سنوات من عمر الثورة الليبية التي اندلعت في الـ17 من فبراير/شباط 2011، والتي لم يتوقع الليبيون في أول سنتين من عمر الثورة أن تصل البلاد إلى مفترق الطرق بين العودة إلى الحكم الشمولي الذي ما انفك حتى خرجت مخلفات القذافي؛ ليُصدم الليبيون بواقع مرير، فانكشفت العورة، وزال الستار وبات الصراع السياسي أزمة لم تنجلِ.
عقب توقيع الاتفاق السياسي الليبي في الـ17 من ديسمبر/كانون الأول 2015 عقب أزمة الانقسام السياسي والصراع بين أجسام تمثلت في مؤتمر وطني ومجلس نواب، ظن الليبيون أنهم فعلاً على خطى طريق المصالحة والوفاق وتوحيد مؤسسات الدولة، إلا أن الصدمة كانت أقوى، وباتت البلاد تعيش في ظل ثلاث حكومات ومجلس نواب ومجلس رئاسي انبثق عن الاتفاق السياسي، شأنه شأن المجلس الأعلى للدولة، الذي لم يسلم من الانشقاق، خاصة وهو يعد جسماً ناتجاً عن الاتفاق بعد إلغاء المؤتمر الوطني سابقاً، ومنح أعضاء المؤتمر جسماً آخر له مهام استشارية في الدولة.
تسارعت وتيرة الأحداث وزاد الاتفاق السياسي فعلاً من حدة الأزمة السياسية الليبية، خصوصاً أن مجلس النواب الذي ألزمه الاتفاق السياسي بتضمينه من خلال تعديل الإعلان الدستوري ومنح الثقة للحكومة لم يلتزم بهذه النصوص تحت بند تأجيل الجلسات وعدم الانعقاد طوال عام ونيّف.
كل هذه التجاوزات التي حدثت وما زالت تحدث تأخذنا إلى الاستدلال على أن النخب السياسية التي خلفتها ثورة فبراير/شباط هي نخبة فاشلة بامتياز، خصوصاً أن الأزمة في أصلها هي أزمة قانونية أوقعت بالسلطة القضائية، التي عجزت عن توزيع الأدوار وفرض التوازن بين الأجسام المتتالية بعد رفض مجلس النواب الليبي حكمها القاضي بعدم شرعية جلساته، فضلاً عن عدم أخذ الاتفاق السياسي حكمها في عين الاعتبار.
إرهاصات توالت عقب فبراير/شباط في ظل حروب وفرض الآراء بالقوة وبات الحال في ليبيا، وخصوصاً شرقها الذي يعاني حكماً عسكرياً بامتياز، نستدل إليه من خلال القرارات التي تصدر عن الحاكم العسكري عبد الرازق الناظوري، والتي كان آخرها فرض قيود على المسافرين الليبيين، والحصول على موافقة أمنية للراغبين بالسفر من الجنسين من عمر 18 إلى 45 عاماً دون العودة لا للحكومة ولا لمجلس النواب، الذي أساساً ليس له قيود أو رقابة على ما يدعي أنها قيادة عسكرية تابعة له، الأمر الذي اعتبره مراقبون هو بداية في فرض قيود قد تكون ذات طابع حاد بحجة إجراءات احترازية تخص جانب الأمن القومي على الرغم من عدم سيطرة الجنرال خليفة حفتر على بنغازي كلياً أو السيطرة على مدينة درنة.
كل هذه النتائج والأزمات التي تعانيها ليبيا تصب في فشل إدارة الدولة والعمل خارج إطار القانون، فإن تحدثنا عن التجاوزات الصادرة عن الأجسام السياسية فهي تطول وتطول وتحتاج كتاباً فارغاً أوراقه وحبراً لا ينتهي حتى نتحدث عنها.
مخلفات القذافي
الفشل الذي تعيشه ليبيا يدفعنا إلى القول إن القذافي عمل طوال عقود حكمه على تمرير ترهات لم يعي الليبيون أنها انعكاس على ذاتهم وطريقة تفكيرهم، على كل الأصعدة تعاني ليبيا من الفساد وإهدار المال العام وأزمات اقتصادية، واستغلال تجارها لحاجة المواطن ليتجردوا من قيم التكافل الاجتماعي والوحدة الشعبية، ويزيدوا الاستغلال أضعافاً، وبات الليبيون لا يفكرون سوى بطريقة “نفسي نفسي“، فأصل المشكلة هي مشكلة وعي وتنمية، أوقفها الدكتاتور طوال سنوات حكمه، وبات الشعب يصطدم بمؤهلاته النادرة وقيادته المبنية على القبلية والمناطقية لا على الكفاءة والخبرة، وعلى التهرب من المسؤولية لا الوعي بها، وتسليم الأمور لقادة لم يستطيعوا قيادة أنفسهم، نعم هو واقع لا مفر منه، فإما مواجهة الذات والصراع معها، وأن تكون الثورة على السلبيات في كل شخص، ومواجهة الحقيقة بعيداً عن رمي العبء على أشياء لا مكان لها في الواقع، نرمي عليها أخطاءنا في الانتخابات، ومنح الثقة، أو الوقوف بدهشة على ضفاف أنهار الخيبة والانهيار نشاهد العودة لحكم شمولي عسكري، ونغني كل عام “دم الشهداء لن تضيع هباء“.
***
محمد عبدالسميع – صحفي وطالب بكلية العلوم السياسية بجامعة طرابلس وناشط بمنظمات المجتمع المدني
____________