
اشتعل الصراع المستمر منذ وقت طويل بين السلطتين المتنافستين على المصرف المركزي في ليبيا مرة أخرى، الأمر الذي يهدد بحدوث أزمة اقتصادية يمكن أن تؤدي إلى وقوع اضطرابات. ولذلك، ينبغي على الطرفين المضي قدماً في الوساطة المدعومة من الأمم المتحدة للتوصل إلى حل.
***
ما الجديد؟
في آب/أغسطس، اندلع نزاع خطير بين السلطتين المتنافستين في ليبيا – الحكومة المعترف بها دولياً في طرابلس والبرلمان الذي يتخذ من المنطقة الشرقية مقراً له – حول السيطرة على المصرف المركزي، بعد قيام حكومة طرابلس أحادياً بتعيين محافظ جديد للمصرف. وهذا جزء من نزاع قَسم البلاد منذ عام 2014.
ما أهمية ذلك؟
يمكن لهذه المواجهة أن تشلّ الاقتصاد وتدفع المجموعات المسلحة إلى التعبئة. لقد أوقفت فعلياً الواردات ودفعت معظم المؤسسات المالية الأجنبية إلى تعليق تعاملاتها مع المصرف المركزي. وستكون كلفة الانقطاع عن النظام المالي العالمي هائلة على السلطات الليبية والمواطنين الليبيين على حد سواء.
ما الذي ينبغي فعله؟
من أجل منع حدوث انهيار اقتصادي، ينبغي على حكومة طرابلس والبرلمان في المنطقة الشرقية تنفيذ الاتفاق الأولي الذي رعته الأمم المتحدة لإنهاء النزاع. وينبغي على الأمم المتحدة أيضاً أن تدمج المفاوضات الاقتصادية بجهودها لتسوية الأزمة الكليّة في البلاد.
تهدد المواجهة الدائرة بشأن السيطرة على مصرف ليبيا المركزي الهدوء النسبي الذي ساد في البلد المقسَّم على مدى العامين الماضيين. في آب/أغسطس، صعَّدت السلطتان المتنافستان في غرب البلاد وشرقها صراعهما على المصرف، الذي يُعدُّ المخزن القانوني الوحيد لعشرات مليارات الدولارات المتأتية من العائدات النفطية. لقد سرَّع النزاع فعلياً إحداث وقف جزئي لإنتاج النفط ودفع معظم المؤسسات المالية الأجنبية التي تتعامل مع مصرف المركزي والمصارف التجارية الليبية إلى تعليق جميع تعاملاتها معها.
وعندما تُحرَم ليبيا من الوصول إلى جزء كبير من عائداتها النفطية واحتياطاتها النقدية المودَعة في الخارج والحيوية لتغطية نفقات الدولة واستيراد السلع، يمكن أن تنزلق إلى انهيار اقتصادي ينجم عنه نقص حاد في الطعام وربما احتجاجات شعبية واندلاع لعنف الميليشيات.
من أجل تفادي تلك المخاطر، ينبغي على الجانبين المضي قدماً في الوساطة التي تدعمها الأمم المتحدة لوضع حد للمواجهة وإعادة إحياء المفاوضات متعددة المسارات الرامية إلى إعادة توحيد البلاد ومؤسساتها الحاكمة.
يُعدُّ الخلاف حول المصرف المركزي مُنتَجاً ثانوياً لمنافسة أوسع بين السلطتين الموجودتين في غرب ليبيا وشرقها. تضم الأولى الحكومة المعترف بها دولياً برئاسة رئيس الوزراء عبد الحميد الدبيبة والمجلس الرئاسي المرتبط بها في طرابلس، والمدعومة من تحالف عسكري مكوَّن من مجموعات عسكرية مختلفة؛ بينما تتكون الثانية من البرلمان الموجود في شرق البلاد، والذي لا يعترف بالحكومة التي يرأسها الدبيبة، وإدارة يرأسها أسامة حمّاد، بدعم من الجيش الوطني الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر.
وقد وُجدت السلطتان المتنافستان بأشكال مختلفة منذ عام 2014، بعد ثلاث سنوات من سقوط نظام معمر القذافي؛ وكان المصرف المركزي محوراً لنزاعات متكررة طوال هذا الوقت، حيث يسعى الطرفان إلى السيطرة عليه.
الرهانات مرتفعة؛ فعلى عكس معظم الدول، حيث يتمثل دور المصرف المركزي في تنفيذ السياسة النقدية، فإن مصرف ليبيا المركزي يقوم بدور شريك الحكومة المالي المنفِّذ، فهو يحتفظ بحسابات الحكومة المصرفية ويدفع النفقات التشغيلية لكيانات الدولة ورواتب موظفي القطاع العام.
رغم أن أموال النفط تبقى تحت السلطة المالية لطرابلس، فقد سمحت ترتيبات منفردة على مدى العامين الماضيين للسلطات الشرقية أيضاً بالوصول إلى أموال الدولة التي يحتفظ بها المصرف المركزي. وهذه أموال كثيرة؛ إذ توجد في ليبيا أكبر احتياطيات النفط الخام في أفريقيا، وتشكل عائداتها من النفط والغاز البالغة نحو 20-25 مليار دولار سنوياً كامل الدخل الحكومي تقريباً.
كما أن لديه نحو 80 مليار دولار من الاحتياطيات المودعة في حسابات يحتفظ بها المصرف المركزي لدى مؤسسات مالية دولية. تشكل عائدات تصدير النفط مصدر ليبيا الرئيسي من العملات الأجنبية، التي تُستخدم لدفع ثمن السلع المستوردة التي يعتمد عليها شعبها اعتماداً كبيراً في غياب إنتاج صناعي أو زراعي محلي كبير.
اندلعت المعركة على المصرف المركزي على خلفية الطريق المسدود الذي وصلت إليه المفاوضات التي ترعاها الأمم المتحدة بين البرلمان الموجود في المنطقة الشرقية ومجلس نواب آخر موجود في طرابلس، ينقسم بدوره بين أنصار حكومة الدبيبة وأولئك الذين يدعون إلى استبدال رئيس الوزراء.
رغم الافتقار إلى التقدم بشأن إعادة التوحيد السياسي، توصلت الشخصيتان الرئيسيتان في المعسكرين المعنيين – حفتر في الشرق والدبيبة في طرابلس – إلى اتفاق غير رسمي لتقاسم العائدات ظل قائماً على مدى العامين الماضيين. قلَّة من الناس توقعت النزاع الذي اشتعل فجأة في آب/أغسطس.
يدور الخلاف الأخير حول مسألة من يكون أو ينبغي أن يكون، محافظ المصرف المركزي. سلطات المنطقة الشرقية تدعم الصدِّيق الكبير، الذي احتفظ بالمنصب منذ سقوط القذافي، لكن في آب/أغسطس عيَّن المجلس الرئاسي في طرابلس أحادياً مجلس إدارة جديد للمصرف واستبدل الكبير بمحافظ مؤقت، هو عبد الفتاح غفار.
برر المجلس تحركه على أنه خطوة نحو حوكمة وشفافية مالية أفضل. أما التفسير الأكثر قابلية للتصديق فهو أن حكومة طرابلس أرادت الوصول إلى أموال أكثر لتعزيز مكانتها السياسية والاقتصادية، التي تتلاشى على نحو مستمر لصالح خصومها.
لقد تجنب الطرفان العنف، حتى الآن، لكن سلطات المنطقة الشرقية ردت على عزل الكبير بوقف نحو نصف إنتاج النفط والغاز في المناطق الواقعة تحت سيطرتها.
شعرت معظم المؤسسات المالية الأجنبية بالقلق والتوتر بسبب الخلاف الذي يدَّعي فيه شخصان أن كلاً منهما هو المحافظ الشرعي للمصرف المركزي، فعلَّقت تعاملاتها مع المصرف. طبقاً لمسؤولين أجانب وليبيين، فإن التجميد يمتد إلى ذراع المصرف العاملة خارج ليبيا، المتمثلة في المصرف الليبي الخارجي والكيانات التابعة له، الذي تمر مبيعات النفط من خلاله قبل أن تودَع في حسابات تعود للمصرف المركزي، رغم ما يذكر من أن بعض الجهات الأوروبية التابعة استمرت بمعالجة المعاملات.
حتى الآن، تقول الحكومات الأجنبية إنها لن تفرض إجراءات أكثر جذرية، مثل تجميد الأصول الليبية في الخارج، لكن انقطاع المصارف الليبية لمدة طويلة عن النظام المالي العالمي من شأنه أن يقوِّض الاقتصاد الليبي الذي يعتمد بشكل رئيسي على النفط. مع وصوله المحدود إلى الاحتياطيات الأجنبية، يمكن أن يواجه المصرف مشكلات في دفع نفقات الحكومة، التي يتطلب العديد منها عملة صعبة، أو معالجة طلبات الدفع المقدمة من قبل الموردين.
إذا استمر التعليق، يمكن أن يسبب تدهوراً سريعاً في الأحوال المعيشية. ومن شأن هذا، بالمقابل، أن يتفاقم ليتحول إلى اضطرابات اجتماعية، بل أن يدفع الميليشيات الموالية للمعسكرين المتنافسين إلى التعبئة.
من أجل تخفيف هذه المخاطر، ينبغي على الجانبين تسوية النزاع على محافظ المصرف المركزي بتعيين قيادة جديدة بموافقة جميع الأطراف. أدت المحادثات المدعومة من الأمم المتحدة في 26 أيلول/سبتمبر إلى توقيع اتفاق أولي بين مبعوثي مجلس النواب في بنغازي والمجلس الأعلى للدولة في طرابلس إلى تعيين ناجي عيسى، وهو أحد المديرين المخضرمين في المصرف المركزي، محافظاً جديداً.
يعد الاتفاق خطوة أولى جيدة، لكن ثمة كثير مما يمكن أن يخفق. إذ يجب أن يصادق مجلس النواب على الاتفاق، ويجب على المجلس الرئاسي أن يلغي اختياره لمحافظ مؤقت في آب/أغسطس، ويجب تعيين مجلس إدارة جديد.
الأمر الأكثر أهمية هو أنه يجب أن تسلَّم سلطة السيطرة على المصرف المركزي إلى الإدارة الجديدة دون اندلاع نزاعات. ينبغي أن تُتَّخذ هذه الخطوات قبل أن يكون من الممكن إقناع المؤسسات المالية الأجنبية التي أوقفت تعاملاتها مع نظرائها الليبيين باستئناف العمل.
كما ينبغي على الأمم المتحدة أن تعطي المفاوضات السياسية الآيلة إلى الانهيار بُعداً اقتصادياً أقوى، من شأنه أن يساعد في إعادة إحيائها، ويضع ليبيا على مسار نحو إطار حكم موحد وأكثر استقراراً.
________________