•  بقلم طارق القزيري

صبيحة يوم جمعة فوجئ الليبيون ببيان من السيد خليفة حفتريعلن فيه حل المؤسسات السياسية السيادية، وإعلان حالة الطوارئ في العاصمة الليبية طرابلس.

الإعلان تم بثه من قناة خليجية، وانتشر التندر واسعا حول انقلاب ليبي يحدث في دبي وعلى التلفزيون، دون وجود أدنى مظهر على حركة للعسكر في أي مؤسسة أو شارع في طرابلس. ولم يعتقد من تندروا بـ جمعة هيا بنا نضحكأن تلك الجمعة ستكون بداية لمسلسل سيغير وجه البلاد، المضطربة أساسا، والتي كانت آنذاك تعاني بالفعل من انقسام سياسي تدعمه ميليشيات مسلحة، مع تحذيرات إقليمية ودولية من تعميد دولة فاشلةومظان اضطراب للمنطقة بأسرها.

من أين تشرق الشمس؟

لعله سيكون تطرفا في الخيال، أنه وبعد 5 سنوات فقط، مما قيل أنه ردم لعهد الفرد والحاكم والشخص الأوحد، أن يعود شخص آخرلينفرد كمحور للنقاش والجدل في ليبيا، وليتشكل المشهد الليبي وفقا لمعادلة (وجود/غياب) هذا الشخص الواحد لا غير!!. فما الذي قاد بلاد المختارإلى زمن بات فيه (خليفة بلقاسم حفتر) الفاعل الوحيد وسط حشد من منفعلين، يتموقعون بناء على موقفهم منه، ليس إلا ..؟؟؟!!.

لم نعد نتحدث عن حالة افتراضية أو متوقعة، بل واقعا فعليا يفرض نفسه، وتتسابق دول غربية وعربية على إعلانه بوضوح، وهو أن هذا الضابط المخضرم الذي أعلن إنقلابه على المؤسسات الحاكمة في طرابلس في شهر فبراير، ثم عاد من جديد منتصف مايو 2014 ليبدأ عملية عسكرية لـ تحريربنغازيفي الشرق حيث العاصمة الثانية للبلاد من الإرهاب، لم يكن حالة عابرة، ولا صيحة غضب تتلاشي وسط ضجيج الميليشيات وفوضى السلاح والسياسة، بل أصبح عمليا نظيرا لـ أمريكا أنور الساداتالتي تملك 99% من أوراق الحل.

عملية أمنية أم عسكرية؟

حتى أشد المتفائلين لم يكن يعتقد أن عملية الكرامةستنتج أكثر من تحريك المياه الراكدة، وتسليط الأضواء على حقيقة أن الفوضى في ليبيا هي مجرد نتيجة مباشرة وبسيطة لانتشار السلاح والكتائب المعسكرة، التي تنوعت بين الجهوية والحزبية، والإيديولوجية طبعا، وهذه الأخيرة كانت هي بوابة عملية الكرامة“.

مراقبون اعتقدوا يومها، أن شن عملية عسكرية في مدينة آهلة بالسكان، لا يمكن أن يعالج الأزمة، وأنه سيفتح الباب لعنف وصراع أهلياجتماعي ويهدد نسيج البلاد بشكل عميق، وأنه كان يمكن تدبير عملية أمنية، والقيام بعمليات جراحية محددة. فيما أن التقييم الآن، يوضح أن الأمر كان أوسع وأعمق، من مواجهة محدودة، بل كانت مبادرة، رفعت شعارا، كالحرب ضد الإرهاب وضد كل مؤسسة تحمل سلاحا غير مؤسسة الجيش، هذه المؤسسة التي ستصبح شعارا شعبيا عارما وطوفانا يكتسح كل محاولة لمراجعته أو مجرد اعادة  التفكير في تفاصيله، وأن الحرب العشوائية يومها، كانت إرهاصة مشروع سياسي، توافد عليه الكثيرون، وانفض عنه كثيرون أيضا، ليختفوا لاحقا وسط ضجيج الولاء للشايبكما يحلو لبعض أنصاره القول.

شعار الإرهاب، هو شعار يجلب استحسانا خارجيا دوليا واقليميا، ويضمن تأييدا داخليا نسبة لما كان يحدث بالفعل من إرهاب، واكتسب هنا بعده السياسي الداخلي، بإتهام المؤسسات الحاكمة ( المؤتمر الوطني العام او الاسلاميين بالذات) بالضلوع فيه أو حتى التساهل معه وتجاهله على الأقل كما كان يقال وقتها ليمنح هذا الشعار من يرفعه سيفا ضد الشرعية القائمة يومها. فالعنوان الذي اتجه إليه السيد حفتر في بداية عمليته، هي جماعة أنصار الشريعةبالذات، وهؤلاء في نظر جل الناس خصم أصيل لخيارات الشعب السياسية وعدو متوقع لتدينه الموروث وعامل مثبط لقيام المؤسسات ونهوض الدولة المدنية وأحد المتهمين الكبار بعملية الاغتيالات والتفجيرات الغامضة.

مظاهر الهيمنة

هنا نعرض تجليات هيمنة وسطوة المشير والكرامةقبل أن نتطرق لأسباب وموارد ومبررات هذه الهيمنة والسطوة !! ومن أبرز هذه المظاهر والتجليات:

تلاشي فرص المعارضة والإنتقاد: لا جدال في حيازة المشير حفترلرصيد لا يضاهى في شرق ليبيا، وهذا الرصيد هو من القوة لدرجة استبعاد بل وسحق أي محاولة للتأثير في الرأي العام بشكل سيء في ما يتعلق بالسيد حفتر، ما يجعل مجرد التصريح أو التعبير حتى عن مجرد خاطرة بشكل سلبي محفوفة بمخاطر الاستبعاد والتهميش وحتى الخطر الشخصي.

الكرامة هي مرجعية البرلمان وليس العكس: من المفارقة فعلا، أن عملية الكرامة وقيادتها باتت هي المبرر لشعبية وحتى شرعية البرلمان (وهو الذي كلفه بالمناسبة) فطغيان عملية الكرامة تجعل من شعبية الجيش، والشعور بحتمية دوره في الساحة أو في المرحلة، يقذف في روع أي برلماني ألف تردد وتخوف، قبل إظهار التشكيك في أهلية القيادة العامةأو عدم إظهار دعم الجيش. ومع حالة الانفصام والتقاطع السياسي، وتعدد الشرعيات المنتحلة (3 حكومات في الوقت الراهن) فالمبرر الوحيد الممكن لشرعية المؤسسات التابعة للبرلمان في طبرق، هو أنها تمثل غطاء سياسيا لمن يحارب الميلشيات والإرهابيين.

لا أمان إلا مع الجيش: وإضافة لهاجس إظهار التأييد لتوخي القبول وضمان ، فكل المسؤولين، هم عالة حتى في أمنهم الخاص بشكل مباشر على الجيش، وهذا موقوف على الاعتراف بشرعية الجيش وعملية الكرامة، والدينونة لـ سيادة المشيروالسير خلف قيادته بلا معقب.

الكرامة منصة الدعم الدولي: فالبرلمان وحكومته، يدركون جيدا أن من يهتم بهم من دول اقليمية او غربية أو غيرها، إنما يفعل ذلك، باعتبار ان منظومة الدعم الخارجي، تأتي في ظاهرها، على خلفية مكافحة الارهاب بالذات، الذي هو الناظم لاستراتيجية تحالف عريضة يقوم عليها مفهوم الامن القومي لعديد من دول المنطقة، وبات يتبنى مساره في ليبيا ويقوده السيد خليفة حفتر وليس غيره.

رعب سيناريو الغياب: بافتراض اختفاء أو خروج السيد حفتر من المشهد الليبي لسبب من الأسباب، فلن يجد المرء عناء في تصور نهاية أي سطوة للبرلمان او تشظي القوى السياسية في شرق ليبيا نتيجة لذلك. فكل مظاهر التأييد والدعم الداخلي والخارجي، التي يضارع بها البرلمان وحكومته ستختفي بدون وجود القائد العام للجيشوسيظهر سطحية وهشاشة البرلمان وحكومته الصورية، وهذا أحد المظاهر القمينة ببيان تجليات هيمنة المشير“.

***

طارق القزيري ـ كاتب وباحث وناشط سياسي ليبي

_________________

نقلا عن

مواد ذات علاقة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *