يغطي هذا التقرير الخُلاصي أبرز القضايا والإشكاليات في موضوع الهجرة والشباب العربي: الهجرة والمستقبل، ضمن أعمال المؤتمر السنوي السادس للعلوم الاجتماعية والإنسانية، والذي عقده المركز خلال الفترة 18 – 20 آذار/ مارس 2017 بالدوحة، بمشاركة (65) باحثًا وباحثة مختصًا.

وقد اختار المركز هذا الموضوع في محور العلوم الاجتماعية لمؤتمره السنوي وكذلك للجائزة السنوية للعلوم الاجتماعية والإنسانية، نظرًا إلى أهميته وما تثيره مسألة هجرة الشباب العربي الدولية من أسئلة وقضايا تنموية واجتماعية وسياسية وثقافية مختلفة، إضافة إلى كون الهجرة أصبحت تشكل حاليًا ومستقبلًا أحد الرهانات الأساسية في العلاقات الدولية.

طرح المركز هذا الموضوع في ضوء منهجه في تحديد موضوعات المؤتمرات السنوية للعلوم الاجتماعية والإنسانية على أساس نتائج بحث واستطلاع لفرقه البحثية النوعية المختلفة، وهي تضم باحثين مقيمين ومتعاونين متعددي الاختصاصات.

ويأتي في مقدمة هذه الفرق في المركز فريق استطلاع الرأي العام العربي (المؤشر العربي) الذي يجريه هذا الفريق سنويًا منذ عام 2011، وقد أصدر نتائجه للعام المنصرم 2016.

ويقدم المؤشر العربي مساهمة إضافية موثوقةً علميًا ومحدّثة في موضوعه، من شأنها أن تكون قاعدة معلوماتية ثرية تعتمدها الدراسات العربية، وكذا واضعو السياسات ومتخذو القرارات لفهم هذه الظاهرة واستمراريتها.

اهتم المركز، خاصة في ضوء نتائج عمل فريقه الاستطلاعي للرأي العام، بموضوع الهجرة، وفتح المؤتمر السادس أمام الباحثين العرب المعنيين بدراسة تلك الظاهرة. واستقبل في هذا السياق 155 مقترحًا بحثيًا، واستلم 47 بحثًا أقرّ منها 31 بحثًا بعد تحكيمها.

وتعبّر هذه البحوث عن مستوى أساسي من التفكير العلمي العربي حول هذه الظاهرة، وذلك على مستوى معالجاتها الجديدة لهذا الموضوع أو إضافاتها البحثية، بوصفها تمثل أحدث الدراسات العلمية المنجزة.

وطرح المركز هذا الموضوع من زاوية رؤيته الإستراتيجية لتطوير البحث العلمي العربي في العلوم الاجتماعية، وربطه بالقضايا الأساسية التي تواجهها المجتمعات العربية.

ووضع في إطار هذه النظرة إشكاليات الهجرة والتنمية في البلدان العربية؛ إذ أبرزت نسبة الشباب المرتفعة الذين يرغبون في الهجرة من بلدانهم إشكاليات التنمية وتحدياتها، وعجز النماذج والبرامج والسياسات التنموية السائدة التي اتبعتها الحكومات ودوائر صنع القرار والسياسات عن استيعاب الشباب وإدماجهم في عملية التنمية.

ويكشف هذا العجز ما هو أبعد من مسألة مشكلات فرعية أو قطاعية في تلك النماذج والسياسات إلى مسألة النموذج الحوكمي السياسي التسلطي العربي الذي تعتمده تلك السياسات، ويرفع من مستويات التهميش الاجتماعي والسياسي وهدر الحقوق الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية للمواطنين العرب.

الهجرة الاحتمالية

أظهرت نتائج المؤشر العربيلعام 2016 المرتبطة بهذا الموضوع أن اتّجاهات الرّأي العام العربي، بغض النظر عن فئاته العمرية، لا تبرز تغييرًا في نسب الذين يرغبون في الهجرة الدائمة من بلدانهم.

فإذا كانت نسبة الذين يرغبون/ ينوون الهجرة الدائمة قد انخفضت على نحوٍ طفيف من 24% في عام 2011، إلى 22% في الأعوام 2012 2013 و2014، فإنها ارتفعت قليلًا في عام 2015 إلى 23%، لترتفع مجددًا في أحدث استطلاع للمؤشر العربي في عام 2016 إلى 25%؛

وهو تغيّر محدود وغير جوهري من الناحية الإحصائيّة عبر السنوات الخمس الماضية، لكنه يشير من ناحية دلالته الاجتماعية إلى أن وتيرة الرغبة في الهجرة ما زالت مستمرة، ومرشحة للزيادة في حالة استمرار الاتجاهات التي تحكم عملية الهجرة؛ وبعبارة أخرى، باتت الهجرة في العديد من البلدان العربية ظاهرة مجتمعية.

تعدّ نسبة 25% من إجمالي المواطنين الذين شملهم الاستطلاع الأخير للمؤشر العربي مرتفعة في حد ذاتها، غير أنها ترتفع في حال إعادة بنائها على أساس الفئة العمرية الشابة، وتزداد طرديًا مع توسيع التعريف الإجرائي المعتمد لتلك الفئة من الناحية العمرية.

ومما لا شك فيه أن لفئة الشباب عدة تعريفات عمرية؛ بين التعريف الدولي للأمم المتحدة (15-24 سنة) وتعريف البنك الدولي (15-25 سنة)، وبعض التعريفات الأخرى التي تحددها بـ (15-35) سنة، وربما تصل بها إلى حد 39 سنة في بعض التعريفات.

وتسمح نتائج المؤشر العربي للأعوام السابقة (2011-2016) بالبناء الكمي لهذه النتائج، وفق التعريف الإجرائي الذي يعتمده الباحثون لفئة الشباب.

ويبين تحليل نتائج المؤشر العربي في هذا المجال أنه مهما اختلفت التعريفات الإجرائية لفئة الشباب العمرية، فإن النسبة تظل مرتفعة، وتصل إلى أعلى مستوياتها في حال توسيع هذا المفهوم كما اعتمده المؤشر العربي ليشمل الفئة العمرية (18-35 سنة)؛ إذ تصل نسبة من يرغبون في الهجرة الدائمة وفق هذه التركيبة العمرية إلى نحو 35%.

وتعد نتائج المؤشر العربي الميدانية لعام 2016 متقاربة نسبيًا مع مثيلاتها من استطلاعات ونتائج بحوث ميدانية تتعلق بهجرة الشباب، فيما لو أخذنا تعريف فئة الشباب العمرية في الحسبان، وإن كانت هذه النتائج تبرز تقديرات أعلى نسبيًا من تقديرات تلك الاستطلاعات، وتدفع إلى مزيد من الأسئلة حول نماذج السياسة والتنمية السائدة في البلدان العربية، وتقرع جرس الإنذار أمام واضعي السياسات العمومية والخطط والبرامج التنموية ومتخذي القرارات تجاه تطور الهجرة الاحتمالية بصفتها نوعًا من الثقافة المجتمعية للشباب العربي.

لقد بلغت نسبة الشباب في الفئة العمرية (15-29 سنة) ضمن الراغبين في الهجرة بصفة دائمة إلى دولة أخرى 20% عام 2015. لكنها ارتفعت وفق تقرير منظمة العمل الدولية عام 2016 في الدول العربية من 21% عام 2009 إلى 28% عام 2015. وتتقاطع نتائج المؤشر العربي مع العديد من تقديرات هذه المنظمة وكذا مع البحوث الميدانية التي أنتجها العديد من البحوث والدراسات، ولا سيما المؤسسية منها التي تعنى بمسألة الهجرة.

لكنّها تظهر نسبة مرتفعة نسبيًا لعام 2016، وهي 35% لمن هم في الفئة العمرية الشابة (18-35 سنة)، ممن يرغبون في الهجرة.

ولا شك في أن هذه النسبة سترتفع ارتفاعًا مفرطًا فيما لو أدرج في الاستطلاع البلدان التي تشهد نزاعات أهلية طويلة أو حادة مثل سورية واليمن وليبيا وغيرها. وقد تم استبعادها لكون فئاتها المهاجرة في الظروف الحالية تتعلق بحالات اللجوء وليس الهجرة.

__________________

مواد ذات علاقة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *