أ. د. محمد بالروين

أولاً: اسم وشكل الدولة

(أ) فيما يتعلق باسم الدولة

اقترح أن يبقى اسم “دولة ليبيا” كما هو، وذلك لأسباب عديدة لعل من أهمها:

(1) أنه يُعبر عن كل مكوناتها وأطيافها، وأنه أكثر شمولية في الوصف من أي اسم آخر.

(2) لأنه اسم مجرد من أي وصف لأي نظام حكم، بحيث يمكن أن يكون نظام حكم الدولة جمهوري، أو ملكي، أو جماهيري، أو أي نظام حكم آخر.

(3) لأنه اسم, من الناحية الفكرية والثقافية، يعطينا فرصة لإعادة بناء “الهوية الوطنية الجامعة”.

(4) لأن أغلب الدول اليوم تستخدم اسم “دولة” دون ربطه بأي نظام حكم معين.

(5) لأنه اسم يساعدنا على التخلص من إشكاليات الماضي ومساوئه.

(6) لأنه اسم، من الناحية العملية والاقتصادية، يوفر على الدولة مليارات الدولارات، فلا ضرورة لتغيير ما قامت الدولة بطباعته واستخدامه خلال السنوات الماضية والذي تضمن اسم “دولة ليبيا” عليه.

(ب) أما فيما يتعلق بشكل الدولة

بمعنى ما هو شكل الدولة التي يسعى لتأسيسها الشعب الليبي؟ هل هي دولة “موحدة” كما هو شائع في الأغلبية العظمى من دول العالم، 

أم هي دولة “موحدة مناطقية” كما هو الحال في 12 دولة من دول العالم من بينها بريطانيا وفرنسا.

أم هي دولة “فيدرالية” كما هو الحال في أمريكا وألمانيا؟

أم هي دولة “كونفيدرالية” كما هو الحال في سويسرا؟

أم هي شكل آخر من أشكال “الدول التوافقية” كما هو الحال في لبنان؟

والحقيقة التي يجب أن يُدركها الجميع، أنه إذا تم اعتماد مشروع الدستور (المعروض للاستفتاء عليه) دون تحديد شكل الدولة فيه، فإن شكل هذه الدولة سيكون عُرضة للتسيّس والتغيير وفقاً لمن يحكمها، بمعنى آخر، سيكون شكل الدولة عُرضة لتأويلات وتفسيرات الطبقة الحاكمة المُسيطرة على مفاصل الدولة، بمعنى:

إذا وصل الوحدويون إلى السلطة، سيتصرفون على أن شكل دولتهم “موحدة!”

وإذا وصل الفيدراليون إلى السلطة، سيتعاملون مع شكل الدولة على أنه “فيدرالي”!

وإذا وصل الكونفيدراليون إلى السلطة، سيعتقدون أن شكل دولتهم “كونفيدرالي!

وإذا وصل اللامركزيون إلى السلطة، سينظرون لشكل الدولة على أنه “لامركزي موسع!

والمُحزن، أن كل هؤلاء، من الناحية النظرية، يمكن أن يكون اعتقادهم صواب!!

وعليه، فإن عدم النص الواضح والصريح على “ما هو شكل الدولة” في مشروع الدستور، سيقود حتما إلى إيجاد هيكلية إدارية وسياسية مُتغيرة وهشة وغامضة، ويؤسس لدولة مأزومة، وسيكون سبب من أسباب انهيارها واستمرار الفوضى فيها! وبالتالي، في اعتقادي المتواضع، من الواجب والضروري تحديد شكل الدولة ما هو.

وفي هذا الصدد اقترح، أنه من الأنسب، أن يكون شكل دولتنا هو “دولة موحدة لا مركزية“، وذلك لأسباب عديدة لعل من أهمها:

(1) إن مصطلح “موحدة” يعني أن السيادة في الدولة كاملة ولا تقبل التجزئة، ولا يجوز النزول عن سيادتها ولا عن أي جزء من أراضيها.

(2) إن مصطلح “موحدة” يعني أنها دولة قائمة على أساس دستور واحد، وأن جميع مواطنيها يخضعون لنفس القوانين دون تمييز، وأن شعارها: “أينما تُقيم… فأنت مواطن“، بمعنى آخر، أن المواطنة هي “بطاقة تعريف للوطن والمواطن“، وللمواطن حق الإقامة في أي مكان في ربوع الوطن.

(3) أما مصطلح “لا مركزية” فيعني ببساطة أنها دولة تقوم على مبادئ اللامركزية في توزيع السلطات والثروات.

ثانياً: التقسيم الإداري للدولة

والسؤال هنا، ما هو التقسيم الإداري اللامركزي المناسب للدولة الليبية؟ بمعنى آخر، هل يجب أن تكون:

دولة كونفيدرالية؟

أم دولة فيدرالية؟

أم دولة مُوحدة مركزية؟

أم دولة مُوحدة لامركزية؟

 بمعنى آخر، على أي أسس اللامركزية يمكن تحديد الأقاليم والولايات (أو المحافظات) والبلديات التابعة لكل ولاية؟ وهنا اقترح أن يتم التقسيم الإداري في دولتنا الحديثة على أساس ثمان (8) ولايات (أو محافظات) في الأقاليم التاريخية الثلاث، وذلك كالآتي:

* عدد اثنين (2) ولايات (أو محافظات) في إقليم برقة

* عدد اثنين (2) ولايات (أو محافظات) في إقليم فزان

* عدد اثنين (2) ولايات (أو محافظات) في إقليم طرابلس

* واقترح, بالإضافة لذلك، اعتبار كل من بنغازي (الكبرى)، وطرابلس (الكبرىفي مرتبة الولايات أو المحافظات، وذلك لما لهما من خصوصيات سكانية، ومزايا سياسية، ومكانة اقتصادية واجتماعية في الدولة.

في اعتقادي المتواضع، يمكن اعتبار هذا التقسيم هو الأنسب في هذه الظروف بالذات (على الأقل كحل مؤقت لمدة أربع دورات انتخابية)، وذلك لأنه يحقق التوازن السياسي والاقتصادي والجغرافي المرغوب، وبمعني آخر، هو حل عملي وواقعي، ومناسب لمواجهة التحديات والتعامل مع الأزمات التي يواجهها شعبنا، وهو تقسيم يُعطي للأقاليم التاريخية الثلاث دورها الطبيعي في دولتنا الحديثة القادمة.

وهنا لابد من التذكير بأن تقسيم الدول إلى أقاليم هو أسلوب سائد في العديد من دول العالم، ولكن الغرض الأساسي والوظيفي لهذه الأقاليم – في الدول الحديثة – هو التنافس والمقارنة بينها – على أسس التنمية المكانية والجغرافية والسكانية والثقافية، والتخطيط الاقتصادي والاجتماعي في الدولة، ولعل من أهم الدول التي يوجد بها هذا التصنيف هي: الولايات المتحدة، وبريطانيا، وكندا، وألمانيا، وسويسرا، وإيطاليا، والبرازيل، والهند، ومصر، والجزائر، والمغرب، وتونس، وجنوب إفريقيا، وغيرها.

ثالثاً: كيفية توزيع الثروات؟

بداية لا بد من التذكير أن السلطة والثروة وجهان لعملة واحدة – بمعنى أن:

السلطة ثروة… والثروة سلطة”.

وعليه يجب أن تكون كل الثروات الطبيعية في الدولة ملك لكل أبناء الشعب، ولكي تتم المحافظة على الثروات الوطنية وتحقيق التوزيع العادل والمناسب لها لابد من القيام بالآتي:

(أ) ضرورة قيام الدولة بتنميتها، واستثمارها، وحسن إدارتها.

(ب) ضرورة التزام الدولة بإنشاء مشاريع تنموية بديلة للثروات غير المتجددة بمناطق الإنتاج وفق الإمكانيات المكانية المتاحة.

(جـ) ضرورة التزام الدولة بسَّن التشريعات المناسبة لضمان معالجة المشاكل الصحية والبيئة وكل الأضرار الناجمة عن استغلال هذه الثروات.

(د) ضرورة التزام الدولة بتخصيص نسبة من عوائد الثروات لصالح الأجيال القادمة.

(هـ) ضرورة دسترة المعايير والآليات الضرورية لتوزيع الثروات، على أن يكون من بين هذه المعايير والآليات الآتي:

(1) التوزيع على أساس عدد السكان.

(2) التوزيع على أساس الحاجة.

(3) التوزيع على أساس المساواة.

(4) التوزيع على أساس درجة التهميش.

(5) التوزيع على أساس جبر الضرر.

(6) التوزيع على أساس الرقعة الجغرافية.

(7) التوزيع على أساس التنمية المكانية والبشرية.

(8) التوزيع على أساس متطلبات توطين المشاريع الوطنية.

(9) التوزيع على أساس المنافسة بين الوحدات المحلية.

(10) التوزيع على أساس أي معايير أخرى يراها المشرع ضرورية، ويحدد كل ذلك بقانون.

(و) ضرورة دسترة الموارد الخاصة بتمويل الوحدات المحلية، والتي لعل من أهمها الآتي:

1. الموارد التي تعود للوحدات المحلية بفعل المخصصات الدستورية، ويحدد القانون المبادئ والقواعد والإجراءات الهادفة لضمان الاستخدام الصحيح والعادل لهذه الموارد.

2. المصادر المالية من المعونات والمساعدات التي تُرصد للوحدات المحلية كحصة من الموارد والضرائب الوطنية.

3. الموارد الذاتية والناتجة عن رسوم استعمال ممتلكاتها الخاصة والخدمات التي تقدمها للمواطنين المقيمين فيها.

4. الغرامات والعقوبات التي تفرضها الوحدات المحلية على المخالفين للوائحها وإجراءاتها.

5. الضرائب والرسـوم والمساعدات الأخرى التي تُخصص للوحدات المحلية بقانون وطني.

6. لا تتدخل السلطات المركزية في شؤون الوحدات المحلية إلا لضمان استمرارية المرافق العامة وبمراعاة المعايير الوطنية وفق الدستور والقانون، وتخضع الوحدات المحلية فيما يتعلق بشرعية إعمالها للرقابة اللاحقة.

الخلاصة

في اعتقادي المتواضع، أن “نظام السلطة المحلية” مهم ومناسب لبلادنا – وخصوصا في هذه الظروف – لأنه ببساطة يعمل على الجمع بين عاطفتي – الوحدة والاستقلال، بمعنى هو من جهة، يحقق عاطفة الوحدة الوطنية، وذلك بالتأكيد على وحدة الدولة والمحافظة على سيادتها والإجماع على “هويتها الوطنية الواحدة“، ومن جهة أخرى، يحقق عاطفة الاستقلال، وذلك بوجود درجة كبيرة من الاستقلالية المحلية في كل ما هو شأن محلي وداخلي للوحدات، وبذلك يكون لكل وحدة محلية سلطات أكبر فيما يتعلق بشؤونها، وخصوصا فيما يتعلق بالخدمات الاجتماعية والصحية والتعليمية والأمنية وغيرها.

وحتى لا يكون هذا المقترح (أي تقسيم الدولة إلى ثلاث أقاليم وثمان (8) ولايات – كما هو مذكور أعلاه) مجرد قرار سياسي سلطوي، وغير عادل، لابد أن يقوم على أساس فكرة الدولة الموحدة المتعددة الأقاليم والولايات، وأن يسعى المواطنون فيها لإيجاد حلول ومعالجات جديدة، وبنظرة واقعية وسياسية واقتصادية لكل قضاياهم المحلية والوطنية، وأن ينظروا لفكرة السلطة المحلية كـ“سلطة رابعة سياسياً” في الدولة (أي بالإضافة إلى السلطات الثلاث – التشريعية والتنفيذية والقضائية، هناك أيضاً سلطات محلية قوية وشبه مستقلة)، وعليه إن اعتبار السلطة المحلية في الدولة سلطة رابعة سياسياً يقود حتماً إلى نجاحها وتقدمها وازدهارها، وتتحقق بذلك أهداف عديدة لعل من أهمها:

(1) توسيع قاعدة المشاركة الشعبية في اتخاذ القرارات السياسية بين جميع مُكونات الدولة.

(2) إدارة التنوع في الدولة بنجاح، وذلك بالتوزيع العادل واعتماد مبدأ “التنوع من خلال الوحدة”.

(3) تحقيق وضمان وحدة الدولة ومنع هيمنة السلطة المركزية على الشؤون المحلية.

(4) السماح بانتخاب المسؤولين المحليين بدلا من تعيينهم من السلطة المركزية.

(5) خلق توازن وتكامل بين المستويات الثلاث (المركزي والمناطقي والمحلي) في الدولة.

باختصار شديد، يمكن القول إن أسلوب السلطة المحلية:

هو “نظام يجمع” بين مصطلحي “الإدارة والحكم” في منظومة لا مركزية متوازنة، وهو “نموذج للسلطة” الأمثل والأنسب للواقع الليبي، وخصوصا في هذه الظروف الحرجةوهو “وصفة سياسية” مناسبة ستحقق لنا – بأذن الله:

دولة تُجمع…لا… تُفرق

دولة مُستقلة…لا… تابعة

دولة جاذبة…لا… طاردة …

دولة تُعلم…لا… تُجهل...

دولة مؤسسات…لا… قبائل ومناطق وعائلات

دولة تسمو فيها الشريعة… ويحكم فيها قانون

وفوق هذا وذاك…

دولة تقوم على الاحترام…لا… على الخوف.

ختاما، أنا على يقين، أنه إذا توفرت الأهداف الواضحة، والنوايا الصادقة، والإرادة القادرة، والعمل الدؤوب، نستطيع تحقيق كل أهدافنا وأحلامنا في أسرع وقت ممكن.

***

ا.د. محمد بالروين ـ أستاذ العلوم السياسية وعضو الهيئة التأسيسية لصياغة مشروع الدستور

______________

مواد ذات علاقة