هذا هو الجزء الثاني من اللقاء الذي تم بين موقع ليبيا الخبر و أحد السجناء المفرج عنهم مؤخرا من سجن قرنادة، وقد روى للمرة الأولى قصته وما شاهده في السجن عن قرب، وإذ أنه يرى أن الصمت وعدم الحديث عن تلك الفترة التي قضاها في السجن، جريمة أخرى لا تقل فظاعة عما شاهده في سجن قرنادة.

الجزء الثاني

هل استمر سجنك بصورة انفرادية؟ ألم يعرض للتحقيق ؟

مكثت في السجن الانفرادي أكثر من 30 يوما، خلال الأسبوع الأول كنت أتعرض للضرب كل يوم، ومن ثم تدرجوا في ذلك، لاحظت خلال ذلك أن مجموعة السجن تختلف، خصوصا في المناوبات الأسبوعية، إذ يختفي العناصر التي تشرف على توزيع الطعام و الضرب في أيام وتظهر في أيام أخري وساعات مختلفة، وبعد هذه الفترة، نقلت لمكان آخر، ووضعت مع أربع أشخاص، منهما اثنين من مدينة درنة وشخص سوري وآخر من منطقة لملودة.

دخلت للزنزانة، وكنت سعيدا جدا بالوجوه العابسة التي التقيت بها، كنت أريد أن أتحدث مع أي شخص، وأخذت أتحدث عن كل ما حدث معي، صدمت بعدم المبالاة وأن كل منهم تعرض لذات الأمر، وقال لي أحد السجناء أنه لم يعرض على التحقيق إلا بعد ستة أشهر، والآخر بعد ثلاثة أشهر، والتحقيق ربما يكون خلال الضرب مع أحد العناصر، وليس مع محقق حسب ما حدثني، وتمنيت الموت، وأصبت بخيبة أمل، كان يومي الأول رفقة السجناء كئيبا إلا أنه مر سريعا فقد تحدث كل منهم عن معاناته وكيف اختلفت القصص واجتمعت في التعذيب والضرب المستمر”.

في اليوم الأول في هذه الغرفة رفقة بقية السجناء، بدت الأصوات التي كنت استمع إليها في الزنزانة الانفرادية أكثر وضوحا، كان الصراخ مستمرا وأصوات أخرى ترافقه، همست إلى من كان بجانبي، فقال لي في غرفة التعذيب خارج العنبر، غرفة الموت البطيء، لم ندخلها إلا مرات قليلة، صدمت عندما قال لي بأن الحراس يقومون بإجبار السجناء على الجلوس على موقد إلكتروني (فرينلو)، وصعقهم بالكهرباء، ونزع الأظافر بالقوة، وغيرها من أساليب التعذيب المختلفة”.

كانت الزنزانة صغيرة، بها حمام صغير جدا بالكاد تحشر نفسك بداخله، وأنبوب مياه ينتهي بصنبور، وعلى الأرض لم تكن هناك سوى ستة فراشات وأغطية لكل واحدة منها، خلال اليوم توزع علينا وجبتين إحداهما للإفطار والأخرى بعد صلاة المغرب، كان الطعام لا يشجع على الأكل، لطالما بدا غير طازجا”.

بعد أن نقلت للسجن مع مجموعة أخرى، هل تعرضت للتعذيب؟

أذكر في يوم من الأيام، أنه قد دخلوا علينا الزنزانة وطلبوا من أحد الأشخاص أن يخرج معه، وعادوا بعد ساعات وألقوه بيننا، تعرض لتعذيب قاسي جدا، كلما حاولنا أن ننقله لفراشه صرخ بشدة وأخذ يبكي، فظل في مكانه حتي اليوم الثاني”.

ذات الأشخاص دخلوا علينا مجددا وطلبوا منه أن يستحم في الغرفة أمامنا، لم أصدق في ذات الأمر أن يجبروه على ذلك، فخلع ملابسه، وطلبوا منه خلع كل ملابسه وعندما أبدى تردده صعقوه بالكهرباء فخلع كل ملابسه وأخذ يسكب الماء على نفسه في زاوية الغرفة، كنا نهرب بأعيننا ولا ننظر إليه، والحراس يضحكون بشدة، ويهددونه بصعقه بالكهرباء والماء يبلل جسمه”.

هل بقية في الغرفة لم تخرج منها أبدا؟

كنا نخرج بعد كل فترة، لما نسميه بـ(اللاريه) وهي ساحة تتوسط السجن، لم أخرج إليها إلا بعد شهرين، كنت سعيدا بضوء الشمس الذي كان حارقا لعيناي أول مرة، كانت مجموعة كبيرة من السجناء تلتقي في هذا المكان، من بينهم جنسيات عربية مختلفة من السودان وسوريا ومصر وتونس، لكل منهم قصة تختلف، وجميعهم يأملون في الخروج من المعتقل”.

