سواء من ناحية انتشار الجماعات الإرهابية التي تتخذ من فراغ الدولة في ليبيا فرصة لتثبيت أقدامها هناك، والإضرار بأمن مصر، أو من ناحية تحويل ليبيا لساحة تصفية الحسابات النفوذ بين الدول الكبرى والإقليمية على الأراضي الليبية، ما يسمح بوجود عسكري أجنبي بجوار مصر ما يمثل تهديدا استراتيجيا لها، خاصة إن لم تكن في حالة توافق مع هذه الدول.

ويواجه الليبيون صعوبة الآن في بناء دولة جديدة، ما يجعلهم يسيرون في دوامة من حالة فشل الدولة التي تسببت ليس في الأضرار بالليبيين فقط والسماح بتحويل بلادهم لساحة تنافس و مساومة بين القوى الخارجية وأراضي خصبة للإرهاب والعصابات، لكن امتد ذلك ليؤثر بشكل أكبر على دول الجوار منها مصر، فقد ساهمت حالة الحدود الرخوة أو السائبة في تهديد الأمن القومي لمصر نتيجة لعمليات تهريب الأسلحة وانتقال العناصر الإرهابية بين البلدين.

أولاـ أسباب ومؤشرات تحول ليبيا إلى دولة فاشلة:

كثرت المفاهيم في أدبيات العلوم السياسية التي تعرضت لمفهوم الدولة ذاتها، ومفهوم الدولة الفاشلة و العناصر الأساسية في هذا المفهوم حديث العهد، إلى جانب توظيف مثل هذه المصطلحات سياسيا لدى العديد من القوى الدولية.

ويعرف عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر الدولة بأنها “الوحدة القادرة على احتكار العنف وممارسة الضبط على كامل إقليمها”، ويركز هذا المفهوم على عنصر القوة وشرعية استخدامه، ومن القادر على فرضه الذي يرى أن الدولة تمتلك أداة القهر والعنف وحدها دون منافسة أو منازعة من أحد، وانضواء الجميع تحتها وقدرتها على فرض قوتها على الجميع وتطبيق قوانينها بقوة القهر .

فيما يرى عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو أن الدولة هي محصلة عملية تركيز مختلف أنماط رأس المال: رأس المال الإكراهي (الجيش والشرطة)، و رأس المال الاقتصادي والثقافي والرمزي”، وبهذا تكون قوة الدولة متفوقة على ما عداها من أشكال اجتماعية و تنظيمات، فهي تجمع كل أنماط السلوك أكثر من غيرها و قادرة على ضبطه والتحكم فيه وتوفيره دون غيرها.

أما مصطلح الدولة الفاشلة فقد ظهر في أوائل تسعينيات القرن الماضي، عقب انهيار الحكومة الصومالية، فظهرت دراستان أساسيتان حول هذا المفهوم، وكانت الدراسة الأولى لـ “جيرالد هيرمان– ستيفن راتنر”، عام 1993، التي رأت أنّ مفهوم الدولة الفاشلة يمكن أن يُختصر “بتلك الدول التي لا تستطيع أن تلعب دوراً ككيان مستقل” مثل هايتي، يوغوسلافيا، السودان.

أما الدراسة الثانية فهي لـ “وليام زارتمان” عن الدولة المنهارة في عام 1995، وأشار إلى أنها “تلك الدول التي لم تعد قادرة على القيام بوظائفها الأساسية”، مثل الكونغو في ستينيات القرن العشرين، وتشاد وغانا و أوغندا في أواخر ثمانينيات القرن نفسه، والصومال مع بداية تسعينيات القرن العشرين.

ومن ضمن تعريفات الدولة الفاشلة، أنها الدولة التي تفقد السيطرة على وسائل العنف الخارج عن الإطار القانوني، وبالتالي تعجز عن تحقيق السلام والاستقرار لشعبها، وفرض السيطرة على أراضيها، ولهذا لن تقدر على ضمان النمو الاقتصادي أو أي توزيع عادل للسلع الاجتماعية، وغالبا ما تتميز بانعدام المساواة الاقتصادية والمنافسة العنيفة على الموارد.

ويعرف القانوني الدولي الدولة الفاشلة بأنها الدولة التي تفتقد حكومة شرعية وتشهد حالة من العنف المركز و صدر قرار من مجلس الأمن التدخل فيها لأمور إنسانية.

وكأي مفهوم سياسي تعددت التعريفات المختلفة لمفهم الدولة الفاشلة، لكن توجد سمات أساسية يمكن إطلاقها على الدولة التي تتصف بالفشل، منها:

  • وجود تحديات في الداخل تهدد بقاء الدولة أو النظام السياسي القائم.

  • انتشار حالة العنف السياسي الشامل أو وجود صراع عسكري مسلح لا يمكن للحكومة الموجودة السيطرة عليه.

  • عجز مؤسسات الدولة على أداء وظائف الحكم وتأمين الأحد الأدنى من الخدمات الأساسية للشعب .

  • التشكيك في قدرة النظام الحاكم على تمثيل الدولة في علاقاتها الخارجية.

وبالنظر إلى الوضع في ليبيا حيث غياب حكومة موحدة وجهاز أمني واحد “جيش وشرطة” قادر على احتكار العنف، إلى جانب انتشار حالة العنف المسلح، فقد صنفت ليبيا وفق التقرير السنوي عن الدول الفاشلة/ الهشة لعام 2016، الصادر عن صندوق السلام التابع للأمم المتحدة بالتعاون مع مجلة “فورين بوليسي” الأمريكية، في قائمة الخمس دول الأكثر فشلا مع السنغال و اليمن و سوريا ومالي، خلال عقد من الزمان في الفترة من 2006 حتى 2016.

ويلاحظ استخدام “فورين بوليسي” مصطلح الدول الهشة بدلا من “الدولة الفاشلة” في تقريرها منذ عام 2014، بعد أن كان يحمل اسم “الدول الفاشلة” منذ إصداره في عام 2005، كما يصنف التقرير 178 دولة في العالم، من خلال تحليل عدد من المؤشرات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية (12 مؤشراً)، إضافة إلى مؤشرات فرعية (100 مؤشر).

ويعتمد المؤشر على قياس مؤشرات اجتماعية مثل مستوى العنصرية والعنف الطائفي والديني والأمن الغذائي وتوافر المياه، وحركة النازحين والمهاجرين والمخاطر الأمنية، ووضع حقوق الإنسان، ومؤشرات اقتصادية تتضمن دخل الفرد والعجز الاقتصادي والقوة الشرائية والدين الحكومي وإجمالي الناتج المحلي والبطالة والتضخم، والفساد و درجة المشاركة السياسية ومستوى الديمقراطية والعنف الداخلي وانتشار الأسلحة و الصراع على السلطة.

وفي تقرير 2016 تراجع تصنيف ليبيا في التقرير السنوي الخاص بمؤشر “الهشاشة العالمي” لتكون بين أكثر دول العالم تدهوراً خلال العقد الماضي، وجاءت ليبيا في المرتبة رقم 25 في القائمة، لتكون بين الدول ذات التصنيف «الحرج» وفي مستوى «الإنذار»، بواقع 96.4 نقطة، نتيجة لوجود الأزمات السياسية والاقتصادية، إلى جانب استمرار الصراع المسلح وقضايا أخرى.

ووصف التقرير الوضع في ليبيا بأنه في أعلى درجات التدهور، (درجات من صفر إلى عشر نقاط)، وهي (8.0) في مؤشر المهاجرين والنازحين، و(8.3) في مؤشر العنف والاقتتال الداخلي بين المجموعات، والتنمية الاقتصادية (5.8) ووضع حقوق الإنسان (9.3)، وشرعية الدولة (9.5) والفقر والتدهور الاقتصادي (8)، وانقسام النخب والساسة (9.4)، والتدخل الخارجي (9.7)، والخدمات العامة (7.2)، والأجهزة الأمنية (9.6). وتراجع ترتيب ليبيا مقارنة بالتصنيف ذاته لعام 2015 حيث سجلت 95.3 نقطة.

وبالتالي فإنه وفقا للتعريفات الأكاديمية والمؤشرات الدولية رغم ما قد يشوبها من تسييس إلا أنها، تؤصل للواقع الليبي بدرجة كبيرة، فما ذكرته مؤشرات تقرير الهشاشة العالمي، ينطبق بشكل واضح على الوضع الحالي في ليبيا الذي لم يتغير كثير منذ إطلاق التقرير حتى الآن.

ثانياـ تداعيات فشل الدولة الليبية على نشوء الحدود الرخوة:

تسببت حالة فشل الدولة التي تعيشها ليبيا، في عدم قدرتها على التحكم في حدودها وبسط سيطرتها على كافة أراضيها، ما أوجد حالة من انسيابية الحدود وجعلها رخوة، و كان لذلك تداعيات على المستويين الداخلي والخارجي.

فعلى مستوى الداخل استطاعت الجماعات الإرهابية إنشاء حاضنة لها على الأراضي الليبية واستقطاب العديد من أصحاب الفكر المتطرف إليها مثل تنظيم “داعش”، ما جعل ليبيا مرشحة لأن تكون الأراضي البديلة لدولة داعش في سوريا و العراق التي على وشك الاندثار.

واستطاعت حكومة الوفاق الوطني المعترف بها دوليا بدعم أمريكي في إنهاء إحدى أماكن تجمع تنظيم داعش الإرهابي في سرت خلال عملية البنيان المرصوص، التي أعلن في ديسمبر الماضي نجاحها في تحقيق أهدافها بعد قتال استمر لمدة 8 أشهر، لكن ما زالت العديد من الجماعات والعناصر موجودة على الأراضي الليبية خاصة في الجنوب.

و ما يثير الخلاف أكثر بين الليبيين هو عدم الاتفاق على مفهوم الإرهاب والجماعات المنضوية تحته، فالمشير خليفة حفتر يعتبر بعض الجماعات إرهابية مثل “مجلس شورى ثوار بني غازي” ويقوم بمحاربتها رغم دعمها من قبل حكومة الإنقاذ التي كانت يوما ما ممثلة للشعب، إلى جانب السماح لقوى خارجية باستغلال هذا الأمر مثل قطر و تركيا اللتين تدعمان حكومة الإنقاذ، فيما تدعم مصر والإمارات الحكومة المؤقتة رغم اعترافهما بحكومة الوفاق صاحبة الشرعية الدولية.

وبالنسبة إلى مستوى الخارج ساهمت الحدود الرخوة أو السائبة في ليبيا على الإضرار بأمن دول الجوار خاصة مصر وتونس والجزائر، بدءً من سهولة انتقال العناصر الإرهابية من وإلى ليبيا، إلى جانب عمليات انتقال الأسلحة والمواد المخدرة.

ويقابل الحدود اللينة، الحدود الصلبة، وهي الخط الفاصل بين حدود دولتين مختلفتين اقتصاديا وسياسيا وثقافيا وديموغرافيا، حيث تبدأ سيادة دولة وتنتهي سيادة أخرى، وهذه الحدود قد تكون وسيلة تعاون أو صراع بين الدول وبعضها البعض، وهنا تستطيع الدولة في ضبط حدودها والتحكم فيها.

ويرجع ظهور الحدود السائبة إلى عدة أسباب، منها تصدع الدولة الوطنية المركزية وظهور الولاءات التحتية، ففي ليبيا ظهرت الانتماءات القبلية بعد ثورة فبراير2011، وسط مطالب بالسيطرة على أقاليمهم وخروجهم من تحت عباءة الدولة الوطنية، مثل مطالب إقليم برقة بالانفصال عن الدولة الليبية.

كذلك يتسبب التحول من الصراع على خطوط الحدود إلى الصراع على “مناطق الحدود”، في انسيابية جغرافية الدولة حيث يسعى كل طرف في الداخل إلى السيطرة على مناطق معينة من أجل تحقيق أهداف خاصة به، والتحكم فيمن يدخل أو يخرج من المناطق الخاضعة له دون إيلاء الاعتبار لأمن الدولة ككل.

وإلى جانب ذلك تتسب الإدارة المزدوجة لأمن المناطق الحدودية في جعل حدود الدولة رخوة وقابلة للاختراق، فوجود أكثر من قوة أو إدارة تتولى أمن الحدود يؤدي لعدم التنسيق، فمثلا توجد أكثر من قوة سياسية في ليبيا تخضع مناطق حدودية لسيطرتها، حيث تسيطر حكومة الإنقاذ غير المعترف بها دوليا على مناطق واسعة شمال البلاد، خاصة على البحر المتوسط ما يسهل عمليات التهريب، كذلك حكومة الوفاق الوطني برئاسة فائز السراج تسيطر على بعض المناطق، ومثلها الحكومة المؤقتة برئاسة عبد الله الثني تسيطر على مناطق شرق البلاد.

ومن أهم الأسباب التي ظهرت في ليبيا و أدت إلى سيولة الحدود تبلور نمط الاقتصادات الحدودية، فقد تزايدت شبكات “اقتصادات الحدود”، عبر عمليات التهريب الواسعة و نشوء تجارة موازية غير شرعية، ويتضح ذلك في ليبيا بوجود عصابات كاملة لتهريب اللاجئين إلى أوروبا عبر السواحل الليبية، إلى جانب عمليات تهريب البضائع والسلاح من قبل الميلشيات والعصابات التي تسيطر على مناطق ومنافذ كاملة.

ويكون لحالة الحدود السائبة تأثير سلبي على دول الجوار، ونظرا لامتلاك ليبيا أكثر من حدود مشتركة مع عدة دول فإنها تسبب لها تهديدات أمنية واستراتيجية، فطول الحدود بين مصر وليبيا فقط يتعدى ألف كيلومتر، بخلاف حدودها مع تونس و الجزائر و السودان و تشاد والنيجر، ما يسهل ليس فقط عمليات التهريب والتجارة غير الشرعية وإنما انتقال العناصر الإرهابية من وإلى داخل هذه الدول.

ومن أهم الآثار السلبية على مصر نتيجة لحالة هشاشة الدولة في ليبيا:

  • انتشار ظاهرة الجريمة المنظمة، لتهريب السلاح والمخدرات واللاجئين.

  • دعم الاتصال بين الجماعات الإرهابية، وإيواء العناصر الإرهابية.

  • جعل ليبيا ساحة للتدخلات الدولية والإقليمية ما يؤثر بشكل مباشر على الأمن القومي المصري.

  • احتمالية تشكيل نظام سياسي جديد لا يتفق والمصالح المصرية.

  • استغلال الدول الكبرى ليبيا كورقة ضغط على مصر للحصول على تنازلات منها في قضايا معينة.

يتبع في الجزء الثاني

***

محمد عمر ـ كاتب وباحث بالمركز

________________

مواد ذات علاقة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *