ضياء شقورة

ب‌. حاضر قانوني مُقلق: تشريعات ما بعد ثورة فبراير

لم تقتصر التقييدات التعسفية المفروضة على حرية التعبير خلال فترة الانتقال الديمقراطي العسيرة على تلك التي جاءت بها التشريعات المعتمدة في فترة ما قبل الثورة، بل جاءت تشريعات ما بعد ثورة فبراير بالعديد من النصوص القانونية التي بشكل أو بآخر تضع قيوداً على الممارسة المشروعة على حرية التعبير.

فمن أكثر من 62 تشريعاً أصدرهم مجلس النواب ما بعد الثورة، أصدر قانونين إثنين يطرحان العديد من الإشكاليات لحماية واحترام وإعمال حقوق الإنسان

قانون عدد 3 لسنة 2014 لمكافحة الإرهاب

القانون الأول جاء لمعالجة ومكافحة الإرهاب، وهو القانون عدد 3 لسنة 2014 لمكافحة الإرهاب. وتطرح قوانين الإرهاب بشكل عام إشكالية أساسية، لغياب تعريف دولي قانوني واضح للإرهاب، ما ينعكس على التعريفات الوطنية التي غالباً ما تكون غامضة وتنطوي على احتمال ارتكاب انتهاكات غير مقصودة لحقوق الإنسان أو لأن تستخدم في بعض الأحيان لاستهداف فئة معينة.

ولا يختلف قانون الإرهاب الليبي كثيراً عن ذلك، إذ لا يمكن وصف التعريف الذي جاء به للجريمة الإرهابية إلا بالغموض والضبابية، فهو يعرف العمل الإرهابي على أنه الإخلال الجسيم بالنظام العام، أو تعريض سلامة المجتمع، أو مصالحه، أو أمنه للخطر متى كان من شأن هذا إيذاء الأشخاص أو إلقاء الرعب بينهم، ما يمكنه الانسحاب على العديد من الأفعال التي تعتبر ممارسة لحقوق مشروعة، ومنها حرية التعبير.

بالإضافة لذلك، يجرم القانون ” كل من قام بالدعاية أو الترويج أو التضليل للقيام بالعمل الإرهابي، وبأي وسيلة كانت وتشدد العقوبة إذا كان ذلك داخل دور العبادة أو بين القوات المسلحة.

يطرح استخدام هذه المصطلحات في قوانين الإرهاب بشكل عام إشكالية أساسية في تجريم فعل قد لا يشكل فعلاً عنيفاً يهدف لإثارة وبث الرعب بين المواطنين، أو متعلق بالتحريض على القيام بفعل إرهابي، ما يطرح خطر واضح لقيود غير مبررة للأفراد والجماعات في ممارسة حرية التعبير بشكل مشروع.

قانون 5 لسنة 2022 بشأن مكافحة الجرائم الإلكترونية

أما القانون الثاني، فهو قانون 5 لسنة 2022 المتعلق بمكافحة الجرائم الإلكترونية، والذي جاء أيضاً بمصطلحات فضفاضة وغير محددة. إذ ينص القانون على مشروعية استخدام وسائل التقنية الحديثة طالما ذلك لم يكن مخالفاً للنظام العام أو الآدام العامة، كما يضع القانون عقوبات مالية وسالبة للحرية على بث الإشاعات التي تهدد الأمن والسلامة العامة“.

بالإضافة لذلك، ترك المشرع تفسير هذه المصطلحات لجهات إنفاذ القانون ومنها الهيئة الوطنية لأمن وسلامة المعلومات، المنشأة بموجب قرار مجلس الوزراء رقم 28 لسنة 2013. بل وأكثر من ذلك، فأعطاها صلاحيات واسعة لمراقبة ما يتم نشره عبر شبكة المعلومات الدولية ومنحها سلطة تقديرية واسعة في حجب كل ما يمكن أن يزعزع أمن المجتمع واستقراره.

ولا يستجيب استخدام هذه المصطلحات بشكل عام، سواء كان في القوانين الصادرة قبل الثورة أو ما بعدها، لمتطلبات الدقة الكافية التي يجب أن تصاغ بها القاعدة القانونية، ما يعطيها نطاقاً واسع يمكن أن يشمل الممارسة المشروعة لحرية الرأي والتعبير.

إذ يجب أن تصاغ القاعدة القانونية بدقة كافيـة ويجب إتاحتها لعامة الجمهور. ولا يجوز أن يمنح القانون الأشخاص المسؤولين عن تنفيذه سلطة تقديرية مطلقة في تقييد حرية التعبير.

ثانياً: دور متفاوت للقضاء في حماية حرية التعبير

لا يمكن الحديث عن حماية حرية التعبير بالحديث فقط عن الإطار القانوني الضامن لهذه الحرية، بل يجب أيضاً التطرق لدور القضاء والضمانات القضائية لحمايتها. لعبت الدائرة الدستورية في هذا الإطار دورها بشكل نسبي (أ)، لكن يبدو أن الدائرة الدستورية والرقابة الدستورية اليوم في مهب الصراع السياسي (ب).

أ‌. دور نسبي للقضاء الليبي في حماية الحقوق والحريات

تستوجب سيادة القانون التزام كافة أجهزة الدولة بالقوانين التي تصدرها السلطة المختصة، كأساس لمشروعية أعمال هذه السلطة، وهذا لا يمكن القيام به دون رقابة تمارسها السلطة القضائية والمحاكم، على اختلاف أنواعها ودرجاتها، على مدى موائمة التشريعات مع الدستور والاتفاقيات من جهة ومدى اتفاق تصرفات السلطات مع التشريع نفسه وخاصة في مادة حقوق الإنسان.

وتلعب المحاكم الوطنية دوراً أساسياً ومهماً في حماية حقوق الإنسان، من خلال تطبيق ضمانات حقوق الإنسان المنصوص عليها في القوانين الدولية أو المحلية.

لعب القضاء هذا الدور، خاصة من خلال الدائرة الدستورية للمحكمة العليا، والتي يخول لها القانون رقم 6 لسنة 1982 بشأن إعادة تنظيم المحكمة العليا في مادته 23 على اختصاص المحكمة العليا في دوائرها المجتمعة في الطعون في التشريعات المخالفة للدستور ولأي مسألة قانونية جوهرية تتعلق بالدستور أو بتفسيره والمثارة في قضية منظورة أمام أي محكمة.

ويمكن ذكر مناسبتين لقضاء الدائرة الدستورية، والتي مارست فيها دورها، كحامي لحقوق الإنسان وحرية التعبير على وجه خاص.

المناسبة الأولى متعلقة بمكانة الاتفاقيات الدولية التي صادقت عليها ليبيا في النظام القانوني الوطني، إذ لم ينص الإعلان الدستوري على ذلك.

هذا فتح المجال أمام المحكمة العليا لكي تجتهد بإرساء مبدأ مهم أكدت فيه على أن الاتفاقيات الدولية في ليبيا تكون لها مرتبة أعلى من مرتبة القوانين الوطنية بعد التصديق عليها، وهو اتجاه يتوافق مع الرأي السائد في القانون الدولي الذي يرى أن هذا الأخير له مرتبه تعلو مرتبة القوانين الوطنية.

وذكرت المحكمة العليا (الدائرة الدستورية)، فإنه من المقرر أن الاتفاقيات الدولية التي ترتبط بها الدولة الليبية تكون نافذة مباشرة بمجرد إتمام إجراءات المصادقة عليها من السلطة التشريعية في الدولة، وتكون لها أسبقية التطبيق على التشريعات الداخلية؛ بحيث إذا حدث تعارض بين أحكامها وأحكام التشريعات الداخلية فإن أحكام الاتفاقية هي الأولي بالتطبيق؛ وترتيبا على ذلك فإن للعمال في ليبيا الحق في الاستفادة مما قد تكون قررته تلك الاتفاقيات من حقوق بمجرد مصادقة الدولة الليبية عليها دون حاجة إلى تعديل أية تشريعات داخلية قد تكون متعارضة معها“.

حتى وإن لم يكن هذا الطعن الدستوري متعلقاً بشكل أساسي بحرية التعبير، إلا أنه يفتح الباب أمام القضاء لاستخدام القواعد القانونية الدولية الضامنة لحرية التعبير.

أما المناسبة الثانية، فهي متعلقة بشكل أساسي بحرية التعبير، وباستخدام المصطلحات الفضفاضة، إذ رأت المحكمة العليا (الدائرة الدستورية) قد قضت في الطعن رقم 5 الصادر بتاريخ 14 يونيو 2012 بعدم دستورية القانون رقم 37 لسنة 2012 وهو القانون الذي يستخدم عبارات فضفاضة لتجريم تمجيد الطاغية“.

وقد أكدت المحكمة على عدة مبادئ دستورية، أهمها مبدأ التدرج التشريعي وشرعية التجريم وحرية الرأي والتعبير، وأن مخالفة أحكام الدستور لها عدة وجوه وهي أن يعارض حكمه أو يقيد مطلقه أو يخصص عامه.

وهو ما يمكن وصفه بالنسبة لمختلف المواد الإشكالية سابقة الذكر في الجزء الأول من هذا المقال سواء تلك المنصوص عليها في قانون العقوبات، أو في القوانين الصادرة بعد الثورة كقانون مكافحة الإرهاب وقانون الجرائم الإلكترونية.

ب‌. الانقسام السياسي يطال القضاء

على الرغم من أهمية القرارات التي أخذها، وأهمية دور القضاء كحامي للحقوق والحريات بشكل عام، إلا أنه لم يسلم من الصراع والانقسام السياسي التي تعيشيه ليبيا منذ 2014، ما أثر على دوره بشكل كبير.

إذ طال الصراع السياسي شكل الدولة ووحدتها وانعكس ذلك على انقسام السلطة التشريعية بين شرق وغرب، وما تبع ذلك من ازدواجية المؤسسات والأجهزة الإدارية والمؤسسة العسكرية والأمنية وغيرها، إلا أن القضاء ظل بعيدا عن الصراع وعن الانقسام، فلم نشهد تشكل مجلسا أعلى للقضاء موازي أو محكمة عليا غير المحكمة التي مقرها العاصمة طرابلس، إذ لم تُقدم أطراف النزاع على المساس باستقلال القضاء وهيبته.

وقد نأى القضاء بنفسه عن الانقسام، حتى أن الدائرة الدستورية، حين وجدت نفسها في وسط هذا الانقسام، جمدت نفسها ورفضت البث في الطعون خلال الأعوام 2016-2022.

جاء هذا التعطيل ضمن تداعيات حكم الدائرة الدستورية بعدم دستورية جلسة مجلس النواب لبنائها على التعديل الدستوري الذي قضي بعدم دستوريته. هذا الأمر، رفضه ولم يعترف به مجلس النواب واعتبره صادراً بقوة السلاح

ويمكن القول بأن غياب الدائرة الدستورية، غيَب الرقابة الدستورية على أعمال السلطة التشريعية، كالقوانين المتعلقة بالحريات. إذ يكمن المعنى الأساسي للعدالة الدستورية في ضمان العناصر الهيكلية الأساسيةللدولة الحديثة، أي: شكلها، وتوزيع السلطات، والأولوية المعيارية للدستور، والحريات الممنوحة للمواطنين والأفراد، التمثيل الديمقراطي وهو ما يستوجب وجودها في أي فترة انتقال ديمقراطي.

ولكن يبدو هذا النأي بالنفس عن الصراع والانقسام السياسي لم يدم كثيراً، إذ قررت المحكمة العليا في ليبيا إعادة تفعيل الدائرة الدستورية المجمدة منذ عام 2016، في خطوة اعتبرها البعض محمودة وأكد على ضرورة وجود الرقابة الدستورية، واعتبرها البعض الآخر خطيرة وتكرس الانقسام وتضع القضاء في مهب الصراع.

وتكمن أساس المشكلة أن هذا القرار يأتي بعد أيام من تصويت البرلمان بالإجماع على قانون ينص على إحداث محكمة دستورية عليا في مدينة بنغازي في كافة الطعون المرفوعة، وعلى إلغاء المحكمة العليا بالعاصمة طرابلس وتغيير اسمها إلى محكمة النقض، وهو القانون الذي اعتبرته الدائرة الدستورية قانوناً غير دستوري.

وقد سلب هذا القانون الجديد الاختصاص من الدائرة الدستورية وقد امتنعت المحكمة العليا عن تطبيقه.

ويخلق هذا القانون إشكال حقيقي في اللجوء إلى القضاء الدستوري في ليبيا، إذ يقلص مجال القضاء الدستوري إلى الدفع فقط للمتقاضين، ولا يُمكن في الطعن مباشرة في قانون بعدم الدستورية إلا من قبل رئيس مجلس النواب، أو عشرة نواب على الأقل، أو رئيس الحكومة، أو عشرة وزراء، ما يجعل من القضاء الدستوري شكلي ومحدود.

***

ضياء شقورة ـ باحث في القانون العام، مهتم في أبحاثه بمسائل تخص الحقـوق المدنية والسياسية. حاليا، يقوم بإعداد رسالة دكتوراه حول الدستورية في دول ما بعد الربيع العربي

________________
المصدر: مجلة موازين وهي مجلة قانونية بحثية تخص المجتمع الحقوقي والخبراء القانونين وأصحاب الخبرة لتقييم الأوضاع ووضع التصورات للمستقبل

مواد ذات علاقة