ما هي القضايا التي سجن فيها من كانوا معك في الغرفة؟

في الغرفة كان معي اثنين من مدينة درنة وآخر من منطقة لملودة وشخص سوري، كل منهم لم يتحدث بشكل مفصل عن أسباب اعتقالهم جميعهم قال بأنهم سجنوا ظلما في ظروف مشابهة لظروفي، أما السجين السوري فيقول بأنه كان يعمل فنيا في ورشة ألمنيوم بمنطقة القبة، وأهل المنطقة يعرفونه، إلا أنه اعتقل مرة واحدة، بتهمة الانضمام لتنظيم الدولة ورصد مواقع للجيش في المنطقة، وقال خلال التحقيقات طلبت أكثر من مرة بتكليف محامي أو أي شخص يدافع عني، إلا أنه كان يتعرض للتعذيب، ويتوعدونه بالموت عن قريب”.

هل فعلا كان يهددونه بالموت؟ وهل حدثت وقائع مشابهة؟

كان السجين السوري خائفا حقا، في كل مرة يفتحون باب الزنزانة وكأن الموت يطرق باب السجن، كان التهديد صريحا وسبقته حادثة، كل من في السجن يعرفها، إذ أن مجموعة من أولياء الدم دخلوا للسجن وطلبوا تنفيذ الأحكام للأخذ بالثأر، وبحسب ما سمعت أن أربعة سجناء من الجنسية العربية قد أعدموا في باحة السجن على يد تلك المجموعة، في ذلك اليوم سمعنا أصوات الرصاص ومن ثم تبعتها التكبيرات والهتافات”.

أحد السجناء قال إنه شاهد الأمر برمته، إذ كان يشرف على الخدمات والنظافة، قال: بأن ثلاثة من أولئك السجناء قد قتلوا بسلاح كلاشنكوف وآخر بمسدس، وقال: كنت خائفا أن يقتلونني إذا ما شاهدوني فهرعت لداخل السجن واختبأ عن أنظارهم”.

متى عرضت على المحقق؟

في نهاية شهر فبراير الماضي تقريبا، نقلت إلى طابق آخر معصوب العينين، طلب مني من كان في الغرفة أن أجلس على الكرسي الذي على يميني، جلست وشكرته على ذلك، فسألني عن اسمي ولماذا جلبت إلي سجن قرنادة، أخذت أحدثه بكل التفاصيل، ذكرت له كل شيء، وقال المحقق إنه يعرف كل ذلك، إلا أنه يدرك أمورا أخرى تستوجب التحقيق، فسألني لماذا تكره المؤسسة العسكرية، لماذا توالى الإرهابيين في درنة، لماذا تجلس مع فلان، وتلقي السلام على فلان، قال بأن كل هذه الأخبار عبر مصادر لهم في درنة، فذكرت له أن من ذكرهم هم أبناء الحي ونحن على معرفة منذ الصغر وكما أقوم بتحية هؤلاء أقوم بتحية جميع من في الحي ومن أعرف في مدينتي”.

وسألني المحقق: كيف أتحقق بأنك تخرج من درنة بشكل مستمر وذلك لأجل رصد مواقع الجيش، وقال إنه لا يثق بأحد أيا كان من مدينة درنة، ووصف أهل المدينة (بالدعشنة) وأنها مدينة مارقة وأن الجيش سيدخلها عن قريب ويحررها، فلم أتكلم، وطلب من شخص يدعى محمد أن يقوم بإعادتي إلى الزنزانة، وخرجت من غرفة التحقيق معصوب العينين كما دخلتها أول مرة، طلب مني المرافق أن أهرول وضربني على كفتي، فهرولت ويصيح من خلفي (أجري بسرعة) فارتطمت بجدار بقوة حتى أصبت بالدوار، وركلني لأنهض حتى وصلت لغرفتي، كنت في حالة نفسية سيئة للغاية كنت أظن أن المحقق سيكون الملاذ للخروج من هذا المكان”.

في مساء اليوم ذاته، نقلت لغرفة أخرى خارج العنبر، وكانت هي غرفة الموت، التي يعرفها نزلاء السجن، لم أكن أتوقع أن أخوض فترة أخرى من التعذيب، بدأوا في الضرب والركل والإهانة، لم أهتم فقط كنت أفكر في الوسائل الأخرى التي يستخدمونها، واستمروا في الضرب بشكل جماعي حتى سقطت على الأرض، تمنيت الموت على أيديهم لعل معاناتي ستنتهي عند هذا الحد، إلى أن طلب مني أحد الحراس خلع البنطلون، فأدركت بأنني سأجلس على الموقد الإلكتروني (الفرينلو) فصرخت كثيرا حتى خلعته، ومن ثم ركلني على منطقتي الخاصة عدة مرات وصعقت بالكهرباء أكثر من مرة، ونقلت للغرفة مجددا، ولا أصدق ما حدث لي وكيف مرت تلك اللحظات”.

وفي اليوم التالي نقلت إلى التحقيق مجدداً، سألت نفس السؤال، أجبت بذات الإجابة ورويت له القصة بتفاصيلها وبكيت أثناء ذلك، كانت كرامتي قد تبددت أمامي، غادرت غرفة التحقيق وتعرضت لذات الإهانة، طلب مني مرافقي للغرفة أن أهرول فاصطدمت مجددا بالجدار، والحراس يضحكون، وبعد مرات عديدة وعندما نقلت للتحقيق، قلت للمحقق سأعترف بكل شيء تريدون، أرجو فقط أن تتوقفوا عن تعذيبي، فليس باستطاعتي التحمل، فأكدت له بأنني أقوم برصد مواقع الجيش وأزود الجماعات الإرهابية في درنة بكل المعلومات عنهم، ووقعت على ذلك، وقال لي المحقق عقب ذلك بأنه يرجو لي الهداية، ووعدني بمحاكمة عادلة”.

كيف أفرج عليك؟

مرت عليّ الأيام وفقدت الأمل، توقف التعذيب وكذلك التحقيق، كانت الحياة أشبه بالروتين في أدق تفاصيل يومنا، نتطلع لأخبار البلاد عبر كل سجين مستجد يصل للسجن، ورغم أننا لا نصل إليه بعد كل فترة طويلة، إلا أن اجتماعنا مع في (اللارية) ليروي أهم الأحداث، وفي يوم مفاجئ نقلت لغرفة التحقيق مجددا دون أن تعصب عيناي، بعد سجن استمر عدة أشهر، وجدت شخصا جالسا برفقته، وطلب مني المحقق أن أجلس على الكرسي وعرض عليّ كوب من الشاي، شكرته على ذلك، كنه أصر على ذلك، كان طعم الشاي بمثابة الحلوى في فم طفل صغير”.

قال لي المحقق: إنهم تواصلوا مع عناصرهم الخاصة في درنة وأكدوا بأنه لا توجد أي قضايا تتعلق بالأمن تخصني، وقال بأنك عمك فلان وأشار للشخص الذي يجلس معنا، أكد لي بأنك بعيد كل البعد عن هذه الجماعات، وأخذ يشرح لي دور المؤسسة العسكرية وما تتعرض له درنة، بت أشعر بالاطمئنان لأول مرة، وتفاجأت حينما قال لي المحقق يوم الغد ستغادر إلى درنة مع أهلك، شكرته على ذلك، وشكرت الشخص الذي معي وأنا لا أعرفه على الإطلاق لوساطته ودوره في ذلك، نقلت لمكان آخر، غيرت ثيابي وفى المساء تناولت عشاء مما كان يأكله الحراس”.

وفي صباح اليوم التالي كنت انتظر ولم أنم طوال الليل، طرق باب الغرفة التي كنت فيها، لم تكن نافذة باب الزنزانة، طرق الباب ودخل الحارس برفقته والدي وأخواي، ارتميت في أحضانهم، بسعادة لا يمكن أن تخالطني مرة أخرى في حياتي كالتي عشتها ذلك اليوم”.

وحدثني والدي أنه بذل جهودا كبيرة حتى توصل للمكان الذي كنت فيه، كانت كل السجون والنقاط الأمنية تؤكد بأنني لم أكن فيها ولا علاقة لأحدهم بذلك على الإطلاق، وعندما رجح بأنني أكون موجود في قرنادة لمعلومة وصلت إليه، ذهب إلى بنغازي لزيارة قريبه هناك، والذي كانت له علاقات واسعة في الرجمة مقر القيادة العامة للقوت المسلحة للكرامة، والذي بدوره كان له الدور الأكبر في الإفراج عني، كما قال ذلك الشخص بأن ملف التحقيق قد مزق تماما وأنه بإمكاني الخروج من درنة والدخول إليها مجددا”.

هكذا انتهت قصة رجل سجن في قرنادة أكبر معاقل عملية الكرامة، لأشهر عديدة قبع فيها تحت التعذيب والضرب والإهانة ظلما وبهتانا، ليس لشيء إلا لأنه من مدينة درنة المحاصرة.

__________________

مواد ذات علاقة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